شهد قطاع البتروكيماويات المدرج في السوق المالية السعودية تحسناً ملحوظاً خلال النصف الأول من عام 2026، إذ تراجع صافي خسائر الشركات العاملة في القطاع بنسبة تجاوزت 50%، لتصل إلى 452.8 مليون دولار (1.7 مليار ريال)، مقارنة بخسائر بلغت 908.5 مليون دولار (3.4 مليار ريال) في الفترة ذاتها من العام الماضي.وجاء هذا التحسن مدفوعاً بارتفاع الكفاءة التشغيلية لشركات القطاع،
وتحسن بعض النتائج من المشاريع المشتركة غير التكاملية، إضافة إلى انخفاض إجمالي خسائر العمليات غير المستمرة وقيم بعض الأصول. في المقابل، قابل هذا الأداء الإيجابي ارتفاع متوسط تكلفة بعض مدخلات الإنتاج وانخفاض الكميات المباعة نتيجة التحديات في سلاسل الإمداد.أداء متباين بين الشركاتمن بين تسع شركات تعمل في مجال البتروكيماويات المدرجة في السوق المالية السعودية،
حققت أربع شركات أرباحاً صافية، وهي: «سابك للمغذيات»، و«ينساب»، و«المجموعة السعودية»،
و«اللجين»، في حين تكبدت خمس شركات خسائر، وهي: «المتقدمة»، و«سبكيم»،
و«سابك»، و«التصنيع»، و«كيان».وتصدرت «سابك للمغذيات» قائمة الأكثر ربحية في القطاع، على الرغم من تراجع أرباحها بنسبة 21.4% لتصل إلى 1.6 مليار ريال،
مقارنة بأرباح 2.04 مليار ريال في النصف المماثل من العام السابق. وأرجعت الشركة هذا التراجع إلى انخفاض الكميات المبيعة وتحديات سلاسل الإمداد، إضافة إلى تراجع نتائج شركة زميلة ومشروع مشترك، مع تحسن متوسط أسعار البيع لمعظم منتجاتها.وحلت «ينساب» في المرتبة الثانية من حيث صافي الأرباح،
محققة 270 مليون ريال خلال النصف الأول، مقابل 58.2 مليون ريال في الفترة نفسها من العام الماضي، بنمو نسبته 363%. ويعود هذا الارتفاع بحسب تحليل الشركة إلى زيادة الإيرادات بفضل ارتفاع متوسط أسعار البيع لجميع المنتجات،
واستمرار تحقيق مستويات متميزة في اعتمادية المصانع، بما انعكس على الكفاءة التشغيلية.أما «المجموعة السعودية» فجاءت ثالثة، بعد أن نمت أرباحها بنسبة 410% لتسجل 194 مليون ريال، مقارنة بأرباح 38 مليون ريال في النصف الأول من العام السابق.وفي المقابل،
تصدرت «كيان» قائمة الخاسرين بصافي خسائر بلغ 1.29 مليار ريال، بارتفاع طفيف نسبته 1.2% عن النصف الأول من العام الماضي الذي سجلت فيه خسائر بقيمة 1.27 مليار ريال. وجاءت «التصنيع» في المرتبة الثانية بخسائر بلغت 889.1 مليون ريال، تلتها «سابك» بصافي خسارة وصل إلى 820 مليون ريال.نتائج الربع الثانيوعلى صعيد نتائج الربع الثاني من عام 2026،
تراجعت صافي خسائر الشركات التسع بنسبة 42.17%، لتصل إلى 2.07 مليار ريال، مقابل 3.58 مليار ريال في الربع المماثل من العام السابق.ويقول محمد حمدي عمر، الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد»،
إن التباين في نتائج شركات البتروكيماويات السعودية لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى اختلاف كل شركة في مزيج المنتجات، وتكلفة مواد المدخلات، ومستويات الإنتاج والمبيعات،
والكفاءة التشغيلية، ودرجة التعرض لاضطرابات سلاسل الإمداد والأسواق العالمية. ويوضح أن من أبرز العوامل مزيج المنتجات والأسواق التي تخدمها كل شركة، فأسعار المنتجات البتروكيماوية لا تتحرك في اتجاه واحد؛ فقد تستفيد شركة من تحسن أسعار منتجات معينة بينما تواجه أخرى ضغوطاً على منتجات مختلفة.ويضيف أن تكلفة مدخلات الإنتاج وهوامش الربحية تشكل عاملاً حاسماً،
إذ لا يتأثر القطاع بسعر البيع النهائي فقط، بل بالفارق بين سعر المنتج وتكلفة المواد الأولية والطاقة والتشغيل. فحتى مع ارتفاع أسعار البيع، يبقى أثرها على الأرباح محدوداً إذا ارتفعت تكاليف المدخلات في الوقت نفسه،
كما أشارت «سابك» في الربع الثاني إلى أن ارتفاع أسعار اللقيم السائل حدّ جزئياً من استفادتها من ارتفاع متوسط أسعار البيع.ويلفت عمر إلى أن الكفاءة التشغيلية واعتمادية المصانع وحجم المبيعات تلعب دوراً محورياً، فالشركات القادرة على الحفاظ على معدلات تشغيل مرتفعة واستقرار الإنتاج يمكنها توزيع التكاليف الثابتة على أحجام أكبر وتحقيق هوامش أفضل، بينما تتحمل الشركات التي تواجه انخفاضاً في الإنتاج أو المبيعات تكلفة أعلى للوحدة. ويظهر ذلك بوضوح لدى «كيان السعودية»،
التي انخفضت إيراداتها في الربع الثاني بنحو 10% على أساس سنوي، في حين ارتفعت خسارتها الصافية إلى نحو 673 مليون ريال.كما يشدد على ضرورة فصل الأداء التشغيلي الحقيقي عن البنود غير المتكررة، فتراجع خسائر «سابك» من 4.07 مليار ريال إلى 833 مليون ريال لا يعني أن النشاط التشغيلي تحسن بالوتيرة نفسها، إذ جاء جزء كبير من التحسن نتيجة عدم تكرار مخصصات وانخفاضات قيمة مرتبطة بأصول وعمليات سُجلت في الفترة المقارنة،
إضافة إلى تحسن نتائج الشركات الزميلة والمشاريع المشتركة.توقعات النصف الثانيويُتوقع أن يدخل القطاع النصف الثاني من عام 2026 مرحلة تحسن تدريجي لكن غير متجانس، وليس بداية دورة صعود قوية وشاملة. فتراجع الخسائر المجمعة يعد مؤشراً إيجابياً، لكنه يحتاج إلى تحفظ عند تفسيره،
لأن جزءاً مهماً من التحسن جاء نتيجة انخفاض بنود استثنائية لدى بعض الشركات، وفي مقدمتها «سابك»، وليس فقط نتيجة توسع قوي ومستدام في الهوامش التشغيلية.وعلى الجانب الإيجابي، توجد فرص لتحسن النتائج إذا شهد النصف الثاني استقراراً أكبر في سلاسل الإمداد،
وتحسناً في الكميات المباعة، واستمرار ارتفاع أسعار بعض المنتجات، مع نجاح الشركات في برامج خفض التكاليف ورفع الكفاءة التشغيلية. وتظهر بيانات «سابك» قدرة الشركات السعودية على التعامل مع الاضطرابات من خلال تحويل مسارات التصدير والاستفادة من البنية اللوجستية على الساحل الغربي للمملكة،
غير أن التحدي الأكبر يتمثل في فائض الطاقة الإنتاجية العالمي الذي لا يزال يضغط على معدلات تشغيل القطاع.ويرى عمر أن نتائج النصف الثاني ستظل مرتبطة بأربعة متغيرات رئيسية: الطلب العالمي وبخاصة من آسيا والصين، وأسعار اللقيم والطاقة، ومستويات المعروض العالمي ودخول طاقات إنتاجية جديدة، وتطورات سلاسل الشحن والتوترات الجيوسياسية.
وبناءً على ذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التحسن التدريجي مع بقاء تفاوت كبير بين المنشآت، حيث ستكون الشركات ذات التكلفة التنافسية والاعتمادية التشغيلية المرتفعة والميزانيات الأقوى ومزيج المنتجات الأكثر تنوعاً هي الأقدر على الاستفادة من أي تحسن في السوق، في حين قد تستمر الضغوط على الشركات التي تعاني ارتفاع تكلفة الإنتاج أو انخفاض معدلات التشغيل.والمؤشر الحقيقي الذي ينبغي مراقبته ليس فقط تراجع صافي الخسائر،
بل تحسن الهوامش التشغيلية وأحجام المبيعات والتدفقات النقدية بصورة مستدامة، بما يعكس تعافياً انتقائياً أكثر منه تعافياً شاملاً للقطاع.