في رواية «طواحين الهوى»، يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي من صعيد مصر مسرحاً لتأملاته حول الهامش المكاني، الذي يبدو فضاءً زاخراً بالمهمشين الذين يكافحون الانصهار تحت وطأة الكفاف. يتجاوز المكان كونه مجرد خلفية جغرافية،

ليصبح بنية ضاغطة تعيد إنتاج الفقر والقهر، تماماً كما تعيد الطاحونة دورانها الأبدي.يمهد الكاتب أرضيته السردية بنسج عالم يلوذ بالحكايات والنميمة، بوصفهما تسرية عن قسوة اليوم ووحشة الليل. تتحول الحكايا هنا إلى آلية بقاء،

وطريقة جماعية لتخفيف ثقل الحياة، ومتعة ليلية بعد قهر النهار، يلتف حولها الناس بجوار كانون الشاي الثقيل. يختار الكاتب هذه التهيئة الجمعية تمهيداً لتفاعل الأهالي مع لغز اختفاء أبناء النجع «حامد» و«صباح»،

لتشتعل حولهما الشائعات.يستدعي الراوي، الذي تربطه بـ«حامد» علاقة ممتدة، حكاية هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنيان،

المحب للغناء الصعيدي، والذي يقضي يومه عاملاً باليومية مستنداً إلى قوته الجسدية وحدها. يتندر به أهل القرية ويصفونه بالأبله، غير أن السارد يبدو حريصاً على إنصافه سردياً بعد أن حُكم عليه اجتماعياً.

يبدو اختيار مهنة «الفاعل» اختياراً دالاً، فـ«حامد» أقرب إلى سيزيف معاصر، مربوط في طاحونة اليوم، يحمل ثقله كل صباح من أجل يومية زهيدة لا يرجو منها سوى دخان المعسل الذي يكون عزاءه الوحيد.يتروى العديسي في رسم سياقات القرية مشهدياً،

ما بين قيظ يشتد وعلامات طبيعية من حقول قصب وذرة وأسطح بيوت فقيرة. يحرر الطقس من كونه مجرد خلفية ليصبح سلطة رمزية تهيمن على المشهد، حيث يتبختر القيظ بخيلاء معلناً سلطانه على الملأ. كما يبدو الهواء المحمل بالسخونة متواطئاً على نشر الشائعات في البلدة الصغيرة التي تأكل الحكايات وتقتات من فضلات الأخبار.يتقدم السرد على وقع اقتيات أهل النجع لخبر هروب «حامد» و«صباح»،

بوصفهما عاشقين خرجا عن تقاليد القرية. ترسم الحكايا صورة «حامد» (الأبله) الذي وُضع على هامش العقل، و«صباح» التي وُضعت على هامش الجمال، كثنائي اختارته القرية مسبقاً ليكون خارج مركزها،

لذلك لم يكن هروبهما مجرد فضيحة بل مناسبة لا تخلو من التندر والسخرية.تكشف مفارقة لافتة عن تعلق «حامد» بالراديو وغناء المداحين وأغاني «الكف»، كنافذة لفهم تركيبته الإنسانية. يتوقف الراوي عند اعترافه بالعجز عن فهم كيف يستوعب أهل القرية المعنى الصعب في قصائد ابن الفارض وابن العربي رغم عدم تعلمهم القراءة والكتابة. هذا الاعتراف يكشف عن وعي نقدي يتسرب داخل طبقات السرد،

عبر لسان الراوي الذي ينظر إلى القرية من داخلها مع احتفاظه بمسافة تحليلية.يستدعي السارد ذكرياته مع «حامد» كمقوم سردي يظل يضيء المنطقة الإنسانية الملتبسة لديه. يسخر منه أهل النجع ويسمونه «العندليب الأسود» بفضل صوته الغليظ، بينما يسعى لحضور تجمعات المداحين والموالد والعزاءات والأفراح، مما يكشف عن توقه إلى الانتماء الجمعي.

تظل علاقته بوالدته «شفا» التي تحتل مكانة طيبة في النجع علاقة رعاية ممتدة، حيث ترعاه بحنو بالغ لا يخلو من وعي باستعصاء حاله اجتماعياً.لا يحسم السارد طبيعة «الاختلاف» الذي يمتلكه «حامد»، بل يتركه موارباً بين البراءة والغموض، بوصفه شيئاً مغايراً.

في هذه المسافة يتجلى موقف السارد بوضوح، فهو لا يتبنى حكم الجماعة بل يعيد مساءلته. مع عودة «حامد» و«صباح»، يدخل السرد إلى مساحة اشتباك أوسع،

تكشف عن تبادل مواقع الهامش والسخرية، حيث تتقاطع موازين القوة بين التمرّد والسلطة الاجتماعية وقوانين الثأر. رهان «حامد» في النهاية لا يتجاوز الوقوع في الحب والتعلق بأغاني الصعيد الشجية التي يتلقاها بحساسيته المرهفة، فتبادله الهوى بالحساسية نفسها.