قد تكون بطولة كأس العالم الحدث الأبرز في رياضتنا، لكن أسس كرة القدم تقوم على المنافسات التي تُقام أسبوعاً بعد أسبوع، في الملاعب المكتظة بالجماهير والمجتمعات المحلية، بفضل تفاني اللاعبين والمشجعين والأندية وروابط الدوريات في مختلف أنحاء العالم.وخلال السنوات الأخيرة،

تعرضت الأسس الراسخة لكرة القدم للتهديد نتيجة مشكلة جوهرية تتعلق بالحوكمة، إذ عمد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إلى الترويج بنشاط لأفكار استغلالية، بدلاً من حماية اللعبة منها. ورغم أن الأطراف المعنية بكرة القدم نجحت في نهاية المطاف في فرض سحب مشروع "فيفا فوروارد إنتربرايز" (FFE)،

فإن الظروف التي أدت إلى ظهور هذا المشروع لا تزال قائمة.وقد أقر رئيس فيفا الآن بالحاجة إلى الإصلاح، إلا أن مجرد بحث إدخال تغييرات إجرائية سطحية في أعقاب مشروع FFE ليس كافياً. فمن الضروري إجراء إصلاح جوهري للحوكمة، من أجل استعادة الحدود الدستورية الواضحة داخل فيفا،

بما في ذلك تعزيز الثقة في أن القضايا التأديبية الفردية تظل بمنأى عن التدخل السياسي، على نحو يمكن إثباته بوضوح.إن مستقبل فيفا يهم كل من يهتم بكرة القدم، لأن رياضتنا لا يمكن أن تنمو عالمياً إذا تعرضت أسسها للتقويض.إن مشكلة الحوكمة في فيفا تتجاوز بكثير دور شخص واحد. فالسؤال الأوسع يتمثل فيما إذا كان ينبغي لرئيس فيفا أن يجمع في الوقت نفسه بين هذه السلطات التنظيمية والتجارية والسياسية الواسعة،

من دون وجود ضوابط وتوازنات فعالة، بما في ذلك اشتراط موافقة الأطراف المعنية المتأثرة بالقرارات. وقبل أكثر من عقد من الزمن، وفي أعقاب إجراءات جنائية طالت مسؤولين كباراً في كرة القدم،

سعت عملية الإصلاح التي أطلقها فيفا نفسه إلى معالجة هذه القضايا. ومع ذلك، تعرضت كرة القدم مجدداً لواحدة من أكبر حالات إساءة استخدام السلطة في تاريخ فيفا.إننا نرفع صوتنا معاً، بصفتنا أعضاء مؤسسين في رابطة الدوريات الأوروبية والرابطة العالمية للدوريات،

لأننا ندرك كيف يؤثر التوسع المستمر لفيفا في الجميع. يتولى كل منا مسؤولية الإشراف على منظومة احترافية تربط قاعدة الفئات السنية لرياضتنا بمنافسات النخبة على المستويين المحلي والدولي. ومن خلال جمع ملايين الأشخاص، تُحدث الدوريات المحلية لكرة القدم حول العالم تأثيراً اجتماعياً واقتصادياً كبيراً،

حيث تدعم القطاعات الاقتصادية، وتوفر فرص العمل، وتستثمر في تطوير كرة القدم على مستوى القاعدة الشعبية، فضلاً عن مساهمتها بإيرادات ضريبية كبيرة في مجتمعاتنا.يشارك نحو 1% فقط من لاعبي كرة القدم المحترفين في العالم في بطولة كأس العالم التي ينظمها فيفا،

في حين يتوقف بقية اللاعبين وأنديتهم عن المنافسة عندما تتوقف الدوريات المحلية. ومع ذلك، عندما يتخذ فيفا قرارات كبرى من جانب واحد تؤثر فينا بصورة مباشرة، مثل توسيع الروزنامة الدولية للمباريات (IMC)،

وتمديد الفترات التي يتعين خلالها تعليق المنافسات المحلية، فإن الأطراف الأكثر تأثراً بهذه القرارات لا تشارك بصورة فعلية وذات مغزى في عملية اتخاذها. إن نظام الحوكمة في فيفا، الذي يركز السلطات التنظيمية والتجارية والسياسية غير الخاضعة للرقابة الفعالة في منصب واحد،

بينما يحصر دور الأطراف المتأثرة في مجرد تقديم المشورة، هو نظام غير ملائم للغرض الذي وُضع من أجله.وخلال السنوات الأخيرة، أكدت السوابق القضائية الدولية باستمرار المبدأ ذاته، وهو أن الهيئات الحاكمة للرياضة يجوز لها تنظيم لعبتنا،

لكن سلطاتها ليست مطلقة. وعندما يسعى فيفا إلى تنظيم المسابقات، يتعين عليه أيضاً تحييد تضارب المصالح المتأصل في هذا الدور، من خلال قواعد ومعايير تتسم بالشفافية والموضوعية وعدم التمييز والتناسب،

وتُعتمد بمشاركة شاملة، وتخضع لمراجعة مستقلة وفعالة.إن الشكوى المتعلقة بالروزنامة الدولية للمباريات، التي تقدمت بها روابط الدوريات إلى المفوضية الأوروبية في أكتوبر 2024، جاءت نتيجة إطار حوكمة معيب يتيح لفيفا استخدام سلطته التنظيمية لتحقيق أهدافه التجارية الخاصة،

من دون مراعاة تأثير ذلك في الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية للمسابقات الوطنية، وهو تأثير يطال جميع الأطراف المعنية.يجب أن يتغير هذا الوضع الآن من أجل مصلحة كرة القدمولذلك، ندعو بصورة مشتركة إلى إرساء هيكل حوكمة جديد للهيئة العالمية الحاكمة لرياضتنا، يتسم بالشفافية والموضوعية والتناسب والشمول،

ويستند إلى ثلاث التزامات أساسية. وندعو فيفا إلى ما يلي:منح الأطراف المعنية المتأثرة دوراً حقيقياً في عملية اتخاذ القراريجب على فيفا إنشاء هيئة دائمة تمثل الأطراف المعنية الرئيسية، بما في ذلك الاتحادات الوطنية وروابط الدوريات والأندية واللاعبون من مختلف أنحاء كرة القدم للرجال والسيدات. ويجب إطلاع هذه الهيئة الجديدة بصورة كاملة على المبادرات الجديدة،

ومنحها دوراً فعلياً ومؤثراً في عملية اتخاذ القرار داخل فيفا. كما يجب اشتراط موافقة مجموعات الأطراف المعنية المتأثرة بصورة مباشرة بأي قرار، عند اتخاذ القرارات المتعلقة، من بين أمور أخرى،

بالروزنامة والتوظيف والمسابقات والأصول الأساسية لكرة القدم.ضمان اتخاذ القرارات استناداً إلى الأدلةيجب أن يبدأ أي مقترح رئيسي يقدمه فيفا بتحديد مبرراته بوضوح، وتقديم الأدلة الداعمة له، وإجراء تقييم مستقل يُنشر قبل اتخاذ أي قرار. ويجب أن يشمل هذا التقييم اللاعبين والأندية وروابط الدوريات والمشجعين،

وأن يقيّم تأثير المقترح في جميع الأطراف المعنية وفي تطوير كرة القدم. كما ينبغي إخضاع مجموعة من الخيارات للدراسة والتدقيق، وأن تكون القرارات النهائية مصحوبة بتفسيرات منشورة توضح مبررات اتخاذها.حماية الدور التنظيمي لفيفا من وظيفته التجاريةيجب حماية دور فيفا بصفته جهة تنظيمية وأمينة على اللعبة، وفصله عن وظيفته التجارية بوصفه منظماً للمسابقات العالمية،

وذلك من خلال ضمانات مؤسسية قوية تحافظ على الثقة والشرعية والمساءلة. ويجب أن تتمتع الهيئات المعنية بالأخلاقيات والرقابة المالية والانتخابات باستقلالية حقيقية عن إدارة فيفا ورئاسته، من حيث التعيينات والميزانيات والصلاحيات. وستضمن هذه الإصلاحات الاحتفاظ بحقوق المسابقات الأساسية لفيفا،

بما فيها كأس العالم، على سبيل الأمانة لمصلحة كرة القدم بأكملها.المضي قدماًفي هذه المرحلة الحاسمة لرياضتنا، نشجع المرشحين لرئاسة فيفا على تأييد هذه المبادئ، والدعوة،

خلال الأيام الـ 100 الأولى من الولاية الرئاسية المقبلة، إلى عقد مؤتمر للحوكمة برئاسة مستقلة، يمثل الاتحادات الأعضاء ومجتمع كرة القدم الأوسع، ويُكلف بإصدار تقرير علني في غضون ستة أشهر.وينبغي لجميع المرشحين لرئاسة فيفا نشر برامج الإصلاح الخاصة بهم،

ومناقشة مضامينها، والالتزام بقواعد انتخابية عادلة. كما يجب أن تظل الموارد المالية والقانونية والإعلامية والتسويقية لفيفا، فضلاً عن أمواله المخصصة لتطوير كرة القدم،

محايدة بصورة صارمة، وألا تُستخدم مطلقاً لمنح أي مرشح أفضلية انتخابية.وندعو الاتحادات القارية، والاتحادات الوطنية، وروابط الدوريات والأندية،

ونقابات اللاعبين، وروابط المشجعين والسلطات العامة من جميع القارات إلى الانضمام إلى هذه القضية، من خلال دعم هذه المبادئ.لقد حان الوقت لاتخاذ قرار لا يتعلق فقط بمن سيقود فيفا، بل أيضاً بكيفية قيادة فيفا.

وتؤدي روابط الدوريات دوراً محورياً في هذه العملية، ونريد ضمان الاستماع إلى صوت كل رابطة دوري. تحتاج كرة القدم إلى أن يكون فيفا مؤسسة قوية، لكن القوة يجب أن تقترن بالمساءلة.

ولا يمكن أن تستمد سلطة فيفا مشروعيتها إلا من خلال تقاسم المسؤولية، وقبول الخضوع للتدقيق، واكتساب الثقة.