خفّف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش، للمرة الأولى، من نهجه الحذر في التواصل بشأن مسار السياسة النقدية، مقدماً في خطابه الأول أمام الندوة الاقتصادية السنوية لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي بولاية وايومنغ إشارات محدودة،
لكنها كانت كافية لدفع الأسواق إلى زيادة رهاناتها على رفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول). وبعد أشهر من تجنب تقديم أي توجيه واضح بشأن الخطوة المقبلة للبنك المركزي، كشف وارش في خطابه عن جانب من الطريقة التي ينظر بها إلى الاقتصاد، والتضخم،
من دون أن يقدم تعهداً صريحاً بشأن اتجاه الفائدة. وقال وارش إن معيار «الفيدرالي» يجب أن يتمثل في التأكد من أن التضخم الأساسي يتحرك نحو المستوى المستهدف «بوضوح، وبسرعة كافية»، مضيفاً أنه «إذا لم يكن الأمر كذلك،
فلا يزال أمامنا عمل يتعين إنجازه». ورغم أن رئيس «الفيدرالي» حرص على التأكيد على موقفه الرافض لما يعرف بالتوجيه المستقبلي لأسعار الفائدة، فإن حديثه عن كيفية استجابته للبيانات الاقتصادية قدم للأسواق لمحة عن «دالة رد الفعل» التي يعتمدها في اتخاذ قرارات السياسة النقدية، وهو ما كان كافياً لإعادة تسعير توقعات الفائدة،
والسندات، والأسهم. وقال وارش في إشارة ساخرة إلى تحفظه في تقديم توجيهات مستقبلية: «يمكنكم أن تسموه مخططاً... أو خريطة طريق...
لكن لا تسموه توجيهاً مستقبلياً». وارش يتوسط محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي ومحافظ بنك كندا تيف ماكليم في ندوة «جاكسون هول» (أ.ب) عودة إلى قدر من الوضوح ورأى اقتصاديون أن خطاب وارش يمثل خطوة مهمة نحو توضيح نظرته إلى الاقتصاد، بعد أن تركت تصريحاته السابقة الأسواق في حالة من عدم اليقين بشأن رؤيته لمسار الفائدة. وقال ناثان شيتس،
كبير الاقتصاديين العالميين في «سيتي غروب»، إن الأسواق أصبحت تملك الآن تصوراً أفضل عن كيفية رؤية وارش للاقتصاد، واصفاً ذلك بأنه «خطوة مهمة، وبناءة»،
مقارنة بما كان عليه الوضع بعد المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس «الفيدرالي» في يوليو (تموز) الماضي. وكان وارش قد أبقى، في 29 يوليو، سعر الفائدة الرئيس من دون تغيير عند نطاق يتراوح بين 3.50 و3.75 في المائة،
فيما امتنع عن تقديم إشارات واضحة بشأن الخطوة التالية، أو الطريقة التي يوازن بها بين العوامل الاقتصادية عند اتخاذ قراراته. وأدى هذا الصمت إلى ترك المجال أمام مسؤولي «الفيدرالي» الآخرين للتعبير عن آرائهم بشأن السياسة النقدية، حيث أبدى عدد منهم استعداداً لرفع الفائدة،
خصوصاً مع استمرار قراءات التضخم فوق مستهدف البنك البالغ 2 في المائة. التضخم في قلب القرار ويشير خطاب وارش إلى أن التضخم سيظل العامل الأكثر حسماً في قرارات السياسة النقدية المقبلة، في وقت لا تزال فيه معدلات التضخم أعلى من المستوى الذي يستهدفه «الفيدرالي». وقال روبرت تيتلو،
الخبير الاقتصادي، والباحث السابق في «الفيدرالي»، إن تحفظ وارش بشأن تقديم توجيهات مستقبلية قد يكون مبالغاً فيه، لكنه اعتبر أن استعراضه لكيفية رؤيته للاقتصاد «كان أمراً جيداً»،
مشيراً إلى أن تقييمه جاء متوافقاً إلى حد كبير مع النهج التقليدي للبنك المركزي. وكان وارش قد تبنى منذ توليه رئاسة «الفيدرالي» موقفاً أكثر تحفظاً في التواصل بشأن قرارات الفائدة، معتبراً أن تقديم توجيهات مسبقة بشأن السياسة النقدية قد يؤدي إلى تشويه تسعير الأسواق. وأيد بعض مسؤولي «الفيدرالي» هذا النهج،
إذ قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز إن قرار التخلي عن التوجيه المستقبلي كان مناسباً في ظل حالة عدم اليقين التي تجعل من الصعب تحديد المسار المقبل للسياسة النقدية بثقة. انقسام حول التواصل لكن عدداً من مسؤولي «الفيدرالي» لا يزال يرى أن التواصل بشأن الرؤية الاقتصادية والسياسة النقدية يمثل جزءاً أساسياً من عمل البنك المركزي. وقالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك، في مقابلة مع «بلومبرغ» قبل خطاب وارش،
إن التواصل بشأن وجهة نظرها الاقتصادية يمثل جزءاً مهماً من مسؤولياتها، لأنه يساعد الشركات والأسر على اتخاذ قرارات أكثر استنارة. كما دعا رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستن غولسبي إلى قدر أكبر من الوضوح، محذراً من أن غياب أي تفسير لكيفية استجابة البنك المركزي للبيانات أو نظرته إلى الاقتصاد قد يدفع الأسواق والجمهور إلى ملء الفراغ بتوقعات مختلفة،
وهو ما قد يزيد تقلبات الأسواق بدلاً من الحد منها. الأسواق تعيد تسعير الفائدة وكانت الأسواق بحاجة إلى إشارات من وارش لتحديد المسار المحتمل للسياسة النقدية، خصوصاً بعد أن ظل رئيس «الفيدرالي» بعيداً عن تقديم توقعات مباشرة منذ توليه منصبه. ورغم أن خطابه لم يتضمن إعلاناً عن قرار مستقبلي،
فإن تركيزه على ضرورة التأكد من أن التضخم يتحرك نحو مستهدف البنك بسرعة كافية فُهم في الأسواق على أنه إشارة تميل إلى تشديد السياسة النقدية. ودفعت هذه الإشارات المتعاملين إلى زيادة رهاناتهم على احتمال رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع «الفيدرالي» المقرر في 15 و16 سبتمبر، بالتزامن مع تحركات في سوق السندات والأسهم تعكس توقعات أكثر تشدداً للسياسة النقدية. ويعكس ذلك أهمية ما يعرف بـ«دالة رد الفعل» لدى البنك المركزي،
أي الطريقة التي يحدد من خلالها صانعو السياسة استجابتهم للتضخم، والنمو، وسوق العمل، وغيرها من المؤشرات،
بدلاً من الالتزام مسبقاً بمسار محدد للفائدة. «الأفعال أعلى صوتاً من الكلمات» ويرى مسؤولون سابقون في «الفيدرالي» أن وضوح وارش في شرح رؤيته الاقتصادية لن يكون كافياً وحده، ما لم تترجم هذه الرؤية إلى قرارات فعلية في السياسة النقدية. وقال باتريك هاركر،
الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا والأستاذ في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، إن التحول في خطاب وارش يجب أن يترافق مع إجراءات تدعم ما يقوله. وأشار إلى أن التضخم ظل أعلى من مستهدف «الفيدرالي» لما يقرب من ست سنوات، مضيفاً أن البنك المركزي لا يستطيع الاستمرار في التأكيد على أن مهمته تتمثل في إعادة التضخم إلى 2 في المائة من دون اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك.
وقال هاركر إن «الأفعال تتحدث بصوت أعلى بكثير من الكلمات». وبذلك يمثل خطاب وارش في جاكسون هول تحولاً محدوداً، لكنه مهم في أسلوب التواصل مع الأسواق؛ فبعد أشهر من الغموض قدم رئيس «الفيدرالي» للمستثمرين ملامح أوضح لكيفية نظره إلى الاقتصاد، والتضخم،
من دون أن يتخلى عن مبدئه القائم على تجنب تقديم توجيه مباشر لمسار أسعار الفائدة. ويبقى الاختبار الحقيقي أمام الأسواق هو ما إذا كانت هذه الإشارات ستتحول إلى قرار فعلي في سبتمبر، أم إن بيانات التضخم والنشاط الاقتصادي المقبلة ستدفع «الفيدرالي» إلى تعديل موقفه. في أقوى إشارة من نوعها...
وارش يفتح الباب أمام رفع الفائدة الأميركية