يكتسب إعلان السعودية تأسيس تحالف دفاعي بحري متعدد الجنسيات أهمية تتجاوز كونه ترتيبات أمنية جديدة، فهو يعكس سعياً إلى إعادة صياغة معادلة الأمن البحري من خلال إطار تقوده دولة إقليمية، ويجمع بين الردع العسكري والتنسيق العملياتي والتكامل الاستخباراتي وبناء القدرات المشتركة، في مواجهة بيئة أمنية تتسم بتصاعد التهديدات غير التقليدية وتداخل الفاعلين من الدول والتنظيمات المسلحة.

وتكتسب مشاركة السودان في هذا التحالف دلالة خاصة لأنها تأتي بينما لا تزال البلاد غارقة في حرب داخلية أنهكت مؤسساتها العسكرية والمدنية، وأضعفت قدرتها على ممارسة وظائف الدولة التقليدية. مع ذلك، فإن دخول الخرطوم في ترتيبات أمن البحر الأحمر يعكس إدراكاً بأن الحرب الداخلية لم تلغِ الأهمية الجيوسياسية للساحل السوداني،

ولا موقعه في معادلة أمن المضايق والممرات البحرية. كذلك يكشف عن استمرار ارتباط السودان بمنظومة الأمن الإقليمي، بوصفه دولة مطلة على البحر الأحمر، لا يمكن فصل استقرارها الداخلي عن أمن المجال البحري المحيط بها.

ومن هذه الزاوية، تطرح المبادرة السعودية أسئلة أخرى إضافة إلى أهدافها المعلنة، لتلامس طبيعة التحولات الجارية في بنية الأمن الإقليمي وحدود أدوار القوى المحلية والدولية، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو نموذج جديد للأمن الجماعي تقوده الدول المشاطئة،

أو إلى مرحلة أكثر تعقيداً من إعادة توزيع النفوذ في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.  لم يعُد أمن البحر الأحمر شأناً بحرياً محصوراً بحماية السفن أو تأمين خطوط الملاحة، بل تحول إلى أحد أكثر ميادين التنافس الاستراتيجي حساسية في النظام الإقليمي والدولي. فمن يملك القدرة على ضبط هذا الممر الممتد من باب المندب إلى قناة السويس،

يمتلك في الوقت نفسه نفوذاً يتجاوز الجغرافيا إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية وإدارة التوازنات الأمنية بين القوى الإقليمية والدولية. نموذج جديد ولا تنبع أهمية التحالف البحري الدفاعي من أنه استجابة مباشرة لتهديدات الملاحة في البحر الأحمر وحسب، بل لأنه يعكس تحولاً في فلسفة إدارة الأمن الإقليمي. فالمنطقة التي تضم البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن لم تعُد مجرد ممر لعبور السفن،

وإنما تتقاطع عندها مصالح الطاقة والتجارة العالمية والانتشار العسكري والتنافس بين القوى الكبرى. ويكفي أن أي اضطراب في باب المندب ينعكس فوراً على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا وأسعار التأمين والشحن وسلاسل الإمداد العالمية، ليتحول من أزمة محلية إلى قضية ذات أثر اقتصادي وجيوسياسي واسع. ومن هذا المنطلق،

تمثل المبادرة السعودية محاولة لإرساء نموذج جديد للأمن البحري، ينتقل من ردود الفعل الموقتة إلى بناء منظومة دائمة للتنسيق العسكري والعملياتي والاستخباراتي بين الدول ذات المصلحة المباشرة في استقرار هذا الممر الحيوي. كما أن استضافة المملكة لمقر القيادة المشتركة ومركز القيادة والسيطرة ومركز العمليات البحرية تمنحها موقع الدولة المحورية في هندسة ترتيبات الأمن البحري، مما يعزز حضورها بوصفها فاعلاً إقليمياً يقود،

لا يكتفي بالمشاركة. أي اضطراب في باب المندب ينعكس فوراً على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا (غيتي) وتكتسب مشاركة السودان أهمية تتجاوز بعدها الرمزي، إذ حرص السودان خلال الاجتماع التأسيسي على الحفاظ على حضور الدولة داخل ترتيبات الأمن الإقليمي وعدم السماح للحرب بعزل الخرطوم عن القضايا الاستراتيجية المحيطة بها. ويتميز هذا الحضور بوزن خاص لأن السودان يمتلك أطول شريط ساحلي على الضفة الغربية للبحر الأحمر،

ويشرف على مساحة بحرية تمثل امتداداً مباشراً للمجال العملياتي للتحالف. ولا يمكن من منظور استراتيجي الفصل بين أمن البحر الأحمر واستقرار الدول المشاطئة، فالتجارب المعاصرة تؤكد أن التهديدات البحرية لا تنتجها البحار وحدها، بل تنشأ في كثير من الأحيان من هشاشة الدول المطلة عليها،

ومن شبكات التهريب وتدفقات السلاح والجماعات المسلحة التي تستغل فراغ السلطة على اليابسة. ولذلك، فإن نجاح أية ترتيبات دفاعية في البحر الأحمر ستظل رهينة بقدرتها على معالجة مصادر عدم الاستقرار على سواحله، وفي مقدمتها الأزمة السودانية.

علامة فارقة  تُقرأ مشاركة السودان في التحالف البحري باعتبارها قراراً سياسياً وأمنياً ذا وظيفة دفاعية استراتيجية، فالسودان واحد من الدول الـ14 التي أعلنت دعمها للانضمام في المرحلة الأولى، ضمن مبادرة لا تزال قابلة للتوسع وإعادة تشكيل أدوار أعضائها. وتعبر المشاركة عن أن البحر الأحمر بالنسبة إلى الخرطوم ليس ممراً خارجياً،

وإنما هو امتداد مباشر للأمن الوطني والاقتصاد والسيادة. وأي اضطراب في الملاحة ينعكس على حركة التجارة والطاقة والتأمين وسلاسل الإمداد، فيما يمنح الموقع الساحلي للسودان وزناً يمكن أن يحفزه على تطوير قدراته العسكرية. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) أما آلية المشاركة،

فالأرجح أن تبدأ من المؤسسات قبل القطع العسكرية. وسيحتاج السودان إلى تسمية جهاته المتخصصة وتحديد نقطة اتصال عملياتية مع مركز قيادة التحالف في الرياض ووضع بروتوكولات لتبادل المعلومات والإنذار المبكر، ثم تحديد نطاق إسهامه في مراقبة مياهه الإقليمية وخطوط الملاحة المحاذية لساحله. ويأتي بعد ذلك إدماج عناصر من البحرية وخفر السواحل وأجهزة الاستخبارات وتلك الخاصة بأمن الموانئ في منظومة التنسيق،

فضلاً عن التدريبات وعمليات المحاكاة المشتركة. وهنا تبرز قيمة المجلس الاستراتيجي السعودي- السوداني بوصفه قناة سياسية يمكن أن تساند هذا المسار بتوحيد الرؤية وتسريع التنسيق المؤسسي ودعم التدريب والتأهيل وتطوير الموانئ والبنية البحرية، وصولاً إلى ربط الأمن البحري بإعادة الإعمار والاستثمار. لذلك،

من المتوقع أن يبدأ الدور السوداني بالمعلومة والمراقبة والتسهيلات، ثم يتدرج نحو إسهام عملياتي أوسع ربما تقتضيه الظروف من خلال توفير قناة مؤسسية دائمة لمعالجة أية تحديات أو حاجات بدلاً من الاكتفاء بالاتصالات الظرفية، فالقوة في هذا النوع من التحالفات تخدمها الجغرافيا والمعلومة والقدرة على مراقبة الساحل، وهي أدوات تشكل علامة فارقة في الأمن البحري.  تعزيز الشراكات يبرز السودان في قلب أول اختبار يواجهه التحالف البحري متمثلاً في امتلاك أدوات ردع،

من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع الفاعلين الدوليين ومن غير الدول الذين ينظرون إلى البحر الأحمر على أنه ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية. فالحرب الداخلية لا تجعل حدوده البحرية أقل أهمية، بل تمنحها حساسية مضاعفة، لأن أي فراغ أمني على الساحل الغربي للبحر الأحمر يفتح المجال أمام شبكات تهريب السلاح والجريمة المنظمة،

ويمنح القوى الساعية إلى توسيع نفوذها فرصاً إضافية للمناورة. ومن ثم، فإن إسهام الخرطوم في التحالف يمتد إلى استعادة السيطرة على المجال الساحلي وتعزيز الرقابة البحرية وتكثيف التعاون الاستخباراتي مع الدول الأعضاء، مما يحرم التهديدات العابرة للحدود من بيئة الحركة والتمدد.

وفي مقابل هذا الاستعداد، تنظر إيران بقدر من التحفظ إلى أية ترتيبات أمنية إقليمية قد تحد من هامش نفوذها في البحر الأحمر، ووجهت وسائل إعلامها ومسؤولون مقربون منها انتقادات للتحالف، معتبرين أنه لن يغير موازين القوى في المنطقة.

وبالتوازي مع ذلك، تعتزم طهران المواصلة في ما بدأته خلال الأعوام الأخيرة بتكثيف انتظامها السياسي والأمني في عدد من الدول الأفريقية، عبر اتفاقات أمنية وتعاون دفاعي ومحاولات توسيع الشراكات الاقتصادية والعسكرية، في إطار مساعٍ أوسع لإعادة بناء شبكة نفوذها الخارجية في ظل الضغوط والعقوبات الدولية.

تمثل المبادرة السعودية محاولة لإرساء نموذج جديد للأمن البحري (اندبندنت عربية - حسن حامد)​​​​​​​ ولا يعني ذلك بالضرورة أن الحضور الإيراني يترجم إلى قدرة على تعطيل التحالف، لكنه يفرض عليه اعتماد مقاربة تتجاوز البعد العسكري. ويرى مراقبون أن ترسيخ التحالف يقتضي تعزيز الشراكات مع الدول الأفريقية المطلة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وربط الأمن البحري بالتنمية وبناء القدرات،

مما يقلص فرص اختراق الترتيبات الأمنية الجديدة أو توظيف التوترات في بعض الدول للتأثير في توازناتها. وفي هذا السياق، يمثل السودان أحد الحلقات المحورية، فكلما استعادت الدولة قدرتها على بسط سيادتها على ساحلها وموانئها،

تراجعت فرص استغلال الفراغات الأمنية من قبل القوى الدولية والتنظيمات المسلحة، وازدادت قدرة التحالف على تحقيق هدفه الأساس، تحويل البحر الأحمر من ساحة تنافس مفتوحة إلى فضاء للاستقرار والتعاون الإقليمي. سيناريوهات محتملة  لن يتوقف مستقبل التحالف البحري الدفاعي على قدرته في حماية السفن أو تأمين خطوط الملاحة وحسب،

وإنما على نجاحه في معالجة البيئة الجيوسياسية التي تنتج التهديدات من الأساس. وفي ظل الحرب السودانية، فإن تأثيرها في التحالف سيظل محكوماً بالقدرة على فصل ترتيبات الأمن البحري عن تعقيدات الصراع. ومن الممكن أن يتيح السيناريو الأول توقف الحرب وبيئة أكثر ملاءمة لتطوير التعاون الأمني في البحر الأحمر،

بما في ذلك مراقبة السواحل وتبادل المعلومات وتأمين الموانئ والمنشآت الحيوية، غير أن حجم المشاركة السودانية سيبقى مرتبطاً بمدى استعادة مؤسسات الدولة قدرتها على العمل وتوحيد القرار الأمني، وليس بمجرد انتهاء القتال. أما السيناريو الثاني،

في حال استمرار الحرب مع بقائها ضمن نطاقها الحالي، يرجح أن يحافظ التحالف على مقاربة تجمع بين إبقاء قنوات الدولة مفتوحة وبين تحصين أمن البحر الأحمر من تداعيات الصراع. وقد تظل إسهامات السودان في الإطار الدفاعي ذات طابع سياسي وتنسيقي وعملياتي إن اقتضت الضرورة. أما السيناريو الثالث،

فإذا امتدت آثار الصراع إلى أمن الملاحة أو الحدود أو حركة السلاح والهجرة، فقد تتجه الأولوية نحو تعزيز المراقبة البحرية وتبادل المعلومات والتنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وعندها سيصبح احتواء الآثار الإقليمية للحرب عبئاً على التحالف.  العامل الأهم في مستقبل التحالف ليس مسار الحرب السودانية وحده،

وإنما قدرته على بناء ترتيبات أمنية تستوعب اختلاف الأوضاع السياسية والأمنية بين أعضائه، وستظل تسوية الحرب عاملاً مساعداً في استقرار البيئة الإقليمية.