في حلقة أسبوعية من برنامج ثقافي فرنسي، تم تخصيص النقاش لسؤال يبدو خفيفاً في ظاهره لكنه يمس جوهر الوجود الإنساني: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء عبر العصور عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة، وكأن الزمن يُلح عليه وسط الأزمات السياسية والاجتماعية.
لم يعد الضحك مجرد ترف ثقافي، بل تحول إلى شكل من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي.الضحك كملاذ وربط إنسانياستضاف البرنامج نخبة من الكتّاب والروائيين، بينهم ديفيد فونيكينوس الحائز على جائزة رونودو، والذي قدم روايته الجديدة «أنا مضحك».
اختار الكاتب إهداءً يحمل مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة تختصر فلسفة كاملة – الضحك ليس نقيض الألم، بل قد يكون وجهه الآخر. وأكد فونيكينوس أن للضحك اليوم قيمة ملاذ لا غنى عنها،
وأن العصر بكثافته وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لخلق المشاعر وتوثيق الروابط بين البشر.جذور فلسفية وأدبيةلم يبدأ هذا السؤال مع فونيكينوس؛ فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً ثورة جمالية ومعرفية. لم يكن رابليه يصف ظاهرة بيولوجية، بل موقفاً فلسفياً يفصل الإنسان عن الحيوان ويدل على حريته.
وعد ميلان كونديرا أن تاريخ الرواية الأوروبية بدأ مع ضحك رابليه، واصفاً إياه بلحظة استثنائية في ميلاد فن جديد.أما جورج برنارد شو، فقد جعل السخرية سلاحاً أدبياً لفضح المجتمع البرجوازي. في مسرحيته «بيجماليون»،
استخدم السخرية لبيان كيف تُصنع القيمة الإنسانية بأدوات المجتمع المصطنعة، فيما كشفت «السلاح والرجل» تناقضات الحضارة المعاصرة من خلال فكاهة حادة. وهذه الرؤية تحمل تناقضاً داخلياً: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار.وقبل شو،
تناول بودلير في مقالته «جوهر الضحك» أنواع الضحك: كوميديا معنوية تنقد المجتمع، وكوميديا مطلقة تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود. هذا التمييز يضيء سر الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا لإضحاك أحد – إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.الضحك في التراث العربيفي التراث العربي، اختزل المتنبي الأدب الساخر ببيته: «وكم ذا بمصر من المضحكات...
ولكنه ضحك كالبكاء». لم يكن الضحك العربي ضحك الراضي أو المنتصر، بل ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقاً للتعبير عن وجعه دون انكسار. وقد أدرك الجاحظ هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»،
الذي يبدو في سطحه فكاهياً لكنه في جوهره تشريح اجتماعي للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع. كما وظف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية كعدسة كاشفة للفوارق الطبقية، حتى تبلغ السخرية في أعماله حد المأساة، مذكرة بأن الحد الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا وهمي في الأدب الكبير.تناقض الكوميديا والتراجيدياالكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح،
بل لأنه غارق فيه لدرجة لا يرى معها مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. لاحظ فونيكينوس أن الظرفاء يربطون بين طفولتهم القاسية ورغبتهم في إضحاك الآخرين – وكأن الضحك وسيلة لشفاء الأحزان. بطل روايته طفل يتيم يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة، لكنه يكتشف أيضاً أنه حين يصبح مهنة يتحول إلى فخ يلتصق بصاحبه كالقناع.
تاريخ الكوميديا الكبرى مليء بهذا التناقض: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر، إلى تشيخوف الذي سخّر السخرية للأوضاع الاجتماعية، وبيكيت الذي جعل الشقاء المادة الكوميدية الأكثر خصوبة – أبطال مسرحيته «في انتظار غودو» يضحكون لأن الضحك أهون من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.العصر الحالي وفلسفة الفكاهةيلاحظ المتابعون ارتفاعاً حاداً في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة أداة رئيسية، في مرحلة من القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل.
وليس هذا مصادفة؛ فقد أشار الفيلسوف سايمون كريتشلي إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي على اعتراف بالهشاشة، وتنشئ مسافة بين الذات والواقع لتجعله قابلاً للاحتمال دون إلغائه. لكن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية،
لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية – إنه يسأل عن التكلفة والثمن وعما يخفيه الضحك ويفصح عنه. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تلطف الجرح بل تضيئه. جورج برناردشو بودلير