أعاد اتهام منظمة العفو الدولية للحكومة الليبية التي يقودها أسامة حماد والمتمركزة شرق ليبيا، تسليط الضوء على نطاق صلاحيات الدولة في التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية لاسيما بعد إعلان حكومة حماد منع دخول رعايا أربع دول أفريقية. حظر الدخول طاول مواطني كل من إريتريا والسودان والصومال وإثيوبيا، وهو قرار اعتبرته منظمة العفو الدولية تمييزياً،

مؤكدة تعارضه مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، موجهة مآخذ للاتحاد الأوروبي على خلفية اتجاهه لتكثيف تعاون الهجرة مع السلطات الليبية، منبهة من "خطورة هذه الإجراءات على سلامة طالبي اللجوء"، على النقيض أكدت حكومة الشرق الليبي أن قرارها يأتي في إطار تنظيم الدخول وحماية الحدود والأمن.

مخاوف من التمييز وبين جدلية حق الدول في حماية أمنها القومي والواجبات التي يمليها القانون الدولي إزاء احترام حقوق الإنسان وعدم التمييز، برز سجال بين "حق الدولة في حماية حدودها" و"مسؤولياتها القانونية تجاه المهاجرين واللاجئين". وتأتي هذا الاتهامات الدولية للحكومة الليبية في ظل تصاعد موجات مناهضة لوجود الأجانب على التراب الليبي بصفة غير قانونية، خاصة أن إجمالي عدد المهاجرين غير النظاميين في ليبيا يتجاوز 930 ألف مهاجر من عشرات الجنسيات،

وفق إحصائيات منظمة الهجرة الدولية التي تعود لعام 2024 في حين يقدر وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية عدد المهاجرين غير النظاميين بنحو 3 ملايين مهاجر عام 2025. وتؤكد الحقوقية الليبية منى توكا أنه لا خلاف على حق الدول سيادياً في تنظيم دخول الأجانب إلى أراضيها وحماية حدودها خاصة في ظل التحديات الأمنية وإدارة إشكالية الهجرة غير النظامية، لكن هذا الحق ليس مطلقاً لأنه يجب أن يمارس في إطار الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي لحقوق الإنسان وفي مقدمتها مبدأ عدم التمييز واحترام الكرامة الإنسانية. وتقول توكا إن تقييم هذا القرار لا ينبغي أن يكون سياسياً بقدر ما يجب أن يعد قانونياً،

موضحة أنه إذا كان المنع يستند إلى تقييمات أمنية محددة ويستوفي المعايير الضرورة فقد ينظر إليه كجزء من صلاحيات الدولة، أما إذا كان يقوم على استبعاد أشخاص لمجرد انتمائهم إلى جنسية معينة على غرار الجنسية الإيريترية أو السودانية أو الإثيوبية أو الصومالية، دون تقييم فردي أو مبررات موضوعية يمكن التحقق منها فإن ذلك يثير مخاوف حقيقية في شأن التمييز على أساس الجنسية، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.

وتواصل الحقوقية الليبية حديثها مع "اندبندنت عربية"، منوهة بأن المطلوب في هذه الحالة ليس نزع حق الدولة في إدارة حدودها، وإنما التأكيد على أن السيادة والقانون يجب أن يسيرا معاً، بحيث تكون أي قيود على الدخول مبررة ومتناسبة،

وغير قائمة على التعميم أو الوصم الجماعي. تنامي الانتهاكات  وعلاقة بتأثير هذا القرار على أوضاع المهاجرين واللاجئين من الدول المستهدفة، في ظل الاتهامات الموجهة لليبيا بخصوص سياسات التمييز ضد الأجانب ترى توكا أن التأثير لا يقتصر على منع الدخول فقط، ولكنه يمتد إلى زيادة هشاشة أوضاع الأشخاص الفارين من النزاعات أو الاضطهادات أو الأزمات الإنسانية في بلدانهم،

لافتة إلى أنه حين تُغلق المسارات النظامية أمامهم، غالباً ما يزداد اعتمادهم على شبكات التهريب والاتجار بالبشر، مما يعرضهم لمزيد من الاستغلال والانتهاكات، الأمر الذي سيسهم في تدهور الوضع الأمني لليبيا. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتشير الحقوقية الليبية إلى أن مثل هذه القرارات إذا جاءت في سياق خطاب عام يربط جنسيات بعينها بالتهديد الأمني أو الجريمة قد تسهم في ترسيخ الوصم والتمييز ضد المهاجرين الموجودين بالفعل داخل ليبيا،

وتؤثر على فرصهم في الوصول إلى الخدمات الأساسية أو الحماية القانونية وتزيد من مخاطر تعرضهم للعنف أو الانتهاكات. وتستطرد توكا أن احترام حقوق المهاجرين واللاجئين لا يتعارض مع حماية الأمن القومي الذي يتطلب سياسات واضحة، وإجراءات قانونية عادلة، وآليات تميّز بين طالبي الحماية والنازحين والأشخاص الذين لا تنطبق عليهم شروطها هو ما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن والتزامات ليبيا الحقوقية،

مشددة أن الدولة القوية ليست تلك التي تغلق حدودها فقط، وإنما تلك التي تُديرها وفق القانون وتحمي أمنها دون المساس بالمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان. اعتبارات إقليمية  المحلل المتخصص في الشؤون الأمنية والسياسية سعد الدينالي يؤكد أن هذا القرار لا يحمل أية رسائل سياسية، لافتاً إلى أنها خطوة أمنية باعتبار أن ليبيا تعاني من مشكلات عدة مرتبطة بالهجرة،

معتقداً أن الجنسيات المذكورة سلفاً تعد مهدداً للهجرة. ويري الدينالي أن ليبيا دولة ذات سيادة ويحق لها اتخاذ قرارات كهذه تصنف من يدخل أو لا يدخل من رعايا الدول إلى أراضيه، فالأمر يرجع إلى السيادة الليبية. ويقول إن الحكومة في شرق ليبيا هي حكومة غير معترف بها دولياً،

ولكنها تستطيع تنفيذ هذا الحكم داخل مناطق سيطرتها في الشرق والجنوب الليبي، ولا يعتقد الدينالي أن هذا القرار يحمل أي رسالة سياسية غير أنها محاولة من حكومة حماد للحد من موضوع الهجرة غير النظامية التي تهدد ليبيا ودول شمال المتوسط، مشيراً إلى أن هذا القرار جاء في إطار التعاون الأمني مع بعض الدول على غرار فرنسا.  وتستغل شبكات الاتجار بالبشر حالة الانقسام السياسي والصراع الأمني لتهريب المهاجرين غير النظاميين من ليبيا نحو أوروبا، الأمر الذي يعرض السلطات الليبية لضغوط أوروبية لتقليص عبور المهاجرين نحو أراضيها وبدورها ترفض ليبيا توطين المهاجرين واللاجئين على ترابها.