كشفت استعادة الجيش السوداني أجزاء واسعة من إقليم شمال كردفان، لا سيما مناطق بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة من قبضة قوات "الدعم السريع" عن حجم الدمار الكبير في تلك المناطق، إذ بدت الشوارع فارغة والبنية التحتية مدمرة أو مهجورة، وكذلك توقفت المستشفيات والأسواق ووسائل النقل،
وانطفأت الحياة الحضرية التي طالما ميزت مدن ومناطق الإقليم. ومع تصاعد الانتهاكات الجسيمة والجرائم المفزعة التي ارتكبتها "الدعم السريع" في تلك المدن والمناطق نزح معظم سكانها، وماتت فيها مظاهر الحيوية والحياة، ودمرت الأحياء،
فعشوائية الهجمات والتعديات لم تفرق بين المحال العامة والأحياء السكنية فضلاً عن عمليات السلب والنهب التي مارستها تلك القوات. وتداولت منتديات السودانيين بمواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو بثها أفراد من الجيش وناشطون عن حجم الدمار الذي لحق بمعظم المواقع المهمة، بخاصة محطات الكهرباء والمستشفيات والمرافق الحكومية ومنازل المواطنين. وتحول مستشفى مدينة جبرة الشيخ إلى ثكنة عسكرية لـ "الدعم السريع"،
كذلك تعرضت المعامل والأجهزة والمعدات للتخريب والتدمير والسرقة. تدمير ونهب في السياق روى علاء الدين الزين الذي وصل إلى بارا قادماً من الأبيض، مشاهد مروعة لمنازل مدمرة وسيارات محروقة ومشاهد لمبانٍ محترقة وأخرى تهشمت واجهاتها تماماً، وكذلك بيوت فارغة بعد نهبها بالكامل من قبل "الدعم السريع"،
وأسف الزين لما آلت إليه حال مدينة بارا إحدى كبريات مدن ولاية شمال كردفان التي خلت تماماً من مظاهر الحياة وهالته مشاهد الأسواق المحترقة. وأضاف "غالبية منازل الحي الذي أسكن فيه دمرت تماماً، فضلاً عن عمليات سلب ونهب الأجهزة الكهربائية والأثاث والمقتنيات، وامتدت السرقة إلى اقتلاع النوافذ والأسطح المعدنية".
نزوح قسري أما المواطن المهدي إبراهيم الذي وصل للاطمئنان على منزله في منطقة أم سيالة فقال إن "أفراداً من الدعم السريع أجبروا السكان على مغادرة منازلهم قسراً، واختار الآلاف النزوح إلى مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، وبعد استرداد الجيش المنطقة، والعودة،
تفاجأ معظم العائدين أن منازلهم أصبحت جدراناً بلا أبواب خصوصاً بعد سرقتها بالكامل". وأضاف "لم يتبقَّ شيء يمكن أن أنظر إليه داخل المنزل سوى الجدران التي كانت شاهدة على أن اللصوص والعصابات المسلحة من عناصر الدعم السريع يقتحمون البيوت من دون مراعاة حرمتها". وأوضح إبراهيم أن "فرار الأسر للحفاظ على سلامة الأرواح كان عاملاً مساعداً للميليشيات التي نفذت السرقة بنقل المقتنيات بواسطة شاحنات على مراحل، وكانت السرقة تتم في وضح النهار". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) مستشفيات مدمرة وأشار الناشط المجتمعي ماجد ضرار إلى أن فوضى "الدعم السريع" أحالت مناطق شمال كردفان إلى مدن أشباح،
"وباتت الأحياء مهجورة، فضلاً عن الدمار شبه الكامل والتخريب غير المسبوق للمستشفيات والمراكز الصحية وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، إضافة إلى سرقة المعامل والأجهزة والمعدات"، وتابع "شكل حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية الخدمية أكبر الفواجع،
بعدما تعرض أكثر من 80 في المئة من المقار الحكومية ومحطات وشبكات وخطوط إمداد الكهرباء والمياه والمرافق التعليمية للنهب والحرق والتخريب، لتخلو مدن ومناطق بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة من كامل منظومة خدماتها، وتتحول أحياؤها بفعل التهجير القسري والنهب إلى بقع مهجورة مظلمة مكدسة بالنفايات". ولفت ضرار إلى أن "بارا إحدى كبريات مدن ولاية شمال كردفان لن تكون صالحة تماماً للعيش إلا بعد جهود كبيرة جداً إذ تحتاج إلى أموال طائلة لتعود كما كانت،
بخاصة بعد أن خسرت معظم بنيتها الخدمية التحتية الأساسية". تهجير وجراح على نحو متصل أوضح كمال الطاهر الذي وصل إلى منطقة أم قرفة بعد استعادتها من قبل الجيش أن "الدعم السريع" هجرت غالبية سكان المنطقة قسراً، وهرب آخرون بعد تصاعد الانتهاكات الجسيمة والجرائم المفزعة، وكانت وجهة النزوح مدينة الأبيض،
وكذلك ولاية النيل الأبيض. ونوه إلى أن "حجم الدمار والخراب وعمليات السلب والنهب عوامل أسهمت في انهيار وظيفة المناطق والقرى الإنسانية، إذ لم تعد هناك سوق تجمع الناس ولا مركز صحي ولا نقطة مياه ولا مدرسة يذهب إليها الأطفال، واختفت شبكات الدعم التقليدية،
وتحولت الأمكنة من موطن إلى ذكرى موجعة، وحتى إن عاد السكان، فإنهم يجدون أنفسهم في فراغ لا يشبه ماضيهم". ونبه الطاهر من أن "التخريب والفوضى التي مارستها الدعم السريع في مدن ومناطق شمال كردفان،
وكذلك الانتهاكات الواسعة والنزوح القسري خلقت طبقة سميكة من الجراح الاجتماعية، إضافة إلى فقدان الأرض وضياع المواسم الزراعية وتفكك البنى القبلية، ولم تعد هذه المناطق تؤدي دورها في الاقتصاد الريفي، ما خلق ضغطاً هائلاً على المدن التي استقبلت الناجين".
أهمية المدن الخمس وواصل الجيش السوداني وحلفاؤه تقدمهم بمحور شمال كردفان واستعادوا السيطرة على مناطق أم قرفة وجريجخ وأم سيالة ومدينة بارا، وأحكموا السيطرة التامة على طريق الصادرات الحيوي الرابط بين مدن أم درمان، وبارا والأبيض. وتكتسب مدينة بارا أهمية استراتيجية واقتصادية وجغرافية فائقة،
إذ تبعد من العاصمة الخرطوم نحو 317 كيلومتراً وعن مدينة الأبيض نحو 40 كيلومتراً فقط، وتعد ثاني أكبر مدن ولاية شمال كردفان ونقطة وصل محورية بين وسط السودان وغربه. وتمثل منطقة أم سيالة التي تتبع إدارياً لمحلية بارا وتبعد نحو 200 كيلومتر شمال مدينة الأبيض، أهمية جغرافية وعسكرية بالغة،
نظراً لوقوعها على امتداد طرق حيوية تربط بين عدد من المدن والقرى في إقليم كردفان، ما يجعلها نقطة ارتكاز وممر إمداد استراتيجياً لأي قوة تسعى إلى فرض السطوة الميدانية في المنطقة. بينما تقع جبرة الشيخ شمال شرقي مدينة الأبيض، وتضم طريقاً برياً رئيساً يربط المنطقة بشمال ووسط البلاد،
ما منحها أهمية لوجستية كبيرة خلال سنوات الحرب، وتحولت منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) عام 2023، إلى مركز لوجستي لقوات "الدعم السريع"، وفق تقارير أشارت إلى وصول المعدات العسكرية الثقيلة إليها قبل توزيعها على جبهات القتال المختلفة،
فضلاً عن كونها تعد منصة لإطلاق الطائرات المسيّرة باتجاه شمال وشرق ووسط البلاد. وتمثل منطقتا أم قرفة وجريجخ آخر النقاط الاستراتيجية على طريق الصادرات الغربي شمال مدينة بارا، ويكتسب هذا الطريق أهمية خاصة لكونه يعد محوراً حيوياً لحركة الإمداد في إقليم كردفان، فضلاً عن أن السيطرة على الطريق تعني توسع دائرة تأمين مدينة أم درمان لنحو أكثر من 400 كيلومتر وتوسيع نطاق الحماية حول مدينة الأبيض عاصمة الولاية.