مع دخول حرب السودان عامها الرابع والتي ألقت بظلالها على قطاعات الاقتصاد السوداني، يتجدد الأمل في استعادة القطاع الزراعي موقعه والقيام بدور محوري في إعادة تشغيل الاقتصاد الوطني، بخاصة مع الجهود والمساعي لتطوير وتأهيل مشروع الجزيرة وسط البلاد، أكبر المشاريع المروية في أفريقيا المقدرة مساحته بنحو مليوني فدان.

تبذل الحكومة المركزية جهوداً لإعادة تأهيل المشروع والبنية التحتية المتضررة لاستعادة النشاط الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي، وكذلك تهيئة البيئة الملائمة لعودة المزارعين لأراضيهم واستئناف الإنتاج. ومنذ اجتياح قوات "الدعم السريع" ولاية الجزيرة في ديسمبر (كانون الأول) عام 2023، وعلى مدى 12 شهراً تالية تعرض المشروع لأضرار بالغة،

فضلاً عن حجم الدمار الذي لحق بالبنى التحتية وعمليات النهب والسلب والتخريب التي طاولت الأصول الثابتة والمتحركة والممتلكات الشخصية، وكذلك المخازن والسيارات والمصانع ومحالج القطن. توفير المتطلبات بحث اجتماع وزاري متطلبات تشغيل مشروع الجزيرة للموسم الزراعي بما يضمن انسياب عمليات الإنتاج وتحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية للمشروع، باعتباره أحد أهم المشاريع الزراعية الاستراتيجية في البلاد.

وأكدت لجنة توفير متطلبات تشغيل المشروع التي ضمت وزيري الزراعة والمالية ومحافظي مشروع الجزيرة وبنك السودان المركزي، أهمية تعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية والمؤسسات المالية والفنية ذات الصلة لتوفير الحاجات اللازمة للمشروع في التوقيت المناسب، بما يسهم في رفع الإنتاجية ودعم الأمن الغذائي وزيادة مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني. وتناول الاجتماع عدداً من المقترحات والإجراءات العملية المتعلقة بتمويل المدخلات الزراعية وتوفير الخدمات المطلوبة لإنجاح الموسم الزراعي،

واتُفق على مواصلة التنسيق والمتابعة عبر اللجنة لضمان تنفيذ المخرجات والتوصيات. في السياق أعلن محافظ مشروع الجزيرة إبراهيم مصطفى توفير مبلغ 48 مليون جنيه سوداني (11 ألف دولار) لتأهيل منظومة الري داخل المشروع و200 ألف لتر جازولين للموسم الزراعي، إضافة إلى تأمين 50 ألف طن من مدخلات إنتاج محاصيل العروة الصيفية عبر البنك الزراعي وبنك المزارع، وتوفير التقاوي المحسنة.

وأشار مصطفى إلى دخول عدد من الشركات لتمويل زراعة مساحات مقدرة لمحصول القطن، فضلاً عن مساعي لتمويل زراعة 100 ألف فدان قطن من مصرف المزارع التجاري، داعياً قطاعات المزارعين إلى الإسراع في تجهيز المساحات المستهدفة لزراعة محاصيل العروة الصيفية، وشدد على "أهمية زراعة مساحات الذرة كاملة لتأمين الغذاء للسودانيين،

وضرورة التزام الدورة الزراعية والتركيبة المحصولية". عجز المزارعين على الصعيد نفسه، انتقد المتحدث باسم "تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل" عابدين عبدالله برقاوي غياب تمثيل المزارعين في لجنة توفير متطلبات تشغيل المشروع، مشيراً إلى حل اتحاد المزارعين،

وهو الجسم النقابي الذي كان يمثلهم ويدافع عن حقوقهم ويسعى مع الدولة إلى استكمال النواقص المتعلقة بالزراعة في المشروع. تحضيرات حكومية لإعادة إحياء المشروع ​(اندبندنت عربية - حسن حامد)​​​​​​ ولفت إلى أن "هناك نحو 6 ملايين نسمة يقطنون في ولاية الجزيرة ويعتمدون بصورة كاملة على هذا المشروع، ومن ثم فإن فشل الموسم الزراعي ستكون له تداعيات خطرة على معيشة المواطنين، وسيتأثر هذا العدد من السكان على نحو كبير".

ودعا برقاوي إلى تكوين لجنة طوارئ عاجلة تحت إشراف مباشر من وزير الزراعة لحث البنوك على تسهيل إجراءات تمويل المزارعين والتدخل لدعم المدخلات. وقال "المزارعون عاجزون عن القيام بالأعمال الأولية للتحضيرات نتيجة لتفاقم أوضاعهم بسبب تداعيات الحرب، إذ نهبت ممتلكاتهم الشخصية من قبل قوات ’الدعم السريع‘، فضلاً عن مشكلات الارتفاع الكبير في أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي".

وأردف أن "تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل ناشد رئيسَي مجلس السيادة والوزراء وحكومة ولاية الجزيرة للتدخل العاجل من أجل إنقاذ الموسم الزراعي عبر تشكيل لجنة طوارئ تتمتع بصلاحيات وإمكانات واسعة لمعالجة المشكلات التي تواجه المشروع، لأننا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التدخل عاجلاً أو خروج مشروع الجزيرة من دائرة الإنتاج بصورة شبه نهائية". شراكات دولية  على نحو متصل،

أجرى وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم محادثات مع عدد من مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية حول تمويل الموسم الزراعي، في خطوة تستهدف تعزيز الأمن الغذائي ودعم الإنتاج الزراعي في البلاد. وناقش الاجتماع الذي ترأسه إبراهيم في بورتسودان سبل توفير التمويل العاجل لمدخلات الإنتاج الزراعي، بما يشمل التقاوي المحسنة والأسمدة والوقود والمبيدات،

مع التركيز على المحاصيل الغذائية الاستراتيجية، وفي مقدمتها الذرة والدخن. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأثنى وزير المالية السوداني على الدعم المتواصل الذي يقدمه بنك التنمية الأفريقي في مختلف القطاعات التنموية، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تتطلب توفير دعم عاجل لتأمين حاجات الموسم الزراعي وضمان استدامة الأمن الغذائي.

من جانبه جدد بنك التنمية الأفريقي التزامه مواصلة دعم مشاريع الأمن الغذائي والتنمية الزراعية في السودان بالتنسيق مع شركاء التنمية. عقبات وتحديات في سياق متصل، يرى الباحث المتخصص في النشاط الزراعي فرح الرضى أن "محدودية قدرة الدولة على الاستجابة المنفردة في ظل ضيق الموارد وتآكل المؤسسات تجعل من الصعوبة تنفيذ خطوة النهوض بمشروع الجزيرة، ومن ثم فإن الحل يكمن في تفعيل الشراكات الدولية حتى يستعيد القطاع الزراعي عافيته".

وحذر الباحث الزراعي من "المبالغة في التفاؤل، بخاصة مع غياب الإطار المؤسسي والقدرة على استيعاب الدعم الدولي وتوجيهه بفاعلية لأن الحلول الأحادية مثل المساعدات الطارئة أو الدعم الموقت لا تكفي لتأهيل أكبر المشاريع المروية بأفريقيا المقدرة مساحته بنحو مليوني فدان".  ويعتقد الرضى بأن "المنظمات الدولية تنتظر من حكومة السودان تعاطياً مؤسسياً إيجابياً يترجم إلى تقدير لدورها كشريك تنموي، وليس كجهة إغاثية موقتة،

لأن هذا التقدير يسهم في تسريع الإجراءات وبناء الثقة، وهي عنصر حاسم لعمل المنظمات بفاعلية، فكلما تعززت الثقة زادت قابلية المنظمات لتوسيع برامجها وضخ تمويلات أكبر انطلاقاً من قناعة بأن الحكومة شريك في التخطيط والتنفيذ". خطوة مهمة على صعيد متصل قال الباحث الاقتصادي محمد الناير إن "الاجتماع الوزاري ضم كل الأجهزة المختصة التي يمكن أن تدعم مشروع الجزيرة دعماً كاملاً،

وفي تقديري هذه الخطوة في مصلحة المشروع، وستكون هناك توجيهات لتوفير التمويل للعمليات الزراعية في مراحلها المختلفة". مشروع الجزيرة عمره يزيد عن قرن ​(اندبندنت عربية - حسن حامد)​​​​​​​​​​​​ وأضاف أن "هذه خطوة مهمة، لكن ينبغي أن تكون هناك قرارات تُنفذ على أرض الواقع،

من بينها توجيه البنوك لتوفير التمويل اللازم بخاصة بنك السودان المركزي، إضافة إلى حل أزمة البذور والأسمدة، ولا سيما مع التعقيدات الحالية نتيجة استمرار الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز". وشدد الناير على "ضرورة تكوين لجنة متابعة لتنفيذ القرارات والتوصيات حتى تتم الاستفادة من مشروع الجزيرة بصورة كبيرة لتحقيق الاكتفاء الذاتي للأمن الغذائي في السودان،

وكذلك إدخال القطاع الحيواني في المشروع لزيادة معدلات الإنتاج الحيواني، علاوة على زيادة حجم الصادرات". قاطرة الاقتصاد يقع مشروع الجزيرة الذي يُعد قاطرة الاقتصاد السوداني في السهل الطيني وسط البلاد بين النيلين الأزرق والأبيض، ممتداً من ولاية سنار وحتى جنوب الخرطوم،

ويصنف كأكبر مشروع مروي في أفريقيا وأكبر مزرعة في العالم ذات إدارة واحدة. وأنشأت الإدارة البريطانية المشروع عام 1925، لمدّ المصانع البريطانية بحاجتها من خام القطن الذي شكل العمود الفقري لاقتصاد السودان ما بعد الاستقلال. وظل مشروع الجزيرة منذ نحو قرن من الزمن المصدر الرئيس لتوفير العملات الصعبة لخزانة الدولة عبر زراعة القطن،

لكن مع تقلص مساحاته فقد السودان أسواقه العالمية لتصدير المحصول، ومن الآثار التي جرى رصدها أنه ترافق مع انهيار في كثير من المرافق الحيوية في ولاية الجزيرة التي يقطنها نحو 5 ملايين نسمة، خصوصاً الصناعات التحويلية والحركة التجارية.