ازدهرت فنون العزف والغناء في كنف الأسرة الأموية، وشهدت تطوّراً كبيراً، كما نقل كبار الرواة، وأشهرهم أبو فرج الأصفهاني،

صاحب كتاب «الأغاني». في المقابل، يحوي ميراث الفن التصويري الأموي عديداً من اللوحات التي تشهد لها بالازدهار، أشهرها تلك التي نراها في قصير عمرة،

في شمال الصحراء الأردنية. في هذا السياق، لوحة من الحجم الكبير، تجمع بين عازف عود وعازف مزمار،

مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غربي تدمر، في البادية السورية. خرجت هذه اللوحة من الظلمة إلى النور في خريف عام 1936،

خلال أعمال المسح التي كشفت عن هذا القصر، وتمّ نقلها إلى متحف دمشق الوطني في العام التالي، وجرى تثبيتها في جناح خُصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي، افتُتح خلال عام 1950.

تشكّل هذه الصورة في الأصل جزءاً من لوحة تشكيلية ضخمة تزيّن أرض غرفة مستطيلة، مدخل القصر. تجمع هذه اللوحة الضخمة بين ثلاثة مشاهد مستقلة، منها مشهدان حافظا على معالمهما بشكل شبه كامل،

فيما ضاع المشهد الثالث، وبقيت منه شذرات قليلة لا تسمح بتحديد موضوعه بشكل جليّ. يحتل مشهد العزف الموقع الأعلى في التأليف، ويليه في الوسط مشهد خُصّص لموضوع الصيد.

يظهر المشهد الثالث في الجزء الأسفل، ويبدو أن بقاياه ضاعت عند نقل اللوحة الأرضية، وأثره الوحيد يتمثّل برسم توثيقي اُنجز عند اكتشاف هذا الأثر الفني. تتبع هذه اللوحة التقنية الخاصة بالرسم الجداري،

وقاعدتها من الملاط الجصِّي الجاف، وما حُفظ منها يحتل مساحة لوح شبه مربّع، يبلغ طوله 5 أمتار، وعرضه 4.85 متر.

يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض، قوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلاع، تزيّنها أزهار محوّرة هندسياً. تتكوّن كل زهرة من أربع بتلات،

وتبدو أشبه بأنجم متراصة ومتداخلة، في تقسيم محكم، يغلب عليه الطابع التجريدي. يجمع المشهد الموسيقي بين قامتين متواجهتين،

في وضعية نصف جانبية. تحضر كل من هاتين القامتين المنتصبتين تحت قوس مجرّد، وتظهر في القسم الأعلى من اللوحة ثلاثة عناصر زخرفية مزهرة، تستقر بين أطراف القوسين المتوازيين.

يرتفع هذان القوسان على ثلاثة أعمدة رفيعة، يعلو كلّاً منها تاجٌ مستطيل مسطّح، يخلو كذلك من أي عناصر زينية.

تحضر من جهة اليسار قامة تبدو أنثوية، كما توحي كتلة شعرها الملتفة من خلف رأسها على شكل كعكة. ترتدي هذه المرأة ثوباً فضفاضاً وُشِّح باللون الأخضر، يمتدّ حتى أسفل الساقين،

كاشفاً عن قدمين صُورتا في وضعيّة جانبية، تنتعلان حذاءً أرجوانياً. يعلو هذا الثوب الأخضر معطف موشّح باللون البنفسجي، تتدلّى ثناياه على طرفي القامة،

ويظهر في الوسط حزام ينعقد حول الخصر، يتدلّى منه شريط عمودي عريض. تحمل هذه المرأة آلة العود في وضعيّة تتميّز بطابعها الحي، إذ تمسك بيدها اليسرى على مقبض الآلة،

وتضرب على أوتارها بيدها اليمنى. تخلو الخلفية المجرّدة من أي عنصر تصويري يوحي بعمق البعد الثالث، وتتمّثّل زينتها الوحيدة في إناء ذي عنق طويل، تحدّه عروة رفيعة.

تتطلّع عازفة العود في اتجاه القامة المواجهة لها في الجانب المقابل، وما بقي من ملامح وجهها البيضاوي يوحي بأنّها ترمقه بنظرة من عينيها. توحي ملامح هذه القامة بأنها تعود إلى شاب أمرد، ولباس هذا الشاب من الطراز الساساني،

وقوامه رداء أحمر فضفاض يعلوه حزام معقود حول الخصر، وسروال أرجواني يتميّز بطرفيه المكوّرين، إضافةً إلى قلنسوة مسطّحة يعلوها شريط يتدلّى من خلف الظهر. يمسك هذا الفتى بيديه مزماراً يرفعه إلى طرف ثغره،

ويعزف بأنامله على هذه الآلة، وهو يتطلّع في اتجاه عازفة العود. مثل زميلته، يحضر هذا العازف في وضعية نصف جانبية،

وتظهر قدماه في وضعية جانبية، وتنتعلان حذاءً غلب عليه اللون الأبيض العاجيّ. في طرف الصورة، ترتفع نبتة مزهرة في موازاة الإناء الطويل،

وتحمل هذه النبتة الطويلة أربع أزهار، تماثل في تكوينها تلك التي تزيّن إطار اللوحة الجامع. تعيد هذه اللوحة التشكيلية الأموية إلى الذاكرة الأخبار التي تناقلها الرواة على مدى قرون طويلة من الزمن. يذكر أبو فرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني» كوكبة من العازفين والعازفات،

منهم عزة التي سُميّت الميلاء «لتمايلها في مشيها»، «وقيل: بل كانت تلبس الملاء، وتشبّه بالرجال، فسُمّيت بذلك»،

وهي «ممّن أحسنّ ضرباً بعود، وكانت مطبوعة على الغناء، لا يعيبها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه»، وقد «أخذ عنها ابن سريج وابن محرز».

«كان ابن سريج في حداثة سنّه يأتي المدينة، فيسمع من عزّة ويتعلّم غناءها، ويأخذ عنها، وكان بها معجباً».

قيل انه «أوّل من ضرب بالعود الفارسي على الغناء العربي». وقيل في وصفه: «ما خلق اللّه تعالى بعد داود النبيّ عليه الصلاة والسلام أحسن صوتاً من ابن سريج، ولا صاغ اللّه عزّ وجلّ أحداً أحذق منه بالغناء». أمّا ابن محرز،

فكان يتنقل بين المدينة ومكة، «ثم شخص إلى فارس فتعلّم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلّم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين،

وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألّف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله، وكان يقال له صنّاج العرب».