على مدار ثلاثين عاماً، تمتد رحلة المستعربة الروسية فيكتوريا زاريتوفسكايا مع اللغة العربية. وقد بدأت بحدث غير متوقع وخارج عن السياق في المرحلة الجامعية، ثم شرائها أول قاموس عربي - روسي،
حيث أخذت تنظر بدهشة لحروف غير مألوفة ستكتب ملامح مصيرها في المستقبل. ترجمت إلى الروسية من كلاسيكيات الأدب العربي روايتين لنجيب محفوظ، هما «رحلة ابن فطومة» و«أولاد حارتنا»، كما ترجمت لعلاء الأسواني «عمارة يعقوبيان» و«شيكاغو»،
أما من الأجيال الجديدة فنقلت «فرنكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي و«سيدات القمر» لجوخة الحارثي. وفيكتوريا زاريتوفسكايا معروفة بصرامتها الأكاديمية وجديتها اللافتة وظهورها الإعلامي النادر، فضلاً عن تعمقها في أسرار لغة الضاد وجمالياتها عبر بحوث ودراسات علمية. هنا حوار معها: > أثناء إعدادي لأسئلة هذا الحوار،
فوجئتُ بابتعادك اللافت عن الإعلام حتى أنه لا يكاد يوجد لك حوار صحافي واحد، لماذا وهل الأمر متعمد؟ - بشكل عام، فإن ظهور الباحثين اللغويين والمترجمين في الإعلام محدود جداً،
ومن عادة المترجم أن يكتفي بالبقاء خلف الكاتب والنصوص؛ إنه وسيلة، جسرٌ يصلُ الثقافات ببعضها بعضاً، وعمله التقني غير مرئي للأغلبية،
فالقارئ يريد أن يعرف ما كتبه الكاتب، ولا شأن له بعملية الترجمة، والصعوبات التي تواجه المُترجم في عمله، وله الحق في ذلك.
وفي ظروف قليلة يحمل المترجم على عاتقه الترويج للأدب الذي ينقل عنه، وقد حدث معي أن شاركت أحياناً في برامج تلفزيونيّة ثقافيّة في قنوات مثل «الجزيرة» و«روسيا اليوم»، فضلاً في قنوات روسية للحديث عن الأدب العربي والترجمة من لغة تعدّ نادرة بالنسبة للوعي الروسي العام. > هل تعتقدين أن الظهور الإعلامي يتعارض مع جدية الباحث وصرامته؟
- لا يوجد تناقض مباشر بين الدقة العلمية والتغطية الإعلامية، ولكن عملياً هناك خلافاً عميقاً في الأساليب والأهداف والآفاق، البحث العلمي الجاد يتطلب الشك، في حين تتطلب وسائل الإعلام الحديثة الثقة،
كما يدوم العلم لعقود، بينما لا تدوم الأخبار إلا لأيامٍ أو ساعات. لا أعتقد أن الظهور الإعلامي يتعارض مع جدية باحث الإنسانيات بشرط أن يركّز الحوار على تقديم الشخصية ضمن تجربتها في استيعاب ثقافة الآخر وفهمها، وتفنيد الأنماط الفكرية الخاطئة،
بمعنى ألا يكون الظهور الإعلامي للباحث من أجل مناقشة الجوانب التفصيلية في عمله، بل الذهاب إلى الجوهر والغوص فيه. > متى بدأت علاقتك باللغة العربية؟ - نشأتُ وأنا أجهل تماماً وجود عالم عربي ومحيط ثقافيّ عربيّ،
فنظام التعليم المدرسي الروسي يتمحور حول الثقافة الوطنية وبعض الثقافات الأوربية. هكذا بقي العالم العربي، بلغته وأدبه غائبين عني حتى التحاقي بالجامعة. ولشدّ ما كان ذهولي كبيراً حين شاهدت اسمي في قائمة طلاب اللغة العربية،
فتحديد اللغة الأجنبية كان اعتباطياً في جامعتي وليس اختيارياً، وكانت مفاجأة ما خطرت على بالي أبداً. لذلك؛ أعتقد أن العربية هي التي اختارتني وليس العكس. وإني لأتذكر جيداً لحظة ملامستي القاموس العربي - الروسي الذي اشتريته في اليوم نفسه،
فتحته على الصفحة الأولى لحرف «أ» ولم أفهم لماذا لا تبتدئ كلمتا «أذربيجاني» و«أذربيجانية» بالحرف نفسه! إذ إنني لم أكن أعرف بعد اتجاه القراءة بالعربيّة. أما العلاقة الجديّة بالعربيّة فبدأت بعد سنة أو سنتين من ذاك، أي حين راحت مطالعتي للعربية تتلمس طريقاً غير طريق الدراسة وحفظ الدروس،
لا من أجل النجاح فقط، بل للتمتع بالعبارات والتراكيب والمعاني، والتأثر جمالياً وفكرياً بالقراءة كما لو أنني أقرأ بلغتي الأم، فأفهم النكات العربية وأضحك لها وربما أقوم بابتكارها أيضاً.
> هل العربية لغة سهلة أم صعبة من منظور روسي بحت... خصوصاً أنك تدرّسينها لغير الناطقين بالعربية؟ - موضوعياً، هي ليست من اللغات السهلة للدراسة لكثرة قواعدها النحوية وبحر مفرداتها،
إنها للمجتهدين فقط. والاجتهاد فيها هو خير صفة للمستعربين، وسر فرحتهم، فمع الاجتهاد وتراكم الخبرة،
خطوة بعد خطوة، تتضح لك هذه اللغة ويتفتح منطقها العجيب. والعربية مقترنة بالرياضيات؛ كونها نظام إشارات في النحو، وبالشعرية في العبارات والتراكيب،
فهي لمن يميل إلى الرياضيات ويتحمس للشعر معاً. إن كنتِ تتعلمين العربية وأنتِ ضعيفة في الرياضيات، فلن تتذكري وتفهمي تصريف الأفعال، وإن لم تحبي الشعر،
لن تفهمي أن يُقال: توسع توسعاً، أو أخذ أخذاً، بدل توسع وأخذ فقط؛ لن تتقبلي مثل هذه العبارات، وستلغيها من عقلك ولسانك.
إنه لسر دفين، شيء يشبه المعجزة أن تروق هذه اللغة الأجنبية لشخصٍ ولا تروق لآخر. ومن المعروف أن موهوبين كباراً مثل الكاتب الروسي ليف تولستوي والمخرج أندريه تاركوفسكي أقبلا على دراسة العربية ولكنهما تراجعا عنها لاحقاً. > لكِ اهتمام نقدي خاص بالشاعر العُماني أبو مسلم البهلاني...
ما السر وراء هذا الاهتمام؟ - أتخصص في مجالات ومواضيع عدة بدءاً من نظرية اللغة وحتى الأدب العربي المعاصر وأعتقد أنها تسهِم في الترجمة. لا شكّ أن هناك كثيراً من الاتجاهات والأسماء تستحق البحث والترجمة لم نقترب منها في روسيا. فالاختيار واسع وصعب أمام المستعربين الروس.
فيما يخص البهلاني، أعترف بأني وجدته لُقية لم أتوان عن الإمساك بها. قرأتُ عن حياته وأفعاله ومحاسنه الكثيرة ولمستُ ضرورةً في الكتابة عنه بالروسية، وعرض مثاله للقارئ الروسي عبر أفعاله الإنسانية ونشاطه التنويري.
لقد لامس عاطفتي وليس اهتمامي الفكري فقط. > لكن البهلاني توفي عام 1920، ألا تعتقدين أنك تظلمين الأجيال اللاحقة في الشعر العماني حين توقفت أبحاثك في هذا الحقل عند تجربة اكتملت قبل أكثر من مئة عام؟ - بالعكس؛ فتجربة البهلاني باقية لم تغب،
ويمكنني القول إنه أثّر كثيراً في تحديد الهوية العمانية المعاصرة ودمغ صوته في أجيال من المثقفين وعامّة الشعب، وليس اعتباطاً أن تدرجه منظمة «يونيسكو» ضمن الشخصيات المؤثرة عالمياً لما قدمه من إرث فكري وأدبي سيبقى أثره لأجيال لاحقة. أمّا الشعراء والكتّاب العمانيون الآخرون، فلا أشكّ بقدراتهم الإبداعيّة،
وأتمنى أن يضمهم مشروع ترجمي كبير نأمل أن يتحقق. > ترجمتِ إلى الروسية أكثر من عمل لنجيب محفوظ، لا سيما روايتيّ «رحلة ابن فطومة» و«أولاد حارتنا»، لماذا برأيك لم ينتشر الأدب العربي في مرحلة ما بعد نجيب محفوظ في روسيا على نحو قوي؟
- لسوء الحظ؛ فروسيا لا تدخل ضمن البلدان الأوروبية حيث ترجمة الأدب العربي المعاصر أمر مألوف والقيام به ضروري لمعرفة العالم المحيط، لا سيّما بعد نيل نجيب محفوظ جائزة نوبل عام 1988. الحالة الروسية في الترجمة من العربية تشبه محرّكاً تعطّل مع سقوط الاتحاد السوفياتي، ولا نرى ما يشير إلى استعادة عمله.
اليوم، نعدّه فتحاً لو ترجمنا كتاباً عربياً واحداً في السنة وروجنا له. شيء كئيب؛ فلا مشروع مستدام يجمع المترجمين المستعربين الروس في عمل كبير ترعاه الدولة، ولا مبادرات عربية لتقديم الأدب العربي للروس،
والمبادرات الشخصيّة تصطدم بشروط وخطط دور النشر الروسيّة التي لا تلتفت إلى المشرق العربي. كلّ ما ترجمته مؤخراً كرواية «فرنكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، ورواية «سيدات القمر» لجوخة الحارثي (صدرت في طبعتين) قد تنبّهت إليهما دور النشر الروسية بعد أن تُرجما إلى الإنجليزية وصعدا إلى قوائم المسابقات الإنجليزية أو فازا بها، لولا هذا الصعود لما وجدتا طريقهما إلى الروسية.
> إلى جانب نجيب محفوظ، ترجمتِ روايتيّ «عمارة يعقوبيان» و«شيكاغو» لعلاء الأسواني الذي يرى كثير من المثقفين أن أعماله تعتمد على حبكة مشوقة لكنها تخلو من العمق، حسب انتقادات عدّة، كيف ترين الأمر؟
- أعتقد انه أدب من نوع آخر، يتمتع بحبكة شيقة وأجواء محلية، كما يعطي شيئاً ذا قيمة، مثل معرفة خصائص العلاقات الاجتماعية المصرية وتحولاتها المعاصرة والظروف التي يتشكل فيها وعي الشباب ومظاهر التطرف...
إلخ. قد يكون الأمر كما أشرتِ بالنسبة للعرب، أمّا هنا فقد لاقت رواية «عمارة يعقوبيان» صدى جيداً؛ إذ تعرض مصر من الداخل للأجانب، وقراءة هذا العمل موصّى به للمستعربين المختصين في الدراسات السياسية والاجتماعية.
> من هم الأدباء العرب الذين أثاروا إعجابكِ وتتمنين ترجمة أعمالهم إلى الروسية؟ - ترجمتُ لكتّاب مصريين، وقليل من كتّاب الجزيرة العربية، وهي منطقة أدبيّة مجهولة عندنا رغم أهميتها،
فهناك مثلاً أدب يُكتب في السعوديّة متطور ومغرٍ للترجمة، على سبيل المثال لا الحصر رواية «الحزام» للروائي أحمد أبو دهمان، ورواية «موت صغير» لمحمد حسن علوان، فمثل هذه الأعمال التي تنسج من ميثولوجيا المنطقة وتاريخها،
ممتعة للقارئ الروسي ومثرية معرفياً. الحالة الروسية في الترجمة من العربية تشبه محرّكاً تعطّل مع سقوط الاتحاد السوفياتي > لعلكِ لاحظتِ أن العقل الثقافي العربي لا يزال، إلى حد ما، متوقفاً عند مرحلة الكلاسيكيات في الأدب الروسي،
مثل تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف... ما السبب برأيك وراء عدم تعرف القارئ العربي بشكل متعمق على الأجيال التالية من الأدباء الروس؟ - بالفعل الأدب الكلاسيكي يحوز نصيب الأسد من حركة الترجمة من الروسية إلى العربية؛ وذلك لما ينطوي عليه هذا الأدب من قيم إنسانية خالدة. ومع ذلك،
فترجمة الأدب الحديث غير غائبة تماماً، بما فيها الترجمة المدعومة من معهد الترجمة بموسكو. إنها مشكلة بنيوية تنبع من عوامل عدّة، منها غياب الدعم الحكومي.
فخلال الحقبة السوفياتية، كان هناك برنامج حكومي قوي ورصين لترجمة الأدب الروسي (والسوفياتي) إلى العربية. تولّت هذه المهمة دور نشر متخصصة أبرزها (رادوجا والتقدم). كان هذا جزءاً من استراتيجية جيوسياسية كبيرة لتوسيع النفوذ في الشرق الأوسط.
كما بلغت أنشطة الترجمة ذروتها في الفترة ما بين الستينات والثمانينات، عندما وفد آلاف الطلبة من سوريا ومصر والعراق ولبنان وفلسطين للدراسة في الجامعات السوفياتية. وقد شكّلوا كنزاً ثميناً من المترجمين.يتضاءل اليوم عدد طلاب العلوم الإنسانية من الدول العربية في روسيا، وتختزل كثير من الحكومات مِنحها الدراسية على المجالات التقنية.
الآن، ولكي نقيم منصة حقيقية للترجمة بين اللغتين، لا بدّ من تضافر الجهود بين العرب والروس، والبدء في وضع استراتيجية جادة طويلة الأمد يتولاها مختصون من كلا الجانبين.