في مجموعتها القصصية «حلقٌ صينيّ لا ترتديه ماجي» تشكل الحياة اليومية الفضاء السردي الذي تختبر فيه الكاتبة والروائية المصرية ضحى عاصي أثر التحوّلات العالمية، عبر مفارقات تبدو عابرة لكنها تضع شخصياتها في مواجهات ندّية مع السياسة والاقتصاد، فتدفعها إلى إعادة تعريف ذواتها وسط تلك الدوائر المتداخلة.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار «دوِّن» للنشر بالقاهرة، وفيها يتكثف الاشتغال على الرمز، حيث تتحوّل ملامح الأشياء المادية، من الهاتف المحمول والحُلي،

ووجبة «ماكدونالدز»، وبوليصة التأمين، إلى شفرات سردية تقرأ من خلالها الكاتبة تحولات منظومة القيم، وما تتركه من أثر في الهُوية الذاتية،

وبذلك تنحاز النصوص للتاريخ المكتوب في البيوت والجيوب والذاكرة. عبر خمس وعشرين قصة قصيرة، يتحرى السرد الهشاشة البشرية من خلال مواقف مُبطنة، تستدرج أبطاله إلى مناطق جديدة لاختبار غواية الحياة الحديثة من زوايا مختلفة،

ففي قصة «مقامرة الأسئلة الخمسة» يتزامن عيد ميلاد البطلة الخمسين مع رسالة صوتية تستدرجها إلى عالم الاحتمالات واليناصيب المراوغ: «لم تكن شيري في حاجة مادية فعلية لأن تذهب وراء هذه الرسالة التي جاءتها وهي تتصفح أحد مواقع الإنترنت بأنها اليوم الفائز بجهاز الآيفون الأحدث مجاناً»، ومنذ تلك اللحظة لا تعود القصة معنية بالآيفون في ذاته، بقدر ما تنشغل بالكيفية التي تخلق بها الثقافة الاستهلاكية رغبات لم تكن في الحسبان، وتدفع الإنسان إلى ملاحقة احتمالات تحتل مكاناً متقدماً من الوعي،

فيصبح «الآيفون» بهذا المعنى صانعاً للرغبة أكثر من كونه موضوعاً لها. ولا تنفصل هذه الدلالة عن الثنائيات التي تنسجها قصص المجموعة بين المادي والرمزي، وبين القيمة التي يحددها السوق وتلك التي تحفظها الذاكرة، ففي «سرقة غير ممكنة» تستيقظ البطلة بوجه «صافٍ ومشرق،

لكنه بليد» لتنحو إلى مراجعة ذاتية تستحضر العمر ومحطاته، فيما يتسلل السرد إلى مساءلة صناعة التجميل بوصفها آلية لمحو «الخطوط التعبيرية» ومعها الفروق الفردية تحت شعارات الكمال. وفي «ساعة يد» يضعنا السرد داخل توتر يصنعه منطقان، إذ تعجز الشرطة عن فهم إصرار البطلة على التبليغ عن ساعة بلاستيكية مسروقة،

فيتكرر السؤال: هل هي مصنوعة من الذهب؟ هل ترصعها قطع من الألماس؟ وفي المقابل، تتمسك البطلة بسرديتها الحاضنة لتاريخها الشخصي،

لتطرح القصة سؤالاً ضمنياً عن إمكانية «تسعير» التاريخ الشخصي، أو محوه حين يعجز عن الدخول في حسابات السوق. ومن خلال تكرار أسئلة التحقيق، ينسج السرد إيقاعه بين نبرتي الاستجواب والدفاع،

ليبلغ أقصى توتر بين القيمة المادية والقيمة العاطفية للأشياء. وفي القصة التي تحمل المجموعة عنوانها «حلقٌ صينيٌّ لا ترتديه ماجي» لا تتوقف كلمة «صيني» عند بلد المنشأ الذي تزوره البطلة في رحلة عمل فحسب،

إنما تستدعي دلالتها الشعبية بوصفها مرادفاً للبديل أو «المُقلد»، لتصبح الحُلي وسيلة للتفاوض مع الواقع الاقتصادي، بما يكشف كيف تعيد الأزمات الاقتصادية تشكيل علاقة الإنسان بالأشياء: «تذكرت ليلى كيف تدهورت الأوضاع الاقتصادية في بلادها، وارتفعت أسعار الذهب،

ما جعل الذهب الصيني هو الحل الأمثل للحفاظ على ماء الوجه، فقد باع كثير من النساء حليهن الأصلية واستبدلنه بذهب صيني حتى لا يلاحظ أحد تدهور الحال». تتجلى هذه القراءة بوضوح في قصة «ترويكا» حيث يحتل افتتاح مطعم «ماكدونالدز» في موسكو مطلع التسعينات موقعاً يتجاوز كونه حدثاً عابراً، فالطابور الطويل أمام المطعم «الأميركي» يتحوّل إلى علامة على خريطة عالم يتغير بالكامل بموازين قوته: «كان الشوق واللهفة أن تلمس أيديهما أصابع البطاطس الذهبية أقوى من أي إحساس بالإرهاق،

فلم تكن أي منهما تحلم يوماً بتناول ساندويشات البيج ماك في قلب العاصمة السوفياتية»، فتصبح وجبة سريعة شعبية وثيقة تؤرخ لانتقال العالم من مواءمات الحرب الباردة إلى زمن العولمة والغزو الاقتصادي. ولا تكتفي الأشياء في المجموعة بحمل الذاكرة أو تمثيل التحوّلات، إنما تكتسب أحياناً صوتاً وإرادة،

ففي «خناقة أسرية» تعلو أصوات الأجهزة الكهربائية المنزلية فيما تخبو أصوات أهل البيت، في معادلة فانتازية تتقاطع فيها أنسنة الآلة مع مكننة الإنسان، حتى يصبح كل منهما ساعياً إلى انتزاع الاعتراف من الآخر. ويمتد هذا التداخل الفانتازي للهويات إلى بناء الشخصيات والأماكن،

حيث تحضر أسماء مثل «أ» و«A»، وتعبيرات مثل «الدولة الكبيرة» و«الجريدة المرموقة»، في عالم يذيب الفروق بين البشر والأمكنة، ويجعل المدن والمتاجر تفقد كثيراً من خصوصيتها،

ويبلغ هذا المنطق ذروته في قصة «منظمو الحفل» حيث يتحوّل ضياع حقيبة البطلة في مطار ضخم إلى استعارة لعالم يُطبّع الاختلاف، ويُعيد إنتاج التشابه ويمسخ التفرّد والتاريخ: «العولمة جعلت الحقائب كلها متشابهة والمطارات متشابهة، والملابس متشابهة، ولكنها لم تقوَ على الملامح».

ولا تقتصر التحولات التي ترصدها المجموعة على النزعة الاستهلاكية، بل تمتد إلى منطق العمل والهجرة، لتتوقف في أكثر من قصة عند مرحلة اتساع الهجرة إلى دول الخليج، ففي «بوليصة التأمين» يتحوّل هاجس تأمين مستقبل الأبناء إلى مفارقة سوداوية يصبح فيها الموت أكثر نفعاً اقتصادياً من الحياة.