منذ مدة طويلة وأنا أتابع أصدقائي الشعراء وأقرأ لهم ما تيسر لي من الوقت جديدهم الشعري، وأفرح أيما فرح حين يدهشني احدهم بقصيدة أو ومضة أو بيت شعري فارق، ولكن ويا للأسف مر وقت ليس بالقصير دون أن تهزني قصيدة، أو دون أن أقول «يا الله» من كل قلبي،
حتى ظننت أن ذائقتي عطبت، أو أن العمل الإداري أكلني، وترك روحي جافةً أمام النصوص الإبداعية، فما بين مذكرات مُديري الإدارة والحسابات إلى مدير القانونية ومطالعاته إلى مشاكل اللجان وصعوباتها،
حتى ظننت أني نشفت تماماً من ماء الشعر كتابةً وتلقياً، حتى استقبلت قبل أيام الشاعر عباس حسين، وأنا أراه للمرة الأولى قادماً من محافظة بابل، حيث أهداني نسخةً من ديوانه الأول،
الذي طبعته «دار الشؤون الثقافية» 2026 «القبور ظروف والموتى رسائل». وهذا الأمر أسعدني كثيراً أن تطبع الدار مجموعة شعرية لشاعر أو لشعراء لا أعرفهم مباشرة، وليسوا أصدقاء لي، إنما العمل يأخذ طريقه من حيث عرضه على لجنة التأليف والنشر،
ومن ثم خبير مختص، وبعدها مصحح، ليأخذ طريقه الروتيني لطباعة العمل، وكل هذه الرحلة للكتاب داخل المؤسسة لا علاقة لي بها،
من حيث التأثير والضغط في طباعة الأعمال؛ لأن العمل الجيد هو من يفصح عن نفسه دون وساطات، المهم أنني التقيت الشاعر عباس حسين وسلمني نسخة من ديوانه، وبدأت أتصفح المجموعة وأنا في طريقي إلى البيت، فتوقفت عند جملة مضيئة في بداية المجموعة صرخت عندها وصحت «يا الله»،
ماذا يقول عباس حسين: لستُ صفحةً لتطويها أنا دمعةٌ امسحني بصراحة هزتني هذه الومضة الساحرة، فقد اكتنزت بالتكثيف الشديد والحاد، كما يحمل النص القصير هذا دلالته التي تُمسك ولا تُمسك،
تشير على المعنى ولا تدل عليه، أعدت قراءة النص هذا مرة أخرى وثالثة ورابعة وما زال محتفظاً بحرارته، انقطعت القراءة حين رن الهاتف وأنا في السيارة، فتركت المجموعة حتى وصلت البيت،
ومع إعجابي الشديد بهذا المقطع، لكني قلت بيني وبين نفسي لا تكن انطباعياً فتهزك جملة شاعرية، فاستيقظ بداخلي فجأةً الأكاديمي الذي كنت أقمعه أمام برية الشعر ولا منطقيته، ولكني بقيت مصرّاً ولا همّ لدي إلا التفرغ لهذه المجموعة،
واكتشاف هذا الشاعر الذي وجدته ممتلئاً صدقاً وانكساراً وشاعرية، فهو بلا ضجيج، حيث يأخذ بيدك ليدلك على جمرات هذه الحياة، ولكنها جمرات لغوية تشعر أنها لك،
ولكنك لا تعرف سر كتابتها، وكيف خرجت بهذه الشاعرية. المجموعة «القبور ظروف والموتى رسائل» صغيرة جداً، حيث لا تتجاوز الـ130 صفحة من القطع المتوسط،
وتحتوي 29 نصاً أو قصيدة من قصائد النثر، القصائد بمجملها قصائد قصار تكاد تأخذ معماراً معتمداً على الومضات داخل النص الواحد، فالنص لدى عباس حسين مبني بطريقة النصوص المتعددة أو المفككة، كل مقطع يتحدث عن موضوعة ما،
ولكنه يربطها بخاتمة تجمع النصوص في وحدة عضوية كاملة تندب فيها الإنسان ووحشته على هذا الكوكب: اقلبِ الصفحة ولكن برفق هذه صفحة حياتي يا لها من مفارقة ذكية، حيث يربط القارئ الذي يقلب صفحات هذا الديوان بالشاعر نفسه وبحياته، التي سكبها على الورق، دون أن يحشر القارئ بالاستعارات والكنايات وحذلقة اللغة أو التجريب الممل على النصوص،
إنها الحياة على شكل قصيدة بلا رتوش، تلك الحياة التي افتتح بها مجموعته الشعرية أيضاً حين قال: لم أتعلم من حياتي سوى أن أكتبها هكذا ح ي ا ة واضح أنها ممزقة وما زلت أنتظر امرأةً تخيطها إنه يتلاعب بقصيدة النثر برشاقة لاعب سيرك ماهر، يمسك بها فيمسح عنها غبار التجريب الصعب والتلاعب اللغوي المجتر ويمنحها الصدق فقط، حين يكون الشعراء صادقين فإنهم يمنحون اللغة حساسية مختلفة،
وحين يكونون منغمسين مع طينهم اليومي وحياتهم الطبيعية سينتجون نصوصاً تشبههم: أتذكر القلب الطيني الذي صنعناه معاً في صغرنا يدق الآن في صدري أي اختزال وأي تكثيف للغة وللوقائع وللذاكرة والطفولة والحياة والحب، كل ذلك بسطرين وبجملة صادمة «يدق الآن في صدري» دون أن يلتف الشاعر على المعنى ليذهب بعيداً ويتحذلق باللغة ويجرّها من شعرها، دون أن يصل للمعنى الذي يريد، ليرهق نفسه،
والقصيدة، والمتلقي، وهذا ما تجاوزه عباس حسين في هذه المجموعة الصادمة والمكثفة ذات الجملة الخاطفة، والجمل الخاطفة بصراحة من أكثر الأشياء التي يحتاج إليها الشاعر،
فالشاعر من دون رشاقة جمله والتماعها بشكل سريع وخاطف لا يعول عليه وعلى تجربته؛ ذلك أن عدداً كبيراً من شعراء العربية الذين يكتبون وفي الأشكال كافة، سواء الموزونة منها أو النثر فإنهم يميلون إلى التفصيل والإسهاب واللغو بدل اللغة، فكلما اقتصد الشاعر بلغته وفكرته فإنه سيصل أسرع إلى القلب، وينفذ سهمه سريعاً،
أما الذين يجرجرون بالكلام ويلتفون حوله وفيه، فإنهم يمنحون نصوصهم ترهلاً يمنعهم من التحليق ويكتفون بالسير ببطء داخل المنزل فقط. أعود إلى عباس حسين وإلى تجربة جيله الشعري الذين لا يقلون جمالاً عن هذه التجربة، فالشعر العراقي ما زال حياً بوجود هذه الأجيال التي تضخ القصيدة بكل ما هو جديد،
رغم أن تجربة عباس حسين ربما ترتبط بخيط خفي بتجربة محمد الماغوط، فأنا أزعم أن مرجعية عباس الثقافية تكاد تدور في فلك الماغوط من حيث البناء الشعري والجمل المكثفة والصادمة، وكذلك من حيث الغنائية التي تتسرب لروح قصيدة النثر، فتجربة عباس في هذا الديوان تجربة ممتلئة غنائية واضحة ومتشربة بالعاطفة دون أن تستثمر تقنيات الحداثة من رموز وأساطير ودراما،
وربما هذه الصفات هي التي منحت هذه الأريحية والتلقائية في نصوص عباس بحيث يدخل المتلقي لهذه النصوص، دون استئذان ودون تعقيد، إنها نصوص الحياة المباشرة الحارة والساخنة والحادة في الوقت نفسه، وهي تلتقي إلى حد كبير بتجربة الماغوط،
خصوصاً في بدايته «حزن في ضوء القمر»، حيث قصيدة النثر لم تعرف بعد التقنيات الشعرية الحداثية لتنطوي على نفسها وتبني جداراً صلداً بينها وبين المتلقي؛ لهذا تجدها فتاة متمردة ناثرة شَعرها في البرية دون قيود، ولكن فيما بعد مرت تلك القصيدة بفلترة كبيرة منعت وصدت جموحها ونفورها، وبدأ الشاعر الحديث يفكر بتقنيات الحداثة أكثر من القصيدة.
* شاعر عراقي والمدير العام لدار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار ، لهذا صرنا أمام ركام كبير من التراث الشعري الفاقد للحرارة والعاطفة وتحول الشاعر إلى ماكنة ينتج نصوصاً جافة ولكن هذه النصوص الجافة صادفت نقادا جاهزين لها يبررون جفافها وبرودتها تحت مفاهيم لا يفهمونها، ومصطلحات يلوكونها فقط في الدراسات دون أن يكون لها أي أثر على الشعر وحرارته؛ وبهذا فقد فقدنا الكثير من التجارب الساخنة التي أطفأت تحت خانة التحديث وتحول الشاعر إلى نجار يصنع نصاً وليس إلى مجنون يهيم مع نصه؛ لهذا فإننا نحتفي بالمجانين القلة في هذا العالم الذين ينطلقون دون أن يعرفوا إلى أين، يضيعون فقط ولا يصلون،
تلك هي الشاعرية، وقبل سنوات قال محمد الثبيتي: قصائدي أينما ينتابني قلقي ومنزلي أينما أرمي مفاتيحي ولهذا؛ فإن صدور مثل هذا الديوان لعباس حسين هو مصدر للفرح وللإضافة في الشعرية العراقية التي أتمنى عليه التواصل والصعود عالياً في هذه التجربة، وأن يبقى رشيقاً في قصائده لكي يحلق عالياً: تسألينني عن الشمس وأخبرك بأن الأرض عندما كانت طفلة كانت الشمس طائرتها الورقية فتبتسمين ثم نمد أيدينا في الرمل ونحفر حتى نتصافح اليوم أفعل كل ذلك وحدي أجيء متأخراً وأقف على قبرك أتوهم بأنك زعلانة أسال عن الشمس وأجيب بأن أحداً ما قطع خيطها وهربت. * شاعر عراقي والمدير العام لدار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار