على مدى سبعة عقود، عصفت بالسودان صراعات مسلحة خلفت عواقب وخيمة أثرت في تطوره السياسي، وهددت بتفكك الدولة السودانية، كذلك ألحقت أضراراً بمجالات التنمية وبالتركيبة الاجتماعية.
كل ذلك أدى إلى نشوء حالات مزمنة من اللجوء والنزوح، صنفت الحالية منها كواحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. وتشابكت هذه القضايا المتجذرة مع الهوية السودانية، وتحولت إلى صراعات أعنف بمطالب مختلفة،
بدءاً من الدعوة لإعادة هيكلة الدولة ووصولاً إلى السعي لتأسيس دول أو كيانات منفصلة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الحرب الأهلية في جنوب السودان، التي انتهت بانفصال الإقليم عام 2011، والصراع في دارفور منذ عام 2003،
وأخيراً الحرب الدائرة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023. وقد ثار الجدل حول مفهوم "دولة 56" في أوقات مختلفة، ففي البداية كان نقاشاً سياسياً دار بين النخب حول جذور الأزمة السودانية المستعصية، حين عزاها البعض إلى شرعية وهيكلية الدولة السودانية التي أُسست عند نيل الاستقلال عام 1956.
غير أنه منذ اندلاع الحرب الأخيرة طغى نقاش تغذيه شعارات يرددها قادة "الدعم السريع" وذراعه السياسية تحالف "تأسيس"، وزعماء الحركات المسلحة، غالباً من دون إدراك كامل لجذورها أو دلالاتها، وقد انتقلت هذه المفاهيم،
بما في ذلك شعار "السودان الجديد"، من أدبيات "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، إلى الحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وهي مناطق عانت طويلاً التهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي القائم على أسس إثنية.
ومع أن الحرب الأخيرة، على عكس الحروب الأهلية السابقة، انتقل فيها الصراع من الهامش إلى مركز السلطة في الخرطوم، وإلى ولاية الجزيرة وسط البلاد،
أساس النهضة الاقتصادية حيث مشروع الجزيرة الذي يعد شريان اقتصاد السودان، فإن قوات "الدعم السريع"، استثمرت هذه المفاهيم في تبرير العنف، وذلك قبل أن تمتد الحرب غرباً إلى كردفان ودارفور وجنوباً إلى جنوب كردفان متجهة إلى الجنوب الشرقي نحو ولاية النيل الأزرق.
إرث الدولة قال المؤرخ المتخصص في تاريخ السودان، أحمد إبراهيم أبو شوك، إن مصطلح "دولة 56" يرتبط تاريخياً بخطاب "السودان الجديد" الذي طرحته "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، وقد عاد هذا المصطلح للظهور بقوة في أوساط الفصائل السياسية والمقاتلين عقب اندلاع حرب أبريل،
ليصبح رمزاً للمطالبة بقطع الصلة بـ"الدولة القديمة" وإعادة تأسيس الوطن على أسس جديدة. ولفت أبو شوك إلى أن هذا التوصيف كان مضمناً في البيان التأسيسي لـ"الحركة الشعبية"، التي روجت لمشروع "السودان الجديد"، وهي رؤية تستند إلى مبادئ الحرية والعدالة والمساواة،
وتهدف إلى تحقيق وحدة طوعية، وبناء دولة ديمقراطية علمانية، وإنهاء التهميش بصوره المختلفة، العرقية والدينية والاقتصادية والمناطقية والجندرية.
وأوضح أن هذا النمط كان مناقضاً لـ"دولة السودان القديمة" المشار إليها بـ"دولة 56"، التي هيمنت عليها أقلية نخبوية من شمال السودان، عرفت باسم "الجلابة"، واحتكرت السلطة والثروة.
وقد تعززت هذه الهيمنة بفضل الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية التي حظيت بها تلك النخبة خلال حقبة الدولة الاستعمارية الحديثة (1898-1956) والحكومات الوطنية المتعاقبة، فضلاً عن الآثار السلبية المستمرة لإرث الرق. تقف بعض القوى السياسية والحركات المسلحة وقوات "الدعم السريع" في ضفة واحدة محاولة الترويج إلى أن الدولة السودانية بعد 1956 تمثل امتداداً للاستعمار (الأمم المتحدة) كذلك يشير أبو شوك إلى أن إرث تشكل الدولة السودانية الحديثة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتركيبتها السكانية المتنوعة عرقياً ودينياً وثقافياً واقتصادياً، إذ ترسخت أنماط التفاوت بفعل سياسات الحكومة الاستعمارية،
التي ركزت مشاريعها الاقتصادية وتنمية الموارد البشرية الداعمة لها في المناطق ذات الري المستدام ما عرف بـ"مثلث حمدي" نظراً إلى جدواها الاقتصادية الأعلى مقارنة بمناطق الزراعة المطرية والرعي. وأيضاً بسبب العوائق الهيكلية التي فرضتها السلطة الاستعمارية، ومن بينها سياسة "المناطق المقفولة" وأنشطة المنظمات التبشيرية المسيحية التي سمح لها بالعمل في المناطق ذات الغالبية غير المسلمة. ونتيجة ذلك،
برزت طبقة اجتماعية مارست نفوذاً كبيراً على عملية صنع القرار المركزي، مستفيدة من مشاريع التنمية الاستعمارية التي لم تكن متاحة في الأقاليم الأقل حظاً من ناحية التحديث. ومع رحيل القوة الاستعمارية، كانت هذه النخبة،
التي تركزت حول النيل، في وضع أفضل لشغل المناصب الرئيسة في الدولة، كذلك نجح جزء منها في ترسيخ مكانة اقتصادية متفوقة مقارنة بالمجموعات الاجتماعية في المناطق الطرفية. اتهام المركز تقف بعض القوى السياسية والحركات المسلحة وقوات "الدعم السريع" في ضفة واحدة،
محاولة الترويج إلى أن الدولة السودانية بعد 1956 تمثل امتداداً بصيغة أخرى للاستعمار، لأنها، حسب رؤيتهم، خضعت لهيمنة نخب مركزية احتكرت السلطة والثروة وأبقت على الهياكل الإدارية والاقتصادية القائمة على الاستغلال.
وعلى رأس أجنداتهم، يأتي القضاء على التهميش، إذ تتهم هذه الأطراف المركز، وتحديداً الخرطوم والشريط النيلي،
بتهميش الأقاليم الطرفية مثل دارفور وكردفان والشرق وجنوب السودان سابقاً. وتستند إلى العوامل التاريخية والاقتصادية والسياسية والعرقية ذاتها، التي أججت الصراعات السابقة، بأن لها دوراً في الصراع الحالي.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب أكرم البكري، في كتابه "دولة 56 وهيمنة النخب السودانية"، أن الدولة السودانية واجهت أزمة مستمرة منذ نشأتها،
وقد نبعت هذه الأزمة من توتر بنيوي بين مشروع قومي يقوم على هوية أحادية، وواقع اجتماعي وثقافي وعرقي يتسم بتنوع وتعقيد هائلين. ويرى أن النخب الحاكمة سعت إلى بناء هوية وطنية ترتكز على ثلاثية، العروبة والإسلام والمركز المرتبط بوادي النيل،
متجاهلة بذلك الخصوصيات المحلية للمجتمعات المهمشة التي تنتشر عبر مساحات جغرافية وثقافية واسعة. ولم تعمل النخبة التي تولت السلطة بعد الاستقلال وفق مشروع وطني شامل، بل أعادت إنتاج أنماط الهيمنة الاستعمارية، المتسمة بالمركزية السياسية والثقافية والاقتصادية،
وعمقت التراتبية بين المركز والأطراف. وقال الكاتب، بدلاً من تأسيس الدولة الوطنية على قاعدة الاعتراف بالتنوع العرقي والديني والثقافي الذي يميز السودان، فرضت رؤية نخبوية للقومية العربية الإسلامية،
إذ أسقطت قسراً على واقع تعددي، مما أدى إلى تهميش قطاعات واسعة من المجتمع. وأضاف البكري أن المشكلة الجوهرية لم تكن تكمن في غياب الرؤية القومية، بل في طبيعة تلك الرؤية والمصالح التي كانت تمثلها.
لم تكن النزعة القومية التي روجت لها النخبة مشروعاً وطنياً حقيقياً، بل أداة أيديولوجية للهيمنة، ونتيجة لذلك، أصبح اندلاع الصراعات واتساع الشرخين الإقليمي والعرقي أمرين حتميين،
وهي عوامل صاغت لاحقاً مسار بناء الدولة وتكرار الأزمات الهيكلية. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) اختزال الأزمة في المقابل، يدافع تيار واسع من المثقفين والمؤسسات الوطنية عن الرمزية التاريخية لعام 1956 كونه اللحظة التي ولدت فيها الدولة السودانية وسيادتها، إذ يرى المؤيدون أن "دولة 56" تمثل لحظة التحرر الوطني وبداية تأسيس دولة مدنية ديمقراطية برلمانية،
ويجادلون بأن الهجمات الموجهة ضدها تستهدف كيان الدولة السودانية ذاته ومؤسساتها الشرعية. وتستند هذه المجموعة إلى حقائق تاريخية حول الطابع الشامل لعملية تأسيس الدولة، مشيرة إلى أن مقترح الاستقلال قدم في البرلمان بواسطة النائب عبدالرحمن دبكة من نيالا، في ولاية دارفور وأيده النائب مشاور جمعة سهل من ولاية كردفان،
مما يبرهن أن الأقاليم لم تكن مستبعدة من عملية التأسيس، كذلك يجادلون بأن النخب القادمة من الأقاليم والمناطق الهامشية قد شاركت بفاعلية في الأنظمة والحكومات المتعاقبة على مدى ثلثي قرن، لذا فإن جميع الأطراف تتحمل عبء الإخفاقات السياسية، ولا يمكن اختزال الأزمة في كيان واحد،
فالمسؤولية مشتركة، ولا أساس للادعاءات القائلة بوجود "تهميش مطلق". يرى الأمين العام للتجمع الاتحادي، قريب الله السماني،
أن دولة ما بعد الاستقلال لم تكن مثالية، ولم يكن قادتها "ملائكة"، فقد شابتها مظالم واختلالات في مجالي التنمية والتمثيل، وارتكبت فيها أخطاء جسيمة في التعامل مع قضية الجنوب ومطلب الفيدرالية،
وفشلت في سن دستور دائم، كذلك عانت صراعات حزبية ضيقة الأفق، ومع ذلك فإن الإقرار بذلك شيء، والادعاء بأن الدولة التي ولدت عام 1956 كانت في جوهرها دولة عنصرية صممت لإخضاع بقية أنحاء السودان،
شيء آخر تماماً. ويقول السماني إن سردية "دولة 1956" تعود أهم جذورها السياسية والفكرية إلى "الكتاب الأسود"، وهي وثيقة صدرت عن أوساط إسلامية ضمت أفراداً عايشوا "الحركة الإسلامية" من الداخل قبل أن ينشقوا عنها. وارتبط الكتاب لدى كثر بزعيم "حركة العدل والمساواة" السابق،
خليل إبراهيم، الذي لقى حتفه في غارة جوية استهدفت معسكره في ولاية شمال كردفان عام 2011. ويحذر قادة سياسيون وحركات مسلحة، منهم حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي،
من أن شعار رفض وتفكيك "دولة 56" يشكل غطاءً سياسياً قد يؤدي إلى تقويض الوجود القانوني للبلاد، وزوالها وإلغاء الحقوق التاريخية في الأراضي (الحواكير)، وتهديد السلم الاجتماعي، مشدداً على أن "دولة 56" تمثل تاريخ تأسيس الدولة السودانية،
ولفت إلى أن أي أطراف تسعى إلى تقسيم السودان أو تفتيته تحت ذريعة رفض هذا المفهوم إنما تهدد وجود الوطن ووحدته. منطقة وسطى هناك تيار يقف في منطقة وسطى بين منتقدي إرث الاستقلال والمدافعين عنه في رمزيته "دولة 56"، فهو لا يرى الأزمة السودانية مجرد أزمة حكم أو هوية، بل يعدها في جوهرها أزمة رؤية.
من هؤلاء الكاتب الجنوبي فرانسيس دينغ الذي بدا موقفه جلياً في روايته "طائر الشؤم"، وعلى رغم أنه تناول فيها أزمة الهوية السودانية المعقدة، والتداخل بين الشمال والجنوب، وجذور التعددية الثقافية والسياسية،
فإنه كان يرى أن السودان أخفق في إدراك التنوع بوصفه مصدراً للثراء الوطني، إذ عد هذا التنوع بدلاً من ذلك تهديداً لوحدة الدولة، وهو نهج أفضى إلى تبني سياسات الاحتواء والقمع عوضاً عن سياسات الاعتراف والدمج. من جانبه يشير الكاتب شمس الدين ضو البيت إلى أن حال "التحسس" أو الانزعاج المرتبطة بمصطلح "دولة 56" تنبع من تصور مفاده أن انتقاد هذا المصطلح يعادل انتقاد الآباء المؤسسين،
أولئك الذين رفعوا راية الاستقلال أو نادوا بشعار "السودان للسودانيين"، كون "دولة 56" هي ذاتها الدولة التي أرسوا دعائمها. وفي الواقع، كان هؤلاء الآباء المؤسسون جزءاً من حركة التحرر الوطني التي اجتاحت الأراضي المستعمرة في القرن الـ20،
وقد تركز جهدهم الأساس على طرد المستعمر، وهو ما تبلور في شعار "التحرير لا التنمية"، وهي مهمة أنجزوها بنجاح. ويرى ضو البيت أن الاستقلال والتنمية كانتا مسألتين منفصلتين غالباً ما خضعتا لقوى خارجة عن إرادتهم،
وتقع مسؤولية هذين الجانبين أيضاً على عاتق من خلفوهم في السلطة، وأن النقاش حول "دولة 56" في هذا السياق يتمحور حول مسار الأمة عقب رحيل المستعمر ورفع علم الاستقلال، وتحديداً ما أنجز على صعيد بناء الدولة والتنمية، وما ظل معلقاً من دون تحقيق.
ويعتقد شمس الدين أن مجتمع المفكرين السياسيين ونشطاء المجتمع المدني لا ينبغي لهم التخلي عن مصطلحات خطابهم لمجرد أن أطرافاً أخرى قد تبنتها، بل ينبغي التمسك بهذه المصطلحات وما تحمله من دلالات مدنية، إذ من الضروري الحيلولة دون "تسييسها" حزبياً أو "تسفيه" مضامينها، والتحذير من إساءة استخدامها كأسلحة في الصراعات الحزبية،
أو كأدوات لتصنيف الناس وممارسة التنمر عليهم، أو كوسائل تحول اللغة إلى إسفين يمزق وحدة الشعب السوداني بدلاً من أن تكون جسراً للتواصل في ما بينهم.