فوجئ آلاف السودانيين العاملين في مجال التنقيب التقليدي عن الذهب شمال البلاد وبالقرب من الحدود مع مصر يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، وهم يستعدون ليوم جديد من العمل بالقذائف تنهال عليهم، مما أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى، في وقت لا تزال الحصيلة النهائية للضحايا غير معروفة بسبب صعوبة الوصول إلى المواقع المستهدفة.
وتداولت منتديات السودانيين بمواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توثق غارات نفذتها طائرات حربية استهدفت بصورة مباشرة مواقع التعدين المنتشرة حول منطقة جبل العقيدات، فضلاً عن وجود جثث وجرحى، وآخرين عالقين داخل آبار المناجم العميقة، بينما لاذ العشرات بالفرار هائمين على وجوههم في الصحراء.
وتعد منطقة جبل العقيدات، إلى جانب الجبل الأحمر، من أكبر مناطق التعدين الأهلي عن الذهب في شمال السودان، إذ يعمل فيها آلاف المعدنين.
وتقع مواقع التعدين المنتشرة حول منطقة جبل العقيدات والجبل الجبل الأحمر داخل الأراضي السودانية، وتسيطر عليها الحكومة، وهي من أكبر مناطق التعدين الأهلي عن الذهب في شمال السودان، وتمتد أنشطة التعدين حتى منطقة أوسيف بولاية البحر الأحمر شرق البلاد.
أوضاع كارثية في السياق، قال عبد الكريم عامر أحد الناجين من أحداث القصف إن "غارة جوية استهدفت منطقة تجمع المعدنين السودانيين في السابعة من صباح الثلاثاء، مما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات في الحال، ولم نتمكن من إسعاف المصابين خشية تعرضنا للقتل".
وأضاف أن "القصف سبب حالة من الذعر والخوف وسط المعدنين، خصوصاً الأطفال وكبار السن، الذين عاشوا ساعات عصيبة وسط أصوات القصف المفاجئة". وأوضح عامر أن "عدداً من المعدنين اضطروا اليوم الخميس إلى الخروج من منطقة جبل العقيدات نحو الولاية الشمالية من دون التمكن من حمل الممتلكات باستثناء بعض الحاجات الضرورية،
في محاولة للنجاة بأرواحهم". وتابع المتحدث "غادر المئات مناطق التعدين، ويعاني العالقين أوضاعاً إنسانية كارثية بخاصة الجرحى، إذ يواجهون صعوبة الوصول إلى المراكز العلاجية بسبب عدم وجود وسائل النقل،
إضافة إلى النقص الحاد في الغذاء ومياه الشرب، في وقت لجأ فيه آخرون إلى الجبال هرباً من القصف". نشاط مستمر يرى المتخصص في مجال التنقيب التقليدي عن الذهب في السودان معتصم المبارك أن "الأحداث التي وقعت بالقرب من الحدود المصرية ليست الأولى، وسبق أن حدثت مشكلات واعتداءات متبادلة خلال السنوات الماضية،
وسقط قتلى وجرحى، كذلك نشاط المعدنين معلوم لحكومة البلدين، وهو يتم داخل الأرضي السودانية". واستبعد المبارك وجود عناصر لقوات "الدعم السريع" في مناطق التعدين بجبل العقيدات والجبل الأحمر،
نظراً لأن تلك المناطق توجد داخل الأراضي السودانية، لافتاً إلى أن "الآلاف الذين يعملون في مجال التنقيب عن الذهب في شمال البلاد مواطنون مدنيون أجبرتهم ظروف الحرب والأوضاع الاقتصادية الصعبة على العمل في هذا المجال على رغم قسوته والأخطار الفادحة والمعاناة المضاعفة". وأشار إلى أن "نشاط المعدنين السودانيين بالقرب من الحدود المصرية مستمر منذ سنوات طويلة، ويعمل الآلاف في هذا المجال من دون اعتراض من أية جهة،
ويتنقل السودانيون بكل حرية، لكن هذه الاحتكاكات تحدث بين الفنية والأخرى". مفقودون وقتلى من جانبه، أشار صديق محجوب أحد الناجين من القصف إلى أن "القصف دفع عدداً كبيراً من المعدنين السودانيين للفرار نحو المناطق الجبلية والكهوف بحثاً عن ملاذ آمن،
ولا يعرف مصير العشرات منهم حتى الآن". ولفت إلى أن "هناك مئات المفقودين في مناطق التعدين، إلى جانب وجود قتلى وجرحى داخل الآبار لم يتم نقلهم إلى المستشفيات والمراكز الصحية بسبب استمرار القصف". ونوه محجوب بأن "الأوضاع باتت أفضل اليوم الخميس بعد وصول مركبات لنقل العالقين إلى الولاية الشمالية،
وكذلك إسعاف المصابين إلى المراكز الصحية لتلقي العلاج". معالجة جادة في أول رد فعل من مسؤول حكومي سوداني، أعرب المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة أمجد فريد عن أسفه إزاء الأحداث التي وقعت للمعدنين السودانيين، وما صاحبها من عنف شديد وسقوط مؤلم للضحايا.
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأضاف أن "الأحداث تستحق معالجة جادة ومسؤولة على أعلى المستويات بين الحكومة السودانية والمصرية، لافتاً إلى أنها "ليست هذه الحادثة الأولى من نوعها، بل تأتي في سياق سلسلة من الاحتكاكات والاعتداءات المتبادلة التي سقط فيها ضحايا من الجانبين خلال السنوات الماضية". ودعا فريد إلى أن يتم التعامل مع هذه الأحداث بمنطق الدولة والمسؤولية،
لا بمنطق الاستثمار السياسي الرخيص والاستقطاب السلبي. وأكد مستشار مجلس السيادة السوداني أن "قنوات التواصل بين البلدين مفتوحة، وأن المعالجة الرسمية لهذه القضية جارية بالفعل لضمان عدم تكرارها". حلول سلمية على نحو متصل،
أعلن حزب الأمة القومي أنه يتابع بقلق بالغ الأنباء المتعلقة باستهداف مناطق في شمال السودان وما ترتب عليها من خسائر بشرية بين المواطنين العاملين في قطاع التعدين الأهلي. واعتبر الحزب، في بيان، أن استخدام القوة العسكرية داخل الحدود السودانية يمثل تطوراً بالغ الخطورة من شأنه تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة إذا لم يتم التعامل معه بصورة عاجلة.
وطالب الحزب بإجراء تحقيق دولي مستقل وشفاف للكشف عن ملابسات الحادثة وتحديد المسؤولين عنها، وضمان إنصاف الضحايا وتعويض المتضررين، واتخاذ إجراءات تمنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً. وجدد الحزب تمسكه بالحلول السلمية واحترام مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
مصادر للرزق ويعتمد نحو ثلاثة ملايين شخص من سكان السودان على قطاع التعدين التقليدي للذهب كمصدر رئيس للعيش. وبحسب دراسة أجرتها الشركة السودانية للموارد المعدنية، فإن القطاع تعمل فيه شرائح المجتمع كافة، من طلاب وموظفين وعمال،
ومزارعين ورعاة بغرض الثراء السريع وتحسين ظروف أسرهم المعيشية، على رغم مشقة العمل وسط الصحارى والأصقاع النائية، فضلاً عن الأخطار الصحية وحوادث الموت المتكررة تحت أنقاض آبار التعدين. وتنتشر مواقع التنقيب التقليدي في منطقة جبل العقيدات والجبل الجبل الأحمر شمال السودان وبالقرب من الحدود مع مصر،
وتنشأ حول أماكن التعدين مخيمات وأكشاك موقتة يوجد فيها العاملون في النشاطات الاقتصادية الصغيرة من مطاعم وتجارة جوالة.