لم يعد الذكاء الاصطناعي التوليدي مجرد أداة للبحث عن المعلومات أو صياغة النصوص، بل تحول إلى شريك يومي ذي طابع شخصي ومتكرر، ما يثير تساؤلات جوهرية حول تأثيره في سلوك الإنسان وعلاقاته الاجتماعية. ويدعو باحثون من جامعتي نورث إيسترن لندن وكينغز كوليدج لندن إلى اعتبار التفاعل مع هذه الأنظمة ظاهرة اجتماعية ممتدة،

تستحق دراسة متعمقة تتجاوز حدود الحوار الفردي الآلي.تفاعل يتجاوز الشاشةتختلف النماذج اللغوية عن الوسائط الرقمية التقليدية في أنها تستجيب للمستخدم وتتكيف مع أسئلته، وتحاكي مشاعره بأسلوب يبدو شخصياً ومتبادلاً. ويرى الباحثون أن تكرار هذا النوع من التواصل قد يعيد تشكيل طريقة تحدث الإنسان، وتوقعاته من الآخرين،

وأسلوبه في إدارة الخلافات أو طلب الدعم. وقد تنتقل هذه الأنماط المكتسبة إلى التعامل مع الشريك أو الصديق أو الزميل أو العميل.وتقول أندريا صوفيا تيكسيرا، الأستاذة المشاركة في جامعة نورث إيسترن لندن، إن المشكلة لا تكمن في أداء الذكاء الاصطناعي،

بل في أثر هذه التفاعلات المستمرة في البشر، وكيف يمكن أن تؤثر بمرور الوقت في المجتمع بأكمله.غرفة صدى لشخص واحدمن بين المخاطر التي يحذر منها الباحثون ميل بعض النماذج إلى مجاراة المستخدم وتأكيد أفكاره حتى لو كانت غير دقيقة أو تحتاج إلى مراجعة. ورغم أن هذه الخاصية تجعل المحادثة أكثر راحة، فإنها تقلل تعرض الإنسان لآراء مختلفة أو اعتراضات حقيقية.

وتصف تيكسيرا هذا الوضع بأنه "غرفة صدى لشخص واحد"، إذ يعيد النظام للمستخدم أفكاره وحالته العاطفية في صيغة تبدو داعمة ومقنعة.ومع تخصيص المحادثات واستمرارها، قد ينشأ اعتماد عاطفي يدفع الفرد إلى تفضيل النظام على التواصل البشري الحقيقي. وتشير الباحثة إلى أن تجاهل طبيعة هذه العلاقة قد يؤدي إلى مزيد من العزلة وتقليل التفاعل الإنساني،

خاصة لدى الأطفال أو المصابين بالقلق والاكتئاب، الذين يحتاجون إلى وجهات نظر خارجية لكسر دائرة الأفكار المتكررة، لا إلى نظام يعيد إنتاجها باستمرار.الاحتكاك البشري ضروريتوفر المحادثة مع الذكاء الاصطناعي استجابة سريعة ومنظمة، دون التعقيدات التي ترافق العلاقات البشرية من خلافات وسوء فهم.

لكن الباحثين يلفتون إلى أن هذه الاختلافات ليست جوانب قابلة للحذف من العلاقات دون أثر. فالمرونة تُكتسب عبر الاحتكاك اليومي، إذ يتعلم الإنسان التكيف ومواجهة التحديات عندما تظهر.ويحذر المختصون من تفويض أجزاء متزايدة من اتخاذ القرار إلى النماذج اللغوية، خاصة في مجالات العلاقات والعمل والحياة اليومية.

فطلب النصيحة قد يتحول تدريجياً إلى اعتماد كامل على نظام لا يدرك التجربة الإنسانية رغم أسلوبه اللغوي المقنع.فوائد محتملة لا تلغي المخاطرلا يدعو الباحثون إلى رفض روبوتات المحادثة، إذ تتيح وصولاً أوسع إلى المعلومات وتقدم شكلاً أولياً من المساندة، وتساعد غير الناطقين بالإنجليزية في التواصل، وتمنح البعض مساحة لتنظيم أفكارهم.

لكن تيكسيرا ترى أن هذه الأنظمة ما زالت بعيدة عن الأمان المطلوب لأدوار حساسة، خصوصاً عندما تقدم نفسها بطريقة تشجع المستخدم على التعامل معها كمعالج أو صديق موثوق.ويقترح المؤلفون ضرورة تعاون باحثي الذكاء الاصطناعي مع علماء النفس والاجتماع والإدراك وعلوم الشبكات، لفهم أعمق لهذه الظاهرة قبل أن تتوسع تأثيراتها في المجتمع. قد تتحول النماذج التي تجاري المستخدم وتؤكد أفكاره إلى «غرفة صدى» تزيد العزلة والاعتماد العاطفي (غيتي)