في ظل اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وما تفرضه من تحديات على حركة التجارة وسلاسل الإمداد، وقَّعت دول مجلس التعاون الخليجي، الأحد، في المنامة،
الاتفاقية العامة لمشروع الربط بالسكك الحديدية، في خطوة تستهدف وضع إطار مشترك لتنفيذ الشبكة وتشغيلها، وتعزيز تكامل منظومات النقل بين الدول الست. وتأتي الاتفاقية في مرحلة تتزايد فيها أهمية تنويع خيارات النقل والإمداد،
بعدما أظهرت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز والممرات البحرية المحيطة به مدى تأثر حركة البضائع بالتوترات الإقليمية، وما يصاحبها من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والحاجة إلى مسارات بديلة. وفي هذا السياق، يبرز مشروع القطار الخليجي بوصفه جزءاً من منظومة أوسع للتكامل اللوجستي،
وليس بديلاً عن النقل البحري الذي يظل مكوناً أساسياً في حركة التجارة الدولية والخليجية. وجرى توقيع الاتفاقية برعاية وحضور ولي العهد رئيس مجلس الوزراء البحريني الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، وبمشاركة وزراء النقل والمواصلات في دول المجلس، والأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي،
لتشكل أساساً تنظيمياً للتعاون بين الدول الأعضاء في تنفيذ شبكة تمتد لنحو 2117 كيلومتراً، وتربط الكويت بالسعودية والبحرين وقطر والإمارات وصولاً إلى سلطنة عُمان، مع استهداف تشغيلها بالكامل بحلول ديسمبر (كانون الأول) 2030. أعضاء لجنة وزراء النقل والمواصلات بدول مجلس التعاون في صورة رسمية في المنامة (مجلس التعاون) وتحدد الاتفاقية التزامات الدول الأعضاء وآليات العمل والتنسيق بينها،
إلى جانب الأطر الفنية والتشغيلية ومتطلبات السلامة، بما يضمن تكامل الشبكة الخليجية مع خطوط السكك الحديدية الوطنية. وقال وزير المواصلات والاتصالات البحريني الدكتور الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»،
إن كل دولة ستتولى تمويل وتنفيذ الجزء الواقع ضمن أراضيها، موضحاً أن الدول لم تبرم اتفاقات مسبقة مع شركاء دوليين لتمويل المشروع أو تنفيذه، وإن مشاركة الشركات العالمية يمكن أن تتركز في تقديم الخبرات والخدمات الفنية والتكنولوجية، وفق احتياجات كل دولة.
إنجاز المشروع وموعد التشغيل وفي مؤشر على تقدم الأعمال، أعلن البديوي أن نسبة الإنجاز في مشروع سكة الحديد الخليجية بلغت 55.9 في المائة، مؤكداً أن الاتفاقية تمثل إطاراً مشتركاً ينظم التزامات الدول الأعضاء في تنفيذ المشروع وتشغيله بصورة متكاملة، ويحدد آليات العمل والجدول الزمني لاستكماله.
ويستهدف المشروع التشغيل الكامل للشبكة في ديسمبر (كانون الأول) 2030، بطول إجمالي يقدر بنحو 2117 كيلومتراً، ليربط الكويت بالسعودية والبحرين وقطر والإمارات وصولاً إلى سلطنة عُمان. وتعمل الدول الأعضاء على استكمال المسارات الوطنية ومكونات الربط،
مع إمكانية تشغيل الوصلات بين الدول المتجاورة تباعاً بعد اكتمال متطلباتها، دون انتظار انتهاء الشبكة بأكملها. وتشير التقديرات إلى أن الشبكة ستنقل نحو 6 ملايين مسافر و200 مليون طن من البضائع في عام 2030، على أن يرتفع عدد المسافرين إلى أكثر من 8 ملايين،
وحجم الشحن إلى 271 مليون طن بحلول 2045. وتصل سرعة قطارات الركاب إلى 200 كيلومتر في الساعة، بينما تتراوح سرعة قطارات الشحن بين 80 و120 كيلومتراً في الساعة. الاجتماع الـ30 للجنة وزراء النقل والمواصلات بدول مجلس التعاون (مجلس التعاون) وتربط الشبكة،
وفق مسارها المخطط، المراكز الاقتصادية والصناعية والموانئ والمراكز اللوجستية في دول المجلس، بما يعزز حركة التجارة البينية، ويسهل انتقال الركاب والبضائع،
ويفتح المجال أمام فرص استثمارية ووظائف جديدة في قطاعات النقل والخدمات المرتبطة به. تمويل وطني وشراكات محتملة وفيما يتعلق بتكلفة المشروع، كانت التقديرات السابقة للبنية التحتية الأساسية تتراوح بين 15.4 و16 مليار دولار، غير أن الوزير البحريني أوضح أن هذه التقديرات تخضع للمراجعة في ضوء ارتفاع تكاليف مواد البناء والخدمات والأعمال الإنشائية،
من دون إعلان رقم محدث للتكلفة الإجمالية. وأشار إلى أن تمويل كل دولة للجزء الواقع ضمن أراضيها لا يمنع مشاركة القطاع الخاص في بعض المكونات، بعد إجراء الدراسات الاقتصادية والمالية اللازمة، لافتاً إلى أن طبيعة الشراكات المحتملة ستختلف بحسب كل جزء من المشروع،
ولا يوجد نموذج واحد مطروح للتنفيذ عبر الشبكة بأكملها. وفي البحرين، يرتبط تنفيذ المشروع بخطط الربط مع السعودية عبر جسر الملك حمد المقترح، الذي يتضمن مساراً للسكك الحديدية إلى جانب الطريق البري،
بما يتيح ربط محطة الركاب الدولية في البحرين بشبكة القطارات السعودية. ويشكل هذا الربط أحد المكونات الأساسية لاستكمال اتصال البحرين بالشبكة الخليجية. اضطرابات الملاحة تعزز أهمية التكامل اللوجستي وتكتسب الاتفاقية أهمية إضافية في ضوء التحديات التي واجهت حركة الشحن في المنطقة خلال الفترة الماضية، ولا سيما مع تراجع حركة السفن في ميناء خليفة بن سلمان البحريني،
وما ترتب على ذلك من زيادة الاعتماد على النقل البري والموانئ البديلة في دول الجوار. وفي هذا السياق، أشاد البديوي بالتعاون الذي قدمته السعودية والإمارات وسلطنة عُمان خلال فترة الاعتداءات الإيرانية، من خلال التسهيلات والتنسيق وإتاحة مسارات بديلة لنقل البضائع،
بما ساعد على استمرار سلاسل الإمداد إلى بقية دول المجلس. وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز التكامل بين منظومات النقل، وتنويع مسارات الإمداد، ورفع مستوى الجاهزية والتنسيق المشترك لمواجهة الأزمات،
مشيراً إلى أن قطاع النقل والتخزين في دول المجلس حقق نمواً حقيقياً بنسبة 5.7 في المائة خلال عام 2025، ليكون من بين الأنشطة الاقتصادية غير النفطية الأعلى نمواً. البديوي يتحدث خلال مراسم توقيع الاتفاقية لربط دول المجلس بمشروع سكة الحديد (مجلس التعاون) وكان قادة دول المجلس قد وجّهوا، خلال اللقاء التشاوري التاسع عشر للمجلس الأعلى الذي عُقد في جدة في 28 أبريل (نيسان) 2026،
بإعداد دراسة لتعزيز التكامل اللوجستي بين دول المجلس، في إطار مساعٍ أوسع لتطوير منظومة النقل وتنويع طرق التجارة والإمداد. التشغيل لا ينتظر اكتمال الشبكة ومن العناصر المهمة في خطة المشروع إمكان تشغيل خطوط الربط بين الدول المتجاورة فور استكمال المكونات اللازمة لها، من دون اشتراط انتظار اكتمال الشبكة الخليجية بأكملها.
ويتيح هذا التوجه الاستفادة من الأجزاء الجاهزة تدريجياً، بدلاً من ربط بدء التشغيل النهائي بإنجاز جميع المسارات في الدول الست. وفي البحرين، يرتبط مشروع السكك الحديدية الخليجية بمسار الربط مع السعودية عبر جسر الملك حمد المقترح،
الذي يتضمن وصلة للسكك الحديدية إلى جانب الطريق البري، بما يتيح ربط محطة الركاب الدولية في البحرين بشبكة السكك الحديدية السعودية. ويشكل هذا الربط أحد المكونات الأساسية للاتصال المباشر بين البحرين وبقية الشبكة الخليجية، في ظل اعتماد الجزيرة حالياً على جسر الملك فهد في حركة النقل البري مع السعودية.
وتستمر الدراسات والإجراءات المتعلقة بمشروع جسر الملك حمد ومكوناته، بما فيها وصلة السكك الحديدية، باعتبارها جزءاً من متطلبات استكمال الربط بين البلدين. تكامل مع النقل البحري لا منافسة له ورغم أن اضطرابات الملاحة أعادت تسليط الضوء على أهمية السكك الحديدية،
فإن المشروع لا يستهدف إحلال النقل البري محل النقل البحري، بل تكامل الوسيلتين. فالقطارات يمكن أن تنقل البضائع من الموانئ إلى المراكز الصناعية والأسواق الداخلية، وتوفر مساراً إضافياً للتوزيع بين الدول،
بينما تظل السفن الوسيلة الرئيسية لنقل كميات كبيرة من التجارة الدولية عبر المسافات الطويلة. كما أن تحويل الشبكة إلى جزء من ممرات لوجستية دولية أوسع يتطلب دراسات وتفاهمات وتنسيقاً إضافياً بين الدول والجهات المعنية، ولا يقتصر على استكمال خطوط السكك الحديدية داخل دول المجلس. وعلى المستوى الاقتصادي،
يُتوقع أن يدعم المشروع التجارة البينية، ويعزز الربط بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، ويفتح المجال أمام استثمارات في النقل والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بها، فضلاً عن توفير فرص عمل في مجالات الإنشاء والتشغيل والصيانة والخدمات المساندة.
الاجتماع الـ30 للجنة وزراء النقل والمواصلات بدول مجلس التعاون (مجلس التعاون) يذكر أن فكرة المشروع تعود إلى ديسمبر (كانون الأول) 2009، عندما أقر المجلس الأعلى لمجلس التعاون إنشاء سكة حديد تربط الدول الأعضاء، انطلاقاً من الأثر المتوقع للمشروع في تيسير الحركة التجارية وتنقل المواطنين والمقيمين، وتعزيز الترابط الاقتصادي بين دول المنطقة.
ومع تقدم العمل على المشروع، أقر المجلس الأعلى إنشاء الهيئة الخليجية للسكك الحديدية في ديسمبر 2021، لتتولى تنسيق الجهود بين الدول ومتابعة متطلبات الربط والتشغيل، وتوفير إطار مؤسسي للعمل المشترك في قطاع السكك الحديدية.
وشهد المشروع تقدماً في أعمال التنفيذ داخل الدول الأعضاء، إذ تجاوزت نسبة الإنجاز 50 في المائة وفق ما أُعلن في مايو (أيار) 2026. ويعكس ذلك التقدم الذي تحقق على مستوى المشروعات الوطنية، مع استمرار الحاجة إلى استكمال المكونات العابرة للحدود وتوحيد المتطلبات الفنية والتشغيلية اللازمة لتشغيل الشبكة بصورة متكاملة.