منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، اتخذ الصراع بُعداً جديداً يتجاوز خطوط التماس العسكرية ليشمل خرائط الوصول الإنساني ومسارات الإغاثة. فبعد خرق الهدن المتعاقبة التي رعتها جهات إقليمية ودولية، ظهرت سلطة جديدة تستمد قوتها من السيطرة على منح أو منع حق وصول المدنيين إلى المناطق الآمنة،

وتوفير ممرات لإيصال المساعدات.إدارة العمل الإنساني كأداة نفوذمع دخول الحرب عامها الرابع، تجاوزت الأزمة الإنسانية حدود كونها واحدة من أكبر كوارث النزوح والجوع في العالم، لتتحول تدريجياً إلى أزمة حوكمة إنسانية. يتنافس طرفا النزاع على إدارة الفضاء الإنساني باعتباره مصدراً رئيسياً للنفوذ في زمن النزاعات،

دون أن يغير ذلك من حقيقة أن الجيش والحكومة يمثلان المؤسسة الرسمية للدولة والمعترف بها دولياً.في منتصف أبريل الماضي، أصدرت قوات الدعم السريع تعميماً عبر "الهيئة الوطنية للوصول الإنساني"، اشترطت فيه إعادة تسجيل المنظمات الوطنية والدولية ووكالات الأمم المتحدة العاملة في مناطق سيطرتها. لم يتأخر رد الحكومة السودانية،

إذ سارعت مفوضية العون الإنساني إلى تحذير المنظمات من التعامل مع الجهة الجديدة، في مشهد يعكس انتقال الصراع من الميدان العسكري إلى البنية المؤسسية المنظمة لتدفق المساعدات.تحولات ميدانية وانعكاساتها الإنسانيةيتصل هذا التطور بالتحولات الميدانية التي أعقبت اتساع سيطرة قوات الدعم السريع على معظم إقليم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، وما ترتب عليها من موجات نزوح جديدة وتغير في خرائط السيطرة ومسارات الإمداد الإنساني. في النزاعات المعاصرة،

لا تقتصر السيطرة على امتلاك الأرض، بل تمتد إلى التحكم في المعابر والطرق وسلاسل الإغاثة، وبالتالي في قدرة السكان على البقاء.بدأت ملامح الانقسام في إدارة العمل الإنساني بالظهور بعد أشهر قليلة من اندلاع الحرب. ففي أغسطس 2023،

أصدر قائد قوات الدعم السريع مرسوماً بإنشاء "الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية" (سارهو)، لتتولى تنسيق عمليات الإغاثة وإصدار التصاريح للمنظمات العاملة في المناطق الواقعة تحت سيطرة قواته. جاءت هذه الخطوة في ظل فراغ إداري متزايد في أجزاء واسعة من دارفور وكردفان والخرطوم، حيث أصبحت المنظمات في حاجة إلى جهة محلية للتعامل معها.

لكن إنشاء الوكالة حمل بعداً سياسياً يتجاوز الجوانب الإجرائية، إذ أوجد جسماً موازياً لمفوضية العون الإنساني الحكومية.مع اتساع الحرب، تجاوز دور "سارهو" التنسيق اللوجيستي إلى تنظيم العلاقة بين المنظمات الإنسانية وقوات الدعم السريع. لكن هذا الدور أثار انتقادات متزايدة،

لا سيما بعد تقارير أكدت أن العاملين في المجال الإنساني ما زالوا يواجهون قيوداً بيروقراطية وتدخلات تشغيلية تعوق وصول المساعدات، رغم التعهدات المتكررة بتسهيل عملهم. أعادت هذه الملاحظات طرح إشكالية التوازن بين التنسيق مع طرفي النزاع لضمان الوصول إلى المدنيين، والحفاظ على استقلالية العمل الإنساني وحياده.في سبتمبر الماضي،

أنشأ تحالف "تأسيس" التابع لقوات الدعم السريع "الهيئة الوطنية للوصول الإنساني"، لتصبح الجهة المختصة بتنظيم نشاط المنظمات في المناطق الخاضعة لسيطرتها. لم يكن هذا مجرد تغيير إداري، بل عكس انتقال إدارة الملف الإنساني إلى مستوى مؤسسي أكثر ارتباطاً بالمشروع السياسي للقوات،

في ظل سعيها لبناء أجهزة تضطلع بوظائف الدولة داخل نطاق سيطرتها.تعزز هذا التوجه مع سعي "سارهو" إلى توسيع حضورها خارج السودان. في يونيو الجاري، شاركت الوكالة في مؤتمر ومعرض "إيدكس" في نيروبي، أحد أبرز المحافل الدولية المتخصصة في المساعدات الإنسانية والتنمية في أفريقيا،

وقدمت نفسها كمنظمة إنسانية مستقلة. أثارت هذه المشاركة نقاشاً حول الكيفية التي ينبغي أن تنخرط بها المنظمات الدولية مع المؤسسات التي تنشئها قوات شبه عسكرية، والحدود الفاصلة بين التواصل التشغيلي الضروري وما قد يُفسر كاعتراف عملي بتلك المؤسسات.أبعاد قانونية وسياسية ومعضلات تشغيليةمع استمرار الحكومة في إدارة العمل الإنساني، تواجه المنظمات إشكالية العمل عبر مناطق تفرض فيها قوات الدعم السريع سيطرتها،

ما يفرض متطلبات تنظيمية خاصة. أصبحت قرارات تبدو إدارية، مثل التسجيل أو استخراج التصاريح أو تبادل المعلومات التشغيلية، تحمل أبعاداً قانونية وسياسية قد تؤثر مباشرة في قدرة المنظمات على مواصلة تقديم المساعدات.تبرز هذه المعضلة بصورة أكبر لدى المنظمات الوطنية التي تنفذ برامجها على جانبي خطوط القتال،

وتعتمد على شبكات محلية من الموظفين والمتطوعين. تشير إفادات عاملين في المجال الإنساني إلى أن عدداً من المنظمات أعاد تقييم انتشاره الميداني، وراجع حركة موظفيه، وقلص الظهور العلني لأنشطته،

فيما فضلت مؤسسات أخرى الامتناع عن الإدلاء بأي مواقف خشية انعكاسها على سلامة كوادرها أو استمرار عملياتها.تتقاطع هذه المخاوف مع ما وثقته الأمم المتحدة بصورة متكررة بشأن البيئة التشغيلية داخل مناطق سيطرة الدعم السريع: تأخير في التصاريح وقيود بيروقراطية وتدخل في تنفيذ العمليات، رغم التعهدات بتيسير الوصول الإنساني. كما حذرت الأمم المتحدة وشركاء الإغاثة من أن استمرار استهداف العاملين الإنسانيين ونهب المستودعات والقوافل، لا سيما في دارفور،

أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من العمليات الإغاثية في مناطق شديدة الاحتياج، في وقت يعاني فيه أكثر من نصف سكان السودان من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، وتواجه ولايات دارفور وكردفان بؤراً مؤكدة أو مهددة بالمجاعة.في ظل هذا الوضع، لم تعد المنظمات تواجه معضلة الوصول إلى المدنيين فحسب،

بل أصبحت مطالبة بالحفاظ على حيادها وموثوقيتها التشغيلية في بيئة تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع اعتبارات السيطرة العسكرية والسلطة الإدارية. تجري مشاورات مستمرة بين وكالات الأمم المتحدة والجهات المانحة والمنظمات الدولية لتوحيد المواقف إزاء ترتيبات الوصول الإنساني، خشية أن يؤدي أي تعامل إداري مع المؤسسات التي أنشأتها قوات الدعم السريع إلى إضعاف الموقف المشترك الذي تحاول المنظومة الإنسانية الحفاظ عليه، فيما يبقى ملايين السودانيين معتمدين بالكامل على استمرار تدفق المساعدات المنقذة للحياة.آثار القرارات على المنظمات المحلية والمبادرات المجتمعيةتمتد آثار قرارات التسجيل التي فرضتها الدعم السريع إلى ما هو أبعد من البعد الإداري،

لتصل إلى إعادة تشكيل البيئة التي يعمل فيها القطاع الإنساني بأكمله. منذ اندلاع الحرب، أصبحت غرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية والمتطوعون المحليون الحلقة الرئيسية في إيصال الغذاء والرعاية الصحية والإيواء والخدمات الأساسية إلى المجتمعات المحاصرة، خصوصاً في المناطق التي تعذر على المنظمات الدولية الوصول إليها مباشرة.

لكن معظم هذه المبادرات لا تتمتع بصفة قانونية مستقلة، ولا تمتلك هياكل إدارية أو موارد مالية تؤهلها لاستيفاء متطلبات التسجيل الرسمية، بل تعتمد على شراكاتها مع المنظمات الوطنية والدولية للحصول على التمويل والإمدادات.أي قيود تفرض على المنظمات الدولية أو الوطنية ستنعكس مباشرة على هذه الشبكات المحلية. فاشتراط التسجيل أو الامتثال لإجراءات جديدة قد يدفع بعض الجهات المانحة إلى تعليق التمويل أو إعادة تقييم المخاطر القانونية المرتبطة بتنفيذ البرامج،

خصوصاً في ظل التزاماتها الصارمة بالامتثال والحوكمة وإدارة المخاطر. قد تتقلص المنح الصغيرة والمرنة التي تعتمد عليها المبادرات المحلية، أو تتأخر، وهو ما ينعكس مباشرة على برامج التغذية المجتمعية والمطابخ الجماعية والعيادات المتنقلة ومراكز الإيواء التي يعتمد عليها مئات الآلاف من النازحين يومياً.تبرز مخاوف متزايدة بين العاملين في القطاع الإنساني من أن تتحول البيانات المطلوبة ضمن إجراءات التسجيل،

بما في ذلك قوائم الموظفين والمتطوعين ونطاق الأنشطة ومواقع العمل، إلى أدوات للرقابة أو لفرض قيود انتقائية على المنظمات لاحقاً. في مثل هذه البيئات، لا يقتصر أثر البيروقراطية على إبطاء الاستجابة،

بل قد يدفع بعض المنظمات إلى تقليص انتشارها أو تعليق أنشطتها أو الانسحاب من مناطق مرتفعة المخاطر لتقليل تعرض موظفيها للمساءلة أو الضغوط الأمنية.على المدى الأبعد، لا تكمن خطورة هذه الإجراءات في تأثيرها في مؤسسة بعينها، بل في احتمال انتقال منظومة العمل الإنساني من نموذج يقوم على المبادئ الإنسانية العالمية إلى نموذج تصبح فيه القدرة على الوصول إلى المدنيين مرتبطة بدرجة الامتثال لمتطلبات تفرضها الجهات المسيطرة على الأرض. عند هذه النقطة،

لا يصبح المتضرر الأول هو المنظمة الإنسانية، بل ملايين المدنيين الذين يعتمد بقاؤهم على استمرار تدفق المساعدات بصورة محايدة ومنتظمة، بعيداً من حسابات الصراع السياسي والعسكري.مسار التطورات والسيناريوهات المحتملةلم تظهر مؤشرات علنية حتى الآن على امتثال واضح لقرار التسجيل لمفوضية الدعم السريع، كما لم يسجل تعليق أنشطة المنظمات أو إيقاف عملياتها بصورة مباشرة،

وهو ما يرتبط جزئياً باستمرار المشاورات بين الوكالات الأممية والجهات المانحة والمنظمات الدولية حول كيفية التعامل مع المتطلبات الجديدة. مسار التطورات خلال الأشهر المقبلة سيعتمد بدرجة كبيرة على كيفية تنفيذ القرار على الأرض.إذا اقتصر تطبيقه على إجراءات إدارية مرنة تسمح باستمرار تدفق المساعدات، فقد تتمكن المنظمات من التكيف تدريجياً مع الواقع الجديد، وإن كان ذلك سيؤدي إلى زيادة الأعباء التشغيلية وارتفاع كلف الامتثال وإطالة زمن الاستجابة.

أما إذا أصبح التسجيل شرطاً لازماً للحصول على تصاريح الحركة وإدخال الإمدادات وتنفيذ الأنشطة الميدانية، فمن المرجح أن تواجه المنظمات غير المسجلة قيوداً متزايدة على الوصول، مما قد يدفع بعضها إلى تقليص وجوده الميداني أو إعادة هيكلة برامجه، مع اعتماد أكبر على الشركاء المحليين.على المستوى الاستراتيجي،

لا تتمثل المخاطرة الأساسية في قرار إداري بعينه، بل في احتمال ترسيخ نموذج يصبح فيه الوصول الإنساني خاضعاً بصورة متزايدة لتعدد المرجعيات والإجراءات التنظيمية. في هذا السيناريو، ستتجه المنظمات إلى تكريس جزء أكبر من مواردها للامتثال القانوني وإدارة المخاطر،

بدلاً من توجيهها إلى الاستجابة الإنسانية نفسها، بينما قد يغادر بعض الكوادر الوطنية القطاع تحت وطأة الضغوط الأمنية والقانونية. عندها، لن تكون الخسارة مقتصرة على المؤسسات الإنسانية،

بل ستطاول قدرة السودان على الحفاظ على الشبكات المحلية التي أصبحت، خلال أعوام الحرب، الركيزة الأساسية لاستمرار عمليات الإغاثة والوصول إلى السكان الأكثر احتياجاً.