توقع «صندوق النقد الدولي» أن يواصل «بنك اليابان» رفع أسعار الفائدة تدريجياً نحو المستوى المحايد، رغم تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكاليف الطاقة، في وقت حذر فيه من استمرار تقلبات أسواق الصرف، خصوصاً في آسيا،
مؤكداً أن التدخل في سوق العملات قد يكون مبرراً عندما تصبح التحركات غير منتظمة وتهدد الاستقرار المالي. وقال «الصندوق»، في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، الصادر الثلاثاء،
إن الاقتصاد الياباني مرشح للنمو بنسبة 0.7 في المائة خلال عام 2026، مقارنة بنمو بلغ 1.2 في المائة العام الماضي، على أن يستقر معدل النمو عند 0.7 في المائة أيضاً خلال عام 2027. وأوضح أن إجراءات الدعم المالي الحكومية ستساعد جزئياً على تخفيف تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة،
بينما يُتوقع أن تتراجع آثار صدمة الطاقة تدريجياً خلال العام المقبل، بالتزامن مع استمرار تطبيع السياسة النقدية. وتعكس هذه التوقعات التحدي الذي يواجهه الاقتصاد الياباني؛ إذ يتعين على السلطات تحقيق توازن بين احتواء التضخم والمحافظة على النشاط الاقتصادي، في ظل اعتماد البلاد الكبير على واردات الوقود والمواد الخام،
واستمرار حساسية الأسعار لتحركات الين. الفائدة تتجه نحو المستوى المحايد ويرى «صندوق النقد» أن «بنك اليابان» سيواصل تشديد سياسته النقدية بصورة تدريجية، وصولاً إلى مستوى للفائدة لا يحفز النشاط الاقتصادي ولا يقيده بصورة مفرطة. وكان «البنك المركزي» قد رفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول) الماضي إلى 1.25 في المائة،
وهو أعلى مستوى منذ 31 عاماً، مع تأكيد استعداده لمواصلة التشديد إذا استمرت المخاطر المرتبطة بتجاوز التضخم مستهدفه البالغ اثنين في المائة. ويأتي موقف «الصندوق» متسقاً مع توجه عدد من البنوك المركزية العالمية التي تواجه ضغوطاً تضخمية ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد. لكن مسار الفائدة اليابانية يظل أعقد بسبب تباطؤ النمو،
إذ قد يؤدي التشديد النقدي السريع إلى زيادة تكاليف الاقتراض على الشركات والأسر، والحد من الاستثمارات والإنفاق الاستهلاكي. وفي المقابل، فإن الإبقاء على سياسة نقدية شديدة التيسير قد يسمح باستمرار انتقال ارتفاع تكاليف الواردات إلى الأسعار المحلية،
خصوصاً إذا ظل الين ضعيفاً. ويشير مفهوم «الفائدة المحايدة» إلى المستوى الذي يساعد على استقرار التضخم والنمو دون تقديم تحفيز إضافي للاقتصاد أو فرض قيود كبيرة عليه، وهو مستوى يصعب تحديده بدقة ويتغير وفق الظروف الاقتصادية. صدمة الطاقة تعيد تشكيل التضخم وتواجه اليابان ضغوطاً متصاعدة نتيجة ارتفاع أسعار النفط والطاقة،
في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي أثرت على أسواق الإمدادات العالمية. ويجعل اعتماد الاقتصاد الياباني على استيراد الوقود والمواد الخام ارتفاع الأسعار العالمية أكبر تأثيراً في تكاليف الإنتاج والنقل والكهرباء؛ مما يزيد احتمالات انتقال الضغوط إلى المستهلكين. كما يؤدي ضعف الين إلى مضاعفة تكلفة الواردات المقيّمة بالدولار؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام مخاطر استمرار التضخم حتى مع تباطؤ النشاط الاقتصادي. وأوضح «صندوق النقد» أن البنوك المركزية تستطيع تجاهل التأثيرات المباشرة وبعض الآثار غير المباشرة قصيرة الأجل لصدمات الأسعار عند تحديد سياستها النقدية،
ولكن بشرط أن تكون الصدمة مؤقتة. وحذر بأن ارتفاع توقعات التضخم قد يستدعي زيادة أسعار الفائدة الاسمية، حتى عندما يكون من المناسب عدم الاستجابة المباشرة لصدمة الطاقة، وذلك للحفاظ على استقرار تكاليف الاقتراض الحقيقية.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة بالنسبة إلى اليابان، حيث يسعى «بنك اليابان» إلى ضمان استقرار التضخم حول مستوى اثنين في المائة، دون السماح بتحوله إلى موجة ارتفاع مستمرة يصعب احتواؤها. الين تحت مراقبة الأسواق وخصص «صندوق النقد» جانباً من تقريره لتقلبات أسعار الصرف،
مشيراً إلى أن أسواق العملات شهدت تحركات حادة، خصوصاً في آسيا؛ مما دفع بعض الدول إلى التدخل للحد من الاضطرابات. وأشار التقرير إلى عملية تدخل مشتركة بين اليابان والولايات المتحدة لدعم الين، في ظل الضغوط التي تعرضت لها العملة اليابانية.
وأكد «الصندوق» أن الحفاظ على انتظام حركة الأسواق والاستقرار المالي يصبح أمراً بالغ الأهمية خلال فترات الصدمات الاقتصادية الكبيرة. ورغم تأييده مرونة أسعار الصرف بوصفها وسيلة لامتصاص الصدمات الخارجية، فإنه أوضح أن التدخل المؤقت قد يكون مناسباً عندما تصبح تحركات العملات غير منتظمة. وحدد التقرير حالات يمكن أن تبرر التدخل،
من بينها تسارع انخفاض العملة بصورة تغذي مزيداً من التراجع، وتدهور السيولة في سوق الصرف، وتهديد استقرار الأسعار نتيجة الانتقال الحاد لتغيرات سعر العملة إلى التضخم. كما يمكن النظر في التدخل إذا أدت تحركات العملة إلى ضغوط كبيرة على المراكز المالية للشركات والمؤسسات التي تتحمل التزامات بعملات أجنبية.
ويعكس هذا الموقف اعترافاً بأن مرونة سعر الصرف تظل القاعدة الأساسية، لكن الظروف الاستثنائية قد تتطلب إجراءات مؤقتة لمنع اضطرابات مالية أوسع. اختبار السياسة الاقتصادية اليابانية تأتي توقعات «صندوق النقد» في وقت تحاول فيه الحكومة اليابانية إعادة ضبط سياستها الاقتصادية، مع التركيز على احتواء التضخم والحفاظ على استدامة المالية العامة.
وكانت رئيسة الوزراء، ساناي تاكايتشي، قد أكدت أخيراً أن الاقتصاد لم يعد بحاجة إلى سياسات تستهدف إعادة تنشيط التضخم، مشددة على احترام استقلالية «بنك اليابان» في تحديد أسعار الفائدة.
كما تعهدت الحكومة بمراقبة تحركات الين والأسعار بعناية، واتخاذ الإجراءات المناسبة عند الضرورة. ويعزز تقرير «صندوق النقد» أهمية التنسيق بين السياستين المالية والنقدية، دون المساس باستقلالية «البنك المركزي»،
خصوصاً أن زيادة الإنفاق الحكومي بصورة واسعة قد تُعقّد جهود السيطرة على التضخم. وفي الوقت نفسه، قد يساعد توجيه الدعم المالي إلى الفئات الأكبر تأثراً بارتفاع أسعار الطاقة في تخفيف الأعباء المعيشية دون خلق ضغوط إضافية كبيرة على الطلب. وسيكون على «بنك اليابان» تقييم مدى استمرار صدمة الطاقة،
وتأثير ضعف الين في الأسعار، واتجاه توقعات التضخم، قبل تحديد وتيرة الزيادات المقبلة في الفائدة. وتشير تقديرات «الصندوق» إلى أن اليابان تتجه نحو مرحلة من النمو المحدود والسياسة النقدية الأكبر تشدداً،
حيث تصبح إدارة المخاطر أكبر أهمية من الاعتماد على التحفيز الاقتصادي التقليدي. ومع توقع نمو لا يتجاوز 0.7 في المائة خلال العامين الحالي والمقبل، فستظل قدرة السلطات على احتواء التضخم واستقرار الين، دون إضعاف النشاط الاقتصادي،
الاختبار الرئيسي للسياسة الاقتصادية اليابانية خلال المرحلة المقبلة.