«جين إير» هي بطلة رواية تحمل اسمها من تأليف البريطانية شارلوت برونتي كانت قد نشرت عام 1847. لا تزال الرواية تُطبع في مختلف اللغات وتُباع لأنها لا تزال ممكنة القراءة بمتعة وشغف. أثناء قراءتها للرواية في مرسمها بنيوزلندا شعرت الفنانة الألمانية كاترينا غروس (1962) أن المرأة التي لا تكف عن الحركة شحنت خيالها بطاقة تدميرية تهبها إلهاما يُخرج الرسم من حدوده التقليدية، جغرافيته التي تختصره باعتباره لوحة تُعلق على جدار.
في إمكان الرسم إذاً أن يكون شيئا آخر من خلال تغيير بيئته ومواده والمساحة التي يتحرك عليها ويتفاعل من خلالها مع الجمهور. «انطلقت ومشيت سريعا» هو عنوان المعرض الصادم الذي لا يعبر فعل النظر عن حقيقة تجربة زيارته بقدر ما يمكنني القول إنني عشته بكل حواسي. تضع غروس زائر معرضها على سفينة تتعرض لعاصفة تأخذها من جزيرة لتسلمها إلى آخرى من غير أن تصل بها إلى شاطئ آمن. تبدأ المغامرة من عمل فني ضخم أقيم في إحدى قاعات «وايت كيوب ــ بيرمسي» في حزيران الماضي ليستمر عرضه ويكون جزءا من مثتنيات المؤسسة العريقة.
يجمع ذلك العمل بين أكوام غير منتظمة من التراب ولوحة قماشية مغمورة جزئيًا ومنحوتة برونزية مصبوبة ليُشكّل كل ذلك عملا فنيا واحدا، تتصل أجزاؤه بقلق ينتقل إلى المتلقي من خلال الإيقاع به في وهم بصري لا يكف عن الحركة. ينساب اللون بسلاسة عبر هذه العناصر مُغطيًا ومُوصلًا الأسطح غير المستوية مع الحفاظ على وجودها. يعمل العمل الفني كأرضية متصلة،
في الوقت الذي تغطي فيه لوحة كبيرة معلقة على الجدار كل ما هو موجود على الأرض لتشكل امتدادا له. تتصل أرضية القاعة بذلك الركام الترابي الملون من خلال سطوح لامعة يتحرك عليها قوس قزح لا يكف عن المزاوجة بين ألوانه التي لا تكف عن اللعمان. ذلك ما دفعني إلى سؤال الحارس بحذر»هل يمكنني الدخول؟» حين أومأ برأسه موافقا لاحظت أن كل مَن حضر بعدي فعل ما فعلته. صنعت الرسامة التي سبق لها أن عرضت أعمالها في كبرى المتاحف العالمية مكيدتها بإتقان كما لو أنها خططت لكي تقوض السلوك التقليدي الذي يميز طريقة المرء في النظر إلى الأعمال الفنية.
«إنك تدخل إلى عالم تسبقك إليه قناعة أن الدخول إليه محظور». كل شيء يهذي من حولها ليس الرسم بنية محددة بوصفات جاهزة سلفا بل هو نظام تفاعلي مفتوح على إيقاعات متباينة في مستويات صعودها وهبوطها. ذلك مفهوم أتاح للفنانة أن تبني عالما تتحرك الألوان فيه بحرية على الأسطح المختلفة، رابطةً بين القماش والعمارة والجدران والأعمدة والأرضية والسقف.
لا تُمثّل حدود الأشياء فواصل بل هي روابط تعمل كجسرٍ بينها. استُلهمت اللوحات من التغيرات الدراماتيكية للعناصر الطبيعية من مطر وشمس حارقة وقوة الرياح التي عايشتها غروس أثناء وجودها في نيوزيلندا. كاترينا غروس ومثل رسامي الشوارع تلجأ غروس إلى استعمال بخاخ الطلاء الصناعي في التلوين بأصباغ اكريلك زاهية شديدة اللمعان، بحيث يشعر المرء أنه ينتقل إلى عالم،
تقوى طاقته الحلمية على إلغاء الحواس المباشرة. يتحقق المرء وهو يعيش التجربة من قدرته على التعامل حسيا مع ما يرى ويفشل لأن كل شيء من حوله يهذي بقوة، كما لو أن الرسامة صنعت عالمها من مواد يفجر بعضها البعض الآخر ما أن تتصادم. بعد دقائق من التجربة يشعر المرء أن عليه الاستسلام لتلك الحتمية الحلمية بما أنه قد فقد السيطرة على حواسه وهي أدواته التقليدية في اكتشاف الفن.
ذلك ما يعني أن غروس نجحت في أن تخلق علاقة بين الزمن والمكان يكمن قوامها في تشتيت الحواس فلا يعرف المرء في أي زمن هو ولن يتمكن من التحقق من مكانه. وهو ما ينعكس على جغرافيا العمل الفني، بحيث لا يمكننا التمييز بين بدايته ونهايته . ذلك تأويل جانبي تسمح به طريقة الفنانة في التعامل مع موضوعها.
ما يهم أن المرء حين يدخل إلى العمل الفني الذي برعت غروس في مسرحته يعيش تجربة بصرية فريدة من نوعها. فهو إذ يراه من الداخل يشعر أنه جزء منه. لن يكون مجرد متلق سلبي بل هو مشارك إيجابي في خلق المشهد. ذلك ما يشعر به حين يرى الآخرين وهم يعيشون مثله فصول التجربة مأخوذين بقوة العصف.
كل شيء يجري بسرعة «في الصحراء، كل يوم وكل ليلة، ترى مرور الوقت بالفعل لأنّ الضوء المتغير يُحوّل كل ما تنظر إليه. له تأثير مُزيل للمادة والتحوّل فوري تقريبًا.
هذه اللوحات هي ردّي على تلك الظاهرة التي هي عابرة تماماً ومع ذلك تتكرر كل يوم» تقول كاترينا غروس وهي تقصد البيئة النيوزلندية التي تستلهم منها رؤيتها الفنية. الفنانة التي درست الفن في دوسلدورف بألمانيا وتنقلت في سياق برنامج مُنح فنية بين فلورنسا وسان فرانسسكو واختارت أن توزع وقتها بين مرسميها في أوكلاند وبرلين عُرفت بشغفها بإنجاز أعمال فنية ضخمة. في عام 2015 قامت بتركيب ثلاث أشجار عملاقة في القاعة الكلاسيكية الجديدة بمتحف فيسبادن، غطت جذورها بطلاء لامع يخطف الأبصار.
وفي مشروع «روكاواي» الذي أنجزته عام 2016 بالتعاون مع متحف MoMA PS1 ببروكلين قامت غروس برش حمام عسكري أميركي مهجور وجزء من الشاطئ المحيط به في شبه جزيرة روكاواي بنيويورك بكثافة بالطلاء. سواء في عملها البيئوي الكبير الذي احتل قاعة كاملة أم في لوحاتها التي يتجاوز عرض عدد منها الستة أمتار والتي تم عرضها في قاعتين كبيرتين لم تضع غروس مسافة ذات شروط وقيود محكمة بين مادتي الأكريلك والرذاذ الصناعي الملون. مزجت المادتين كما لو أنهما الشيء نفسه إضافة إلى أن كل شيء يوحي بأنها لا تملك الوقت للإسترخاء من أجل التمعن في القواعد والاستجابة لها. كل شيء جرى بسرعة وإمعان في الحركة.
ذلك ما ينعكس على المشاهد وهو يتلقى البريق الذي يلقي بحمولته الكثيفة برشاقة مترفة لا يمكن الإفلات من تأثيرها المهيج للمشاعر المضطربة. إذا كانت أعمال كاترينا غروس تنتمي إلى التجارب الفنية الكبرى فإن عملية تلقي تلك الأعمال تمثل هي الأخرى تجربة كبرى في التفاعل الذي يهب المتلقي حرية في اختيار الموقع الذي يقف فيه ويتمكن من خلاله أن يمارس خبرته في استعمال حواسه. فضاؤنا الذي يحلم مثلنا لو أن كاترينا غروس اكتفت بنقل مشاهد البيئة التي تحيط بها لأعتبرت محاولتها جزء مما يسميه النقاد المنهجيون بـ»فن الأرض» مثلها في ذلك مثل البريطاني ريتشارد لونغ (1945) ولكن انفتاحها على المشهد الطبيعي ينطوي على الكثير من الحيل التي تزيح عن محاولاتها معنى الانتساب إلى ذلك المشهد كما هو الحال لدى لونغ. الإلهام لديها فني خالص وهي بذلك تتحقق من إخلاصها للتجريد كونه تعبيرا عن النجاة من خلال عناصر الرسم الخالصة بمعزل عما يمكن أن تنقله من مرئيات.
تقول غروس «أنا مهتمة بكيفية قدرة اللوحة على إيصال السرعة ومرور اللحظة وفي الوقت نفسه احتواء لحظات متعددة داخل صورة واحدة، بحيث يستحيل فصلها». ذلك ما يشير إلى الزمن الفالت من قياسه الواقعي ليقع في فلك إطاره الكوني غير المحدود. وهو زمن حلمي،
لا تقع وحداته في السنوات أو الأيام أو الدقائق بل في ما يتركه إيقاعه الذهبي من لذة في مفارقة المكان الواقعي والانتساب إلى الحركة التي يؤلف الزمن خيوط تشابكها. وهبتنا كاترينا غروس في معرضها « انطلقت ومشيت سريعا» فرصة مهمة للتعرف على التجريد لا باعتباره محاولة لخلق عالم فني يستمد وجوده الشكلي من العناصر الفنية من غير الحاجة إلى التشبه بالواقع بل وأيضا لكونه قادرا على إحياء الزمن بصيغته الحلمية وهي صيغة لا تخضع لسلطة المكان. «أنت ترى كما لو أنت تحلم» تلك معادلة نجحت غروس في تثبيتها بحيث يخرج المرء من معرضها كما لو أنه أنهى حلما سبفكر كثيرا في إستعادته.