يحتل قصر قصير عمرة مكانة فريدة بين القصور الأموية المكتشفة في صحاري بلاد الشام، إذ يتميز بجدارياته التي تشكل ثروة فنية غنية بالصور متعددة المعاني. منذ اكتشافه في مطلع القرن الماضي، ظلت الأبحاث مستمرة لدراسة هذه الرسوم وتحليلها.تنتشر الجداريات في قاعة رئيسية تتكون من ثلاثة إيوانات،
ويتوسطها ركن العرش. في هذا الركن، يجلس أمير القصر على عرشه تحت قبة على شكل قنطرة، تزينها لوحة مبتكرة تجمع سلسلة من القامات الأنثوية التي تعكس طرازاً شاع في العالم المتوسطي خلال القرون الميلادية الأولى.
تمثل هذه القامات على الأرجح الأرض المثمرة بوفرة خيراتها، التي ورثتها الخلافة الأموية وأضحت أمينة عليها.الزخارف النباتية والحيوانيةيتوسط سقف القنطرة شريط تزييني عريض ومتقن، يجمع بين الزخارف النباتية التقليدية والعناصر التصويرية. يتألف الشريط من أربع زهريات يونانية متراصة عمودياً،
تحيط بها شتول من نبات الأقنثا، تمتد بأوراقها بشكل هندسي تجريدي. لا يخلو التأليف من قوامين بشريين متواجهين في الأسفل وطائرين متواجهين في الأعلى، مما يضفي بعداً حيوياً على اللوحة.تحيط بهذا الشريط ست قامات نسائية نصفية،
موزعة على جانبي جداري القنطرة في بناء تعادلي محكم. تتميز هذه القامات بتشابه كبير يكاد يصل إلى التماثل، مع اختلافات طفيفة في الألوان والنقوش. كل قامة ترتدي جبة واحدة،
وتحمل وشاحاً عريضاً مفتوحاً عند الصدر، ورؤوسها مرفوعة تنظر مباشرة إلى المشاهد.تستقر كل قامة داخل قوس مزين بنقوش متراصة، وتحيط بها مساحة أفقية تزينها طيور الدراج. على الحائط الغربي،
ثلاثة طيور تصطف أفقياً إلى جانب زهرية يونانية، ويتكرر التصميم نفسه على الحائط الشمالي. الأقواس الستة ترتفع فوق أعمدة رخامية طويلة تعلوها تيجان كلاسيكية تعرف بقوس المجد.قامات الحرس والمرأة المثمرةبين الأعمدة، تنتصب سلسلة من القامات في وضعية المواجهة.
على الحائط الغربي، تظهر تحت القوس الأول ثلاث قامات محا معظم تفاصيلها، لكن ما تبقى يكشف عن قامة ملكية ترافقها قامتان من رجال الحرس، تدلان على ذلك الرماح التي تخلفها ظهورهم.
تحت القوس الثاني، تقف امرأة وسط شجيرات خضراء تحمل بيديها شتولاً مزهرة، وتحت الثالث، امرأة أخرى في وضعية مماثلة.
يتكرر التأليف على الحائط الشمالي مع اختلاف في التفاصيل: تحت القوس الأول، الحرس مع القامة الملكية؛ تحت الثاني، امرأة وسط شجيرات مثمرة؛ تحت الثالث، رفيقتها ترفع بيدها اليسرى قرناً ضخماً.يستعير هذا التصوير مفرداته من القاموس التشكيلي الكلاسيكي.
المرأة التي ترفع الرزمة تمثل غايا، الأرض الأم التي ولد منها الكون، وفقاً للتكوين اليوناني، وتحولت في العصر المسيحي إلى الأرض الطيبة التي تحمل الثمار.
أما القامات النسائية المنتصبة فتجسد الخصوبة، وفق مبدأ تشخيص الفضائل والقيم الذي اعتمده الفن الكلاسيكي، واستمر في الفن المسيحي.في ركن العرش، تبرز أربع قامات من هذا الطراز،
تتميز إحداها برفع قرن بيدها عالياً. هذا القرن، المعروف بقرن الوفرة، ارتبط في القرن الخامس قبل الميلاد بهاديس،
سيد العالم السفلي، كناية عن كنوز باطن الأرض. لاحقاً، ارتبط بتيكه،
سيدة الحظ السعيد والازدهار، وبات لكل مدينة مزهرة تيكه خاصة. ورث الفن المسيحي هذا الرمز وجرده من دلالاته الأولى، وجعله رمزاً للعطاء،
ودخل الفن الأموي من هذا الباب.القامة الملكية والحكمة والشعرتظهر القامة الملكية مع حرسها على الجدار الغربي والشمالي، بينما يجلس صاحب القصير متربعاً على عرشه في صورة مركزية على الجدار الجنوبي. تتآلف هذه العناصر لتعكس صورة سيادة الخلافة على الأرض المثمرة. في الإيوان الشرقي،
لوحة جامعة تعلو أعلى الجدار الجنوبي، تضم قامة نسائية خلف أخرى تمسك بذراعها، وترافقهما كتابتان باليونانية: الحكمة والتاريخ. تتطلع هاتان السيدتان نحو قامة متكئة على عمود قصير مكتوب عليها الشعر.
في الإيوان الغربي، فوق لوحة الأمير وديوانه، يظهر طاووسان متواجهان، تعلو كلاً منهما عبارة: النعمة والنصر.في الخلاصة،
تمتد سيادة الخلافة الأموية لتشمل الأرض الطيبة بكل غلالها، وتتزين بفضائل التاريخ والحكمة والشعر، وتحظى في حكمها بالنعمة والنصر، كما تجسده جداريات قصير عمرة الخالدة.