أولت دراسة حديثة لباحثين من جامعة هيوستن وجامعة ييل في الولايات المتحدة، ونُشرت في مجلة «نتشر» للصحة النفسية the journal Nature Mental Health في نهاية شهر يونيو(حزيران) من العام الحالي، فهم الكيفية التي يقوم بها مخ الأطفال المصابين بطيف التوحد ASD بمعالجة (قراءة) الوجوه المختلفة. «معالجة الوجوه» تستخدم جملة «معالجة الوجوه» لوصف عملية معقدة جداً تحتاج إلى توافق عصبي وبصري وعاطفي.

وعلى سبيل المثال عندما ينظر الطفل إلى وجه معين، يبدأ المخ في تحليل المعلومات البصرية (صورة الوجه) في غضون أجزاء من الثانية، ويقوم بالتعرف على ملامح ذلك الوجه وتصنيف هويته وإدراك المشاعر العاطفية المختلفة المرتبطة به سواء كانت هذه المشاعر سلبية أو إيجابية. من المعروف أن تجنب النظر إلى وجوه الآخرين وتقليل التواصل البصري معهم يُعد واحداً من أهم السمات المميزة لمرضى طيف التوحد،

ما يؤدي إلى عزلتهم الاجتماعية بطبيعة الحال، لأن التعرف على الوجوه يُعد أمراً جوهرياً في التعامل مع الآخرين، حيث يواجه العديد من الأطفال المصابين بالمرض صعوبة أكبر في تذكر الوجوه والتعرف على معاني التعبيرات العاطفية المرتبطة بكل نظرة، مقارنة بأقرانهم الأصحاء من ذوي النمو العصبي الطبيعي.

ولفهم الصعوبات المترتبة على معالجة الوجوه التي تواجه العديد من مرضى طيف التوحد، يكفي أن نتخيل رؤية وجه شخص معين دون فهم لطبيعة المشاعر المرتبطة بهذا الوجه. ومن ثمّ، يواجه الشخص المصاب بالمرض مشكلتين مزدوجتين؛ الأولى هي محاولة التعرف السريع على صاحب الوجه (خاصة إذا كان صديقاً مقرباً)،

والثانية هي إدراك طبيعة مشاعره (حزن /سعادة/ غضب/ ترحاب) والتفاعل معه حسب هذه المشاعر، وهاتان المشكلتان تواجهان المصابين بالمرض بدءاً من الطفولة وحتى البلوغ. وقام الباحثون بإجراء الدراسة الحالية، على ما يقرب من 400 طفل،

منهم أطفال مصابون بالتوحد وأطفال أصحاء لمقارنة النتائج (مجموعة ضابطة) من فئات عمرية مختلفة، وقاموا برصد النشاط العصبي في المخ لرصد الاستجابة لرؤية صور وجوه وأشياء مختلفة، واستخدموا رسام المخ الكهربائي (EEG)، حيث تم وضع أقطاب كهربائية تغطي فروة الرأس بأكملها،

حتى يتم رصد كل المناطق العصبية في المخ، وذلك بهدف فهم الاختلافات في معالجة الوجوه بشكل أفضل. النشاط العصبي في المخ وجد الباحثون أن النشاط العصبي في المخ الذي تم رصده كنوع من الاستجابة لرؤية صور الوجوه كان أقل وضوحاً وتميزاً لدى الأطفال المصابين بالتوحد، حيث يجد المخ صعوبة أكبر في التمييز بين النظر إلى وجه معين والنظر إلى جسم عادي.

ولاحظ الباحثون أيضاً أن الإشارات العصبية الخاصة بمعالجة الوجوه كانت مرتبطة بعامل العمر في الأطفال الأصحاء ذوي النمو العصبي الطبيعي، وأصبحت أكثر دقة وتطوراً وتخصصاً مع تقدمهم في العمر، بعكس المصابين بالتوحد، حيث كانت الإشارات الخاصة بمعالجة الوجوه أقل تميزاً وحدة ووضوحاً بغض النظر عن التقدم في العمر،

ما يعني أن الاستجابة العصبية تظل ثابتة دون تغيير منذ مرحلة الطفولة المبكرة. أوضحت الدراسة أن مسار النمو العصبي يختلف في الأطفال المصابين بطيف التوحد عن النموذج الطبيعي للتطور العصبي، بمعنى أن التزامن بين رؤية وجوه معينة وترجمة معناها وفهم المشاعر المختلفة المرتبطة بها في المخ يتطور بشكل تدريجي من الطفولة وحتى البلوغ في الأطفال الأصحاء، ولكن في الأطفال المصابين بطيف التوحد لا يتطور هذا التزامن بالوتيرة نفسها،

ما يجعلهم غير قادرين على إدراك المشاعر المرتبطة بالوجوه. وعلى سبيل المثال، في الطفولة المبكرة لا يتذكر الأطفال (سواء من ذوي النمو الطبيعي أو المرضى بطيف التوحد) الوجوه، بعد مرور فترة طويلة من عدم رؤيتها؛ لأن الذاكرة لا تقوم بتسجيلها ِلفترات طويلة،

ولكن مع التقدم في العمر يُظهر الأطفال الأصحاء نشاطاً متزايد الدقة في المخ فيما يتعلق بمعالجة الوجوه، بعكس مرضى طيف التوحد. ولاحظ الباحثون أن تحديد ما إذا كان الطفل الطبيعي ينظر إلى وجه معين من عدمه كان سهلاً جداً، بعكس الطفل المصاب بالتوحد الذي لا يمكن التنبؤ بطبيعة نظرته التي تتجنب الوجوه.

وكانت معظم الأبحاث السابقة حول معالجة الوجوه ركزت على مؤشر حيوي يُعرف بـ(N170)، وهو يشير إلى تغير واضح في نشاط المخ يحدث بعد 170 ملّي ثانية من رؤية الوجه. وفي الأفراد المصابين بطيف التوحد يحدث تأخير في هذا المؤشر المميز لإدراك الوجوه، ما يجعلهم يتجنبون النظر للوجوه بشكل مباشر.

ولسنوات عديدة حاول الأطباء علاج الاختلافات في النظر للوجوه بين مرضى طيف التوحد والأطفال الأصحاء، من خلال الإصرار على أن يحافظ مرضى التوحد على التواصل البصري مع المتحدث، وهو أسلوب أثبتت الأبحاث عدم نجاحه، حيث توضح نتائج الدراسة أن عدم قدرة مرضى التوحد على التواصل البصري نتيجة لاختلافات جوهرية في المخ،

وليس مجرد مشكلة سلوكية يمكن تغييرها من خلال الإصرار على ممارستها. في النهاية، أكدت الدراسة أن التوحد عبارة عن طيف كبير من الأعراض، حيث يواجه بعض الأفراد المصابين بالتوحد صعوبة كبيرة في التعرف على الوجوه المألوفة،

بينما يواجه آخرون تحديات طفيفة فقط تتعلق بالإشارات العاطفية الدقيقة، لذلك لابد من التعامل مع كل حالة بشكل فردي للوصول لأفضل الطرق للتفاعل الاجتماعي مع الآخرين دون الإصرار على التواصل البصري فقط. * استشاري طب الأطفال. مخ مرضى التوحد يستجيب بصعوبة للأصوات غير المألوفة