هل تستطيع دولة تمتلك أحد أكبر احتياطات النقد الأجنبي في العالم الدفاع عن عملتها بمفردها؟ ولماذا احتاجت اليابان إلى التنسيق مع الولايات المتحدة لشراء الين، رغم امتلاكها احتياطات تتجاوز 1.29 تريليون دولار؟ هذه التساؤلات برزت بقوة بعد التدخل المشترك من طوكيو وواشنطن لدعم العملة اليابانية،
في خطوة نادرة أعادت إلى الأذهان آخر تدخل من هذا النوع قبل أكثر من عقد. ويُعدّ التدخل في سوق الصرف أحد أبرز الأدوات التي تلجأ إليها الحكومات والبنوك المركزية عندما تشهد عملاتها تقلبات حادة. ويكون ذلك عبر بيع أو شراء العملات الأجنبية للتأثير في سعر الصرف، بهدف الحد من التقلبات أو استعادة الاستقرار المالي.
وعندما يكون التدخل منسقاً بين أكثر من دولة، كما في حالة اليابان والولايات المتحدة، فإنه يكتسب تأثيراً أكبر على الأسواق؛ إذ يعكس توافقاً بين السلطات النقدية ويعزز ثقة المستثمرين بقدرة التدخل على تحقيق أهدافه، مقارنة بالتحركات الأحادية التي غالباً ما يكون أثرها محدوداً أو قصير الأجل.
وأوضح فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة «سنشري فاينانشال»، أن التدخل المشترك الذي نفذته اليابان بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأميركية في 30 يوليو (تموز) الماضي، أسهم في خفض سعر صرف الدولار من ذروة قاربت 164 يناً في 28 يوليو إلى نحو 157.5 ين حالياً،
مؤكداً أن هذا التحرك يفسر الأسباب التي دفعت طوكيو إلى طلب دعم واشنطن بدلاً من الاكتفاء بالتدخل المنفرد. وقال فاليشا لـ«الشرق الأوسط» إن إضعاف العملة يعدّ مهمة سهلة نسبياً؛ إذ يستطيع «البنك المركزي» ببساطة زيادة المعروض النقدي، بينما يتطلب دعم العملة المحلية بيع احتياطات من العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار،
ثم استخدام تلك الدولارات لإعادة شراء العملة الوطنية من الأسواق، وهي عملية أعقد وأعلى تكلفة. وأشار إلى أن اليابان سبق أن تدخلت منفردة لدعم الين في عامي 2022 و2024، مستندة إلى احتياطات أجنبية بلغت نحو 1.29 تريليون دولار بنهاية يونيو (حزيران) 2026،
إلا إن التدخل الأخير تميز بمشاركة مباشرة من وزارة الخزانة الأميركية، في أول تحرك مشترك لدعم الين منذ عام 2011. وأوضح أن التنسيق بين البلدين حقق 3 أهداف رئيسية، «أولها تجنب اضطرار اليابان إلى بيع كميات كبيرة من سندات الخزانة الأميركية،
التي تشكل جزءاً مهماً من احتياطاتها الأجنبية؛ لأن ذلك كان سيؤدي إلى ارتفاع عوائد السندات الأميركية، وهو ما لا ترغب واشنطن في حدوثه». وأضاف أن طوكيو لجأت بدلاً من ذلك إلى آلية يوفرها «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» تسمح لها بالحصول على سيولة بالدولار مقابل رهن تلك السندات؛ «مما وفر التمويل اللازم للتدخل دون الحاجة إلى بيع الأصول الأميركية». وبيّن أن الهدف الثاني يتمثل في تعزيز مصداقية التدخل أمام الأسواق؛ «إذ إن التجارب السابقة أظهرت أن التدخلات المنفردة لليابان لم تمنع عودة الين إلى الهبوط لاحقاً،
بينما يمنح البيان المشترك مع الولايات المتحدة رسالة أقوى للمستثمرين بشأن جدية السلطات في الدفاع عن العملة اليابانية». أما الهدف الثالث، وفق فاليشا، فيتعلق بالجانب السياسي؛ «إذ يوفر التنسيق مع واشنطن غطاءً دبلوماسياً لطوكيو،
ويحدّ من احتمالات تعرضها لاتهامات بالتلاعب في سعر الصرف، من خلال تقديم التدخل على أنه خطوة مشتركة تهدف إلى دعم استقرار الأسواق المالية العالمية، وليس سعياً إلى تحقيق ميزة تنافسية تجارية». ولفت إلى أن أحد الجوانب اللافتة في العملية تمثل في بيع «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك اليورو؛ بدلاً من الدولار؛ «لتمويل إسهامه في شراء الين،
وهي آلية غير تقليدية هدفت إلى دعم اليابان دون إرسال إشارات إلى الأسواق بأن الولايات المتحدة تسعى في الوقت نفسه إلى إضعاف الدولار، في ظل استمرار معركتها مع التضخم».