منصور آدم، واحد من آلاف السودانيين في ليبيا الذين يرون أن خيار العودة للبلاد طوق نجاة لتجنب الأوضاع الإنسانية والأمنية القاسية التي يعيشونها في المدن والبلدات الليبية التي وصلوا إليها عقب اندلاع الحرب في منتصف أبريل (نيسان) 2023. وأضاف آدم "بعد أن وصلت إلى ليبيا برفقة أسرتي المكونة من خمسة أفراد عبر الطريق الصحراوي بصورة غير شرعية بحثاً عن الأمان وسبل العيش، إلا أني لم أحصل على ما تمنيته،

فضلاً عن سوء المعاملة والملاحقات الأمنية التي تستهدف السودانيين، والمطالبة المستمرة في إبراز جواز سفر يشترط أن يكون سارياً مع علمهم بأن معظم اللاجئين الذين اتخذوا ليبيا وجهتهم كانت من طرق الهجرة غير المنظمة". وتابع المتحدث "هذه الانتهاكات كان من الصعب تحملها، مما دفعني لاتخاذ قرار العودة بخاصة بعد توقف الحرب في العاصمة الخرطوم،

وبالفعل جمعنا أمتعتنا للمغادرة، لكن لم أتوقع أن ينتهي بنا الحال عند بوابة سرت، التي تشهد تكدس عشرات العالقين الذين غادروا غرب ليبيا من بينهم أطفال، إذ وجدنا أنفسنا عالقين في منطقة خلوية نعاني أقسى الظروف الإنسانية بعد إنزالنا من المركبات ومنعنا من مواصلة الطريق نحو شرق ليبيا بينها أجدابيا وبنغازي والكفرة تمهيداً للعبور من دون توضيح الأسباب".

وزاد في القول "غادرت طرابلس بعد تصاعد عمليات التضييق وحملات الاعتقال غير المبررة متجهاً إلى السودان عبر طبرق ومن ثم إلى مدينة دنقلا، إلا أن سلطات بوابة سرت منعتنا من العبور مع إكمالي جميع الإجراءات الإدارية والصحية في بوابة قرين بمدينة مصراته قبل دخولي سرت، لكن السلطات الأمنية أخبرتنا إصدار قرارات تمنع مرور الأجانب من غرب ليبيا إلى شرقها، وطالبتنا بالعودة إلى المناطق التي أتينا منها".

وأشار آدم إلى أن "رحلة العودة للسودان تحولت إلى أزمة مفتوحة بعد أن أصبحنا بلا مأوى أو خدمات أساسية أبرزها المياه وخبز يسد الرمق، إذ لجأنا في ظل هذه الظروف إلى سائقي الشاحنات التجارية والحافلات السفرية وبعض المتطوعين لتزويدنا بقليل من المأكولات في ظل غياب حلول رسمية وصمت مطبق تجاه أوضاعنا". معاناة متفاقمة أما المواطن السوداني العالق في ليبيا عبد الباقي حماد يرى أن "الهرب من ويلات الصراع في السودان إلى دولة ليبيا المجاورة كان بمثابة معاناة حقيقية منذ التفكير في المغادرة وحتى وصولنا إليها، إذ إن المعاناة تتفاقم بتضييق الخناق على المقيمين حالياً الذين كانوا يرغبون في توفيق أوضاعهم للعيش فيها بصورة لائقة".

وأردف حماد "اليوم أصبحت مصمماً على العودة إلى السودان بأي شكل مهما كانت قسوة الحياة لكنها ستكون أفضل من العيش في ليبيا، إذ نواجه صعوبة بالغة في توفيق أوضاعنا المعيشية، فضلاً عن عدم توافر فرص العمل، وإن وجدت فإن عائدها المادي غير مجزٍ،

إلى جانب الإذلال والإيقاف والمطاردات من الجهات الأمنية هناك". يأمل الآلاف من النازحين في العودة إلى بلادهم (أ ف ب) ولفت النازح السوداني إلى أن "عشرات العائدين عالقين الآن في صحراء قاحلة يعانون العطش والجوع، ومعنا أطفال نعجز في ظل هذه الأزمة عن إنقاذهم من شبح الموت، خصوصاً لنا أكثر من أسبوعين متتاليين عالقون،

إذ لم نكن مستعدين لمجابهة هذا الوضع، بينما تستخدم النساء الثياب لإنشاء خيم توفر الظل في ظل غياب أماكن لقضاء الحاجة أو الاستحمام". وطالب العالق السوداني في ختام حديثه المنظمات الإنسانية الدولية التدخل العاجل لتأمين عودة هؤلاء العالقين في الصحراء بالتنسيق مع السلطات الليبية في شرق البلاد وغربها". مقبرة للعالقين في المنحى ذاته،

أوضح الناشط في العمل الإنساني الموجود حالياً في ليبيا فضل عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية أن "طالبي اللجوء في غرب ليبيا بخاصة السودانيين وصلوا إلى قناعة أكيدة بضرورة مغادرتها إلى بلادهم، وهم الآن يتوافدون إلى بوابة سرت باعتبارها منفذاً للمرور في ظل استغلالهم من سائقي المركبات بقولهم إن الطريق مفتوح، وحين وصولهم يصطدمون بواقع أكثر قسوة بتركهم في منطقة تنعدم فيها الحياة الطبيعية، حيث يفترشون العراء على جانب الطريق،

ومن المحتمل في ظل هذا الواقع أن تصبح بوابة سرت مقبرة للسودانيين العالقين". وواصل "المسار المعروف عبر مدينة الكفرة شرقاً كان يسمح بعبور السودانيين من خلاله بعد استكمال الإجراءات الرسمية، لكن بات جلياً ثمة خلافات في الشأن الداخلي للبلاد بين الحكومتين، ما أدى إلى إغلاق المعابر بشكل نهائي ومنع السودانيين من المرور".

ولفت إلى أن "الحركة مستمرة نحو شرق ليبيا، لكنها تتوقف عند بوابة سرت وأصبح هناك مئات الأسر عالقة لأكثر من 10 أيام في أوضاع إنسانية بالغة التعقيد، فمواقع التواصل الاجتماعي تضج بمقاطع مصورة يجرى تداولها على نطاق واسع لعشرات الرجال والنساء والأطفال ومناشداتهم المستمرة للحصول على الماء والطعام وإجلائهم، لكن لا حياة لمن تنادي".

وأشار إلى أنه "من المؤسف أن طلبات الإجلاء بواسطة الهلال الأحمر قوبلت بالرفض، على رغم نداءات الاستغاثة المتكررة في إنقاذهم، إذ إن السلطات في ليبيا باتت تشترط حيازة جوازات سارية، وهذا الشرط يعتبر تعجيزياً،

فضلاً عن أن القرار سارٍ حتى اليوم، ومعلوم أن ليبيا سمحت بدخول السودانيين بسبب اندلاع الحرب في بلادهم، وعلى علم بأن معظم الذين لجأوا إليها لا يملكون جوازات، وكان دخولهم عبر طرق الهجرة غير شرعية".

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ومضى الناشط في العمل التطوعي قائلاً "الأمر أصبح يتطلب تدخلاً رسمياً لحل هذه الأزمة المفتعلة، والسماح للراغبين في العودة إلى السودان بالخروج الآمن مع حصر لأماكن العالقين وإجلائهم، إذ إن غياب الحلول العاجلة سيجعل المشكلة أكثر تعقيداً ويصعب حلها". نداءات إستغاثة وتزامناً مع استمرار تعثر العالقين عند بوابة سرت وعدم وجود حل في توفيق أوضاعهم،

أصدرت جهات تمثل الجالية السودانية بياناً أعربت فيه عن بالغ قلقهم واستنكارهم إزاء أوضاع العائدين إلى السودان. وبحسب البيان، فإن العالقين أوقفوا في مناطق صحراوية وسط غياب معلومات واضحة عن مصيرهم ووضعهم الإنساني، إذ إنهم كانوا في طريق العودة إلى السودان بعد سنوات من اللجوء والمعاناة،

إلا أنه منعوا من مواصلة الرحلة في ظل ارتفاع درجات الحرارة ونقص حاد للخدمات في هذه المناطق القاحلة، إلى جانب صعوبة التواصل مع بعضهم، من دون معرفة حقيقة ما يجري وأسباب منعهم مغادرة الأراضي الليبية. وطالب البيان السفارة السودانية في ليبيا والجهات المختصة بالتحرك العاجل للوقوف على أوضاع المواطنين السودانيين العالقين،

والعمل على ضمان سلامتهم وتأمين عودتهم إلى السودان، معتبراً أن الصمت يزيد من قلق ومخاوف الأسر ويضاعف معاناتهم. وتشير تقديرات منظمة الهجرة الدولية إلى أن عدد اللاجئين السودانيين في ليبيا بلغ نحو 125 ألفاً و363 مهاجراً، من بينهم نحو 6000 وصلوا منذ بدء النزاع،

بينما أشارت أرقام أخرى إلى تسجيل دخول 31 ألف مهاجر سوداني حتى نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، عبر رحلات خطرة بواسطة مهربين يتواجدون بين الحدود السودانية الليبية ويواجهون خطر الموت عطشاً أو الضياع في الصحراء. ويأمل الآلاف في العودة إلى بلادهم عقب إعلان السفارة السودانية إطلاق برامج العودة الطوعية، ما يتيح للمواطنين العودة الآمنة متضمنة تأشيرة الخروج والترحيل إلى جميع الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش داخل السودان،

إلا أن ثمة عقبات تقف في مواجهتهم، بخاصة العائدين من غرب ليبيا أبرزها الإيقاف عند بوابة سرت.