أظهرت دراسة حديثة لباحثين من جامعتي ماكجيل في كندا وبافيا في إيطاليا، ونُشرت في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) من العام الحالي في مجلة «Scientific Reports»، أن المراهقين الذين حصلوا على درجات أعلى في اختبار نظرية العقل غير اللفظية (nonverbal Theory of Mind) كانوا أكثر مشاركةً للمعلومات الشخصية والإفصاح عن الذات في محادثات الإنترنت. إدراك الحالة الذهنية للآخرين وتشير عبارة «نظرية العقل غير اللفظية» إلى قدرة الشخص المعرفية على إدراك الحالة الذهنية للآخرين من خلال هيئتهم وتعبيراتهم،
بمعنى أن يتمكن من معرفة أفكار ومعتقدات ورغبات ونوايا من يتعامل معهم، دون الاعتماد على اللغة بوصفها عاملاً أساسياً للتقييم. وعلى الرغم من أن المهارات الاجتماعية، مثل مهارة القدرة على تفسير النوايا دون كلام (نظرية العقل)،
لها فوائد كبيرة على مستوى الحياة العملية، فإنه من غير المعروف بشكل كافٍ ما إذا كانت هذه القدرات مفيدة في التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت؛ لأن هذه المهارات تعتمد على الحس الإنساني، ورصد التعبيرات المختلفة، ولغة الجسد،
ونظرة العين وغيرها، بينما في الواقع الإلكتروني عبر الإنترنت لا تتوفر هذه الفرص، ويكون الاعتماد الأساسي على الكتابة. من المعروف أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت من العوامل الرئيسية التي تتحكم في شكل علاقات المراهقين الاجتماعية،
حيث تشير الأبحاث إلى أن ما يقرب من نصف المراهقين المستخدمين لهذه الوسائل يقضون أوقاتهم متصلين بالإنترنت بشكل دائم، وهي نسبة تعادل تقريباً ضعف ما تم تسجيله في عامي 2014 و2015. وقال الباحثون إن هذه الزيادة ناتجة عن قدرة الإنترنت على توفير فرص تواصل سهلة بعيداً عن الحاجز الجغرافي. قام الباحثون بإجراء الدراسة على ما يزيد على مائة مراهق من أنحاء كندا،
وجميعهم تتراوح أعمارهم بين 11 و18 عاماً، وركزوا بشكل خاص على تقييم العلاقة بين الدرجات العالية في (نظرية العقل) وسلوكيات المراهقين عبر الإنترنت، لمعرفة إلى أي مدى يمكن للمراهقين الذين لديهم مهارات اجتماعية حقيقية إقامة علاقات اجتماعية بالجودة نفسها على الإنترنت. استخدم العلماء ثلاثة عوامل رئيسية للحكم على العلاقات عبر الإنترنت: العامل الأول هو عامل الجودة ما يعني قدرة المراهق على الإفصاح عن الذات بسهولة عبر الإنترنت،
والكمية بتكرار المحادثات والتفاعلات الاجتماعية عبر الإنترنت، والاتجاه بمدى تفضيل التفاعل عبر الإنترنت وعدّه أفضل من غيره من وسائل التواصل الأخرى، مثل المقابلات الشخصية أو المحادثات الهاتفية. وأجريت استبانة تفصيلية للمراهقين عن سلوكهم عبر الإنترنت،
حيث شملت الأسئلة: ما مقدار الوقت المنقضي على الإنترنت بشكل يومي؟ وما طبيعة التفاعل الاجتماعي مع الآخرين؟ وهل هو مجرد تعارف عابر أم علاقة ترقى إلى مستوى الصداقة؟ وهل المحادثات التي يتم إجراؤها عبر الإنترنت مع أصدقاء حقيقيين يعرفهم المراهق بالفعل أم مع أشخاص نشأت علاقاتهم بهم من خلال الإنترنت؟
وهل العلاقات التي نشأت عبر الإنترنت تحولت بعد ذلك إلى علاقات حقيقية؟ وتم تقييم (نظرية العقل) لكل مراهق عن طريق استخدام اختبارات تعتمد على إنجاز مهمتين: المهمة الأولى يقوم فيها المشاركون بقراءة ست قصص قصيرة وتفسير سلوك الشخصية الرئيسية في أسئلة مفتوحة، وسُمّيت هذه المهمة باسم القصص الغريبة (Strange Stories). وفي المهمة الثانية،
شاهد المشاركون ستة أفلام قصيرة وفسروا سلوك الشخصية الرئيسية في أسئلة مفتوحة أيضاً، وسُمّيت هذه المهمة باسم الأفلام الصامتة (Silent Films). وتم تقييم الإجابات تبعاً لمقياس معين، حيث تشير الدرجات الأعلى إلى قوة نظرية العقل وقدرة المراهق على إدراك دوافع البطل الحقيقية،
سواء في الأفلام أو القصص، وتشير الدرجات الأقل إلى عدم القدرة على إدراك دوافع البطل، مما يعني ضعف مهارات التواصل الاجتماعي. الإفصاح عن الذات على الإنترنت أظهرت النتائج أن المراهقين الذين تبلغ أعمارهم 15 عاماً أو أقل،
وتمكنوا من الحصول على درجات عالية في نظرية العقل في مهمة «الأفلام الصامتة»، هم الذين زادت لديهم وتيرة المحادثات عبر الإنترنت بشكل واضح، وكذلك كانوا الأكثر قدرة على الإفصاح عن الذات عبر الإنترنت والانفتاح على الآخر. ولكن،
من جهة أخرى، فقد ظهر أن الميل إلى التفاعل الاجتماعي لديهم عبر الإنترنت انخفض في المقابل، إذ إنهم فضلوا طرق التواصل الأخرى، بما فيها اللقاءات الحقيقية.
أوضحت النتائج أيضاً عدم وجود ارتباط بين الحصول على درجات عالية في نظرية العقل في مهمة القصص الغريبة وسلوكيات التواصل عبر الإنترنت لدى المراهقين، حتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل العمر والمهارات الاجتماعية. وأوضح الباحثون أن الارتباط الإيجابي الملحوظ بين الحصول على درجات كبيرة في نظرية العقل وتكرار المحادثات عبر الإنترنت يرجع إلى حقيقة أن امتلاك هذه المهارة يساعد المراهقين على توقع كيفية تلقي الآخرين لرسائلهم أثناء المحادثة بشكل أدق، ما يسهل عليهم بدء المحادثات عبر الإنترنت والاستمرار فيها.
وكما لوحظ انخفاض واضح في رغبة المراهقين الذين حصلوا على درجات أعلى في نظرية العقل في التواصل عبر الإنترنت. وقال الباحثون إن المراهقين الذين يتمتعون بـ«نظرية عقل» أقوى قد لا يستفيدون كثيراً من الخصائص التي تجعل التواصل عبر الإنترنت أسهل من التفاعل وجهاً لوجه. وتشمل هذه الخصائص عدم التزامن في الرد وإمكانية تعديل الرسائل، وقلة المؤشرات الموجودة في التفاعل الإنساني،
مثل نبرة الصوت وتعبيرات الوجه ولغة الجسد والحضور المادي، وهذه العوامل مفيدة بشكل خاص للذين يجدون صعوبة في التفاعل وجهاً لوجه. * استشاري طب الأطفال