لم تعد رحلة مريض السرطان في السودان تبدأ من عيادة الطبيب، بل من البحث عن مستشفى لم تدمره الحرب، ودواء لم ينقطع، وعلاج إشعاعي لا يزال يعمل،
فمنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، خرجت مراكز متخصصة في الخرطوم والجزيرة عن الخدمة، ودفع النزاع أعداداً متزايدة من المرضى إلى بورتسودان بحثاً عن فرصة للعلاج. وفي مركز الأورام بالمدينة،
ارتفع عدد المترددين يومياً من نحو 40 إلى 70 مريضاً، وفق بيانات وزارة الصحة، فيما تجاوز عدد المسجلين 3 آلاف، ويأتي هؤلاء من بورتسودان وولايات أخرى،
بينهم مرضى فرّوا من مناطق توقفت فيها خدمات علاج الأورام أو أصبحت مرافقها غير آمنة. ويكشف هذا التدفق حجم الفراغ الذي خلفه انهيار مراكز متخصصة، خصوصاً بعد نهب المركز القومي للأورام في مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، أحد أهم مرافق علاج السرطان في البلاد،
خلال سيطرة قوات "الدعم السريع" على الولاية، وتتجاوز الأزمة نقص الأدوية، فوزارة الصحة تحدثت عن حاجات في المختبرات والأدوية المصاحبة ونقص خدمات العلاج الإشعاعي التي تراجعت بشدة منذ الحرب، وكذلك توقفت عشرات شركات الأدوية وأكثر من 90 في المئة من مصانعها،
معظمها في الخرطوم، عن العمل، وفي مجتمع يخشى المرض حد تجنب اسمه، يصف سودانيون السرطان بـ "المرض الخبيث" و"المرض الكعب" أي السيئ،
وكأن نطق اسمه وحده يستدعي الخوف، أما الحرب فقد حولت هذا الخوف إلى معركة يومية للبقاء والعلاج. ظروف مضطربة كان مستشفى الذرة بالخرطوم، والمعهد القومي للأورام في مدني،
من المراكز الرئيسة التي اعتمد عليها مرضى السرطان في السودان قبل الحرب، في ظل محدودية المرافق المتخصصة أصلاً، لكن مع اندلاع القتال تبدلت حياة هذه المراكز ومرضاها بصورة لم تترك للطواقم الطبية سوى محاولة متابعة ما يمكن متابعته في ظروف بالغة الاضطراب. وقالت نائب مدير مستشفى الذرة في الخرطوم عبير الزبير في وقت سابق،
إن المستشفى توقف عن العمل بعد اندلاع الحرب وبعدما تحول إلى موقع عسكري، وغادره الأطباء والعاملون والكوادر الطبية، وبقيت الملفات والبيانات الطبية للمرضى داخل المستشفى، في وقت فقد كثر المكان الذي كانوا يتلقون فيه علاجهم بصورة منتظمة.
عدد كبير من المرضى كانت لهم علاقة مستقرة بمراكز وأطباء وملفات علاجية ثم وجدوا أنفسهم بعد الحرب يعيدون بناء تلك العلاقة من الصفر (مواقع التواصل) وفي مدني، كانت الصورة مختلفة في تفاصيلها، لكنها لم تكن أقل قسوة، ووصف الطبيب عادل عوض حال مرضى السرطان بعد خروج مركزي الخرطوم ومدني من الخدمة،
إذ اضطر المرضى إلى الانتقال بين ولايات عدة بحثاً عن الرعاية، فيما تفرقت الحالات بين مراكز محدودة في كسلا والقضارف وبورتسودان وكوستي ومروي وغيرها. وبالنسبة إلى الأطباء لم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير في مكان تلقي العلاج، فقد انقطعت المتابعة المنتظمة للمرضى،
وفقدت الطواقم الطبية في أحيان كثيرة القدرة على معرفة أين انتهى المطاف بمرضاها بعد النزوح، أما من تمكنوا من الوصول إلى مراكز أخرى فوصل بعضهم بعد انقطاع عن العلاج، أو بعد رحلة طويلة جعلت متابعة حالهم أكثر تعقيداً، وتقول الزبير إن توقف مستشفى "الذرة" لم يحرم المرضى من مبنى يتلقون فيه العلاج وحسب،
وإنما قطع صلة كانت تجمعهم بالأطباء وملفاتهم الطبية، وفي المقابل وجد عوض وزملاؤه أنفسهم أمام مرضى ينتقلون من ولاية إلى أخرى، بينما تتقلص قدرة المراكز والطواقم على استيعابهم ومتابعتهم بالصورة التي كانوا يحتاجون إليها. مراكز محدودة في منزل مستأجر على أطراف مدينة كسلا شرق السودان،
تحتفظ آمنة، وهي في أواخر الأربعينيات، بملف طبي اصفرت أطرافه من كثرة التنقل، واكتشفت إصابتها بسرطان الثدي قبل الحرب،
وكانت تراجع مركز الأورام في مدني بصورة منتظمة، وعندما اندلع القتال وغادرت الجزيرة، حملت معها صور الأشعة والوصفات، وتركت وراءها موعداً علاجياً لم تستطع العودة له،
ومنذ ذلك الوقت أصبحت كل جرعة مرتبطة بمكان وجودها، وما إذا كان المركز الذي تصل إليه قادراً على استقبالها. أما سارة، وهي شابة من الخرطوم،
فلم تعرف أنها مصابة بالسرطان إلا بعد الحرب، فبدأت أعراضها بآلام وإرهاق ظنتهما من آثار النزوح إلى أن وصلت إلى مركز للأورام في بورتسودان، فجاء التشخيص الذي غير حياتها، وتقول إن أصعب ما واجهته لم يكن سماع كلمة سرطان،
بل إن تبدأ رحلة العلاج، وهي لا تعرف أين ستكون بعد أسابيع. وعلى مسار آخر، كان محمد من القضارف،
يتلقى علاجه في مركز الأورام ببورتسودان قبل أن تضطره ظروف الحرب إلى الانتقال مع أسرته إلى ولاية أخرى، وظل يحاول العودة للمركز كلما استطاع، لأن العلاج بالنسبة إليه لم يكن موعداً يمكن تأجيله إلى حين استقرار الحياة. وهناك عدد كبير من المرضى كانت لهم علاقة مستقرة بمراكز وأطباء وملفات علاجية،
ثم وجدوا أنفسهم بعد الحرب يعيدون بناء تلك العلاقة من الصفر، ويشار إلى أن مرضى السرطان تفرقوا بين مدن وولايات عدة بعد توقف مراكز الخرطوم ومدني، فيما اضطرت أعداد منهم إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مراكز محدودة. جهود مقيدة بعد الاستقرار النسبي في بعض المدن بدأت عودة النازحين،
ووجدوا أنه حتى المراكز التي أعيد تشغيلها جزئياً تفتقر إلى الأدوية والمعدات، وواجهوا واقعاً أكثر تعقيداً من مجرد استعادة المرافق التي أغلقتها الحرب، فحتى المراكز التي عادت للعمل تستقبل أعداداً متزايدة من المرضى، في وقت ترتفع فيه كلفة العلاج وتتطلب خدمات الأورام إنفاقاً مستمراً على الأدوية والأجهزة والصيانة والكوادر المتخصصة،
يضاف إلى ذلك غياب سجل وطني مبني على السكان لحالات السرطان، مما يحد من قدرة الجهات الصحية على تقدير حجم المرض وتوزيع الخدمات وفق الاحتياج، فضلاً عن التعطل المتكرر لأجهزة العلاج الإشعاعي. ويقول وزير الصحة الاتحادي،
هيثم محمد إبراهيم، إن الوزارة تعمل، بالتوازي مع التوسع في خدمات الأورام، على زيادة الموازنات التسييرية المخصصة للبرنامج،
وتوسيع الخدمة خارج المراكز القائمة، وفي يونيو (حزيران) الماضي انتقلت خطة الاستعادة إلى مستوى آخر، فقد طلب مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، مجدي أحمد مفضل،
في اجتماع "مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية" في الشهر ذاته، دعماً من الوكالة لإعادة خدمات التشخيص والعلاج في المركز القومي للأورام بود مدني ومستشفى الذرة بالخرطوم وجامعة شندي، إضافة إلى إنشاء ثلاثة مراكز جديدة في المناطق الطرفية. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأعلنت الحكومة أن المرحلة الأولى من مشروع استعادة العلاج الإشعاعي في مدني اكتملت،
فيما تتواصل إجراءات توريد أجهزة التشخيص والعلاج الإشعاعي ومعالج خطي للمركز، وتسعى السلطات الصحية إلى إنشاء مركز للعلاج الإشعاعي في ولاية البحر الأحمر، بالتنسيق مع جهات داعمة ومانحين لتمويل إنشائه، لكن بالنسبة إلى المرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم،
تظل المشكلة أوسع من إنشاء مرفق جديد، فهي تتعلق بإعادة بناء سلسلة كاملة من الرعاية، تبدأ بالتشخيص وتوفير الأدوية ولا تنتهي عند العلاج الإشعاعي، في وقت لا تزال الحرب تعطل الوصول إلى هذه الخدمات وتضغط على ما بقي من قدرات علاج الأورام في السودان.
تأتي هذه الخطوات فيما تشير المتابعة إلى أن العلاج الإشعاعي في السودان لا يزال مقيداً بشدة بنقص البنية التحتية والكوادر وتأثير الحرب، مما يجعل إعادة بناء الخدمة جزءاً أساساً من أي مسار لاستعادة علاج الأورام. مستقبل العلاج لا يبدو مستقبل مراكز علاج الأورام في السودان مرهوناً بقدرة وزارة الصحة وحدها على إعادة فتح المرافق التي أغلقتها الحرب، بل بقدرتها على جذب تمويل خارجي طويل الأجل،
يحول دون أن تتحول عملية إعادة التأهيل إلى استجابة موقتة سرعان ما تتعثر، وهذا الاحتمال يكتسب وزناً أكبر في ظل ارتفاع كلفة علاج السرطان وتعقد خدماته، ولا سيما العلاج الإشعاعي الذي يحتاج إلى أجهزة باهظة الثمن، وصيانة متخصصة وكوادر مدربة.
وتوجد مؤشرات على استعداد بعض الشركاء الدوليين للمساهمة في إعادة بناء خدمات الأورام، لكن الفارق كبير بين توفير جهاز أو إعادة تأهيل مركز، وبين ضمان تشغيله بصورة منتظمة لأعوام، فالمراكز التي ستعود للخدمة ستحتاج إلى تمويل مستمر للأدوية والصيانة والتشغيل والتدريب،
وهي نفقات لا يمكن أن تغطيها مشاريع إعادة الإعمار وحدها. وتزداد صعوبة هذا المسار مع اتساع الحاجات الإنسانية في السودان وتراجع التمويل الدولي، فهناك نحو 34 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، فيما حذرت "منظمة الصحة العالمية" من أن نقص التمويل يهدد استمرار خدمات صحية أساسية في أنحاء البلاد،
ولذلك فليس من المتوقع على المدى القريب عودة سريعة لشبكة الخدمات التي كانت قائمة قبل الحرب، وإنما استعادة تدرجية لمراكز رئيسة في الخرطوم وود مدني وبورتسودان، بالتوازي مع إنشاء مراكز محدودة في الولايات الطرفية، وسيظل الفارق بين التعافي الحقيقي والتشغيل الموقت مرتبطاً بقدرة الحكومة وشركائها على تأمين تمويل لأعوام عدة،
لا مساعدات طارئة متقطعة، وإذا لم يتحقق ذلك فمن المرجح أن تبقى خدمات الأورام مركزة في عدد قليل من المدن، وأن يستمر المرضى في قطع مسافات طويلة بحثاً عن العلاج، فيما تتحول المراكز التي أعيد تأهيلها إلى مرافق تعمل بطاقة أقل من حاجتها.
أما إذا التقت إعادة الإعمار بالتمويل التشغيلي، فقد تتيح المرحلة الحالية إعادة رسم خريطة علاج السرطان في السودان على أساس أكثر توزيعاً، لئلا يبقى الوصول إلى العلاج رهناً بمدينة واحدة أو مركز واحد.