على رغم مضي 15 شهراً من تحرير الخرطوم من قوات "الدعم السريع"، لا يزال حجم الدمار البيئي في العاصمة بمدنها الثلاث أم درمان وبحري والخرطوم كبيراً، بخاصة بعد الأضرار الكارثية التي ألحقتها الحرب بالبيئة التي تقدر بأكثر من 10 مليارات دولار. تبذل الحكومة المركزية جهوداً لإعادة تهيئة البيئة وتأمين حياة صحية حتى يتمكن العائدون من استئناف حياتهم الطبيعية،
وركزت الخطة على إعادة تأهيل الغطاء النباتي بالتوسع في المساحات الخضراء ونقل الصناعات الملوثة من المناطق السكنية إلى مواقع تراعي الاشتراطات البيئية. ويتجدد الأمل في مشروع الحزام الأخضر، باعتباره أحد المشاريع الاستراتيجية الهادفة لحماية العاصمة الخرطوم من التصحر وتحسين البيئة الحضرية. تأهيل وتشجير أخيراً،
أعلن المجلس الأعلى للبيئة البدء في الترتيبات الفنية والعملية لتنفيذ مشروع إعادة تأهيل الحزام الأخضر غرب مدينة أم درمان ضمن استراتيجية المجلس لاستعادة المناطق الخضراء وتوفير بيئة صحية ومستدامة، بما يسهم في تحسين المناخ الحضري للولاية ومواجهة التحديات البيئية . في السياق قالت الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة بولاية الخرطوم غادة حسين العوض إن "المشروع سينفذ عبر مراحل زمنية دقيقة لضمان نجاحه، وستركز المرحلة الأولى على تأهيل مسافة كيلومتراً واحداً كمرحلة تجريبية،
بالتزامن مع البدء الفوري في أعمال التسوير من الجهة الشرقية للحزام لضمان حمايته وتأمينه". الحزام الأخضر أحد المشاريع الاستراتيجية الهادفة لحماية الخرطوم (اندبندنت عربية - حسن حامد) وأضافت أن "المرحلة الثانية من المشروع ستنقل العمل إلى مستوى أكبر من التنوع البيئي، إذ تشمل عمليات تشجير مكثفة تعتمد على دمج الأشجار الغابية مع المثمرة، مما يخلق توازناً بيئياً واقتصادياً في منطقة غرب أم درمان".
وأوضحت العوض أن "هذا التدخل يأتي في توقيت حيوي يهدف إلى خلق مصدات طبيعية للرياح وتوسيع المساحات الخضراء التي تشكل رئة طبيعية للمدينة، خصوصاً في المناطق الغربية التي تشهد توسعاً عمرانياً متسارعاً". خطوة مهمة في المنحى ذاته أشار المتخصص في إدارة مشاريع البيئة عامر عبادي إلى أن "مشروع تأهيل الحزام الأخضر يمثل خطوة مهمة في سجل أعمال الترقية الحضرية بولاية الخرطوم، وكذلك يعكس التزام الحكومة المركزية بتقديم حلول بيئية مستدامة تعيد للعاصمة توازنها الطبيعي،
لا سيما بعد التلوث البيئي المختبئ تحت ملايين الأطنان من حطام المباني والمصانع والمستودعات المحترقة". ولفت إلى أن "مشروع تأهيل الحزام الأخضر عند اكتمال مراحله سيسهم في تحسين المظهر الجمالي لمدن أم درمان وبحري والخرطوم، فضلاً عن دوره في تشجيع المبادرات المجتمعية للحفاظ على البيئة، مما يجعله نموذجاً يحتذى به في مشاريع التنمية المستدامة التي تضع البيئة في أولويات اهتماماتها".
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ونوه عبادي بأن "كثيراً من الطرق الخالية تحولت إلى غابات عشبية بسبب النمو العشوائي الكثيف للحشائش، ووسط الأنقاض وبين السيارات المحطمة، وباتت بعض الأحياء أشبه بمدن الأشباح المهجورة، ومن ثم فإن خطوة التأهيل ينبغي أن تشمل إعادة تهيئة البيئة في الشوارع وإزالة الحشائش،
إضافة إلى تشجير هذه المناطق". معالجة التلوث على صعيد ذي صلة أوضح المتخصص في البيئة والترقية الحضرية الطيب المسلمي أن "خطة تعزيز الغطاء النباتي بالتوسع في المساحات الخضراء بالخرطوم يجب أن تتضمن معالجة التلوث وتنظيف التربة والمياه من تداعيات القصف والنفايات الصناعية والطبية، إلى جانب ضرورة إصلاح الندوب البيئية وجعلها جزءاً أصيلاً من أية عملية بناء سلام مستدام بالدمج بين إعادة الإعمار ومكافحة تلوث الحرب". وبين المسلمي أن "مبادرة الخرطوم خضراء لإعادة تشجير شوارع العاصمة الثلاثة الخرطوم وأم درمان وبحري تمثل خطوة نحو زيادة الرقعة الخضراء واستعادة مظهر العاصمة السودانية الجمالي،
علاوة على تحسين المناخ الحضري ومواجهة التحديات البيئية". ويبدي المتخصص في البيئة والترقية أسفه لخسارة السودان مرجعياته العلمية البيئية بتدمير معظم مختبراته إلى جانب هجرة الكوادر المؤهلة، مما أفقد السلطات القدرة على قياس مستويات تلوث الهواء والتربة والمياه، عقب خروج المختبر البيئي المرجعي الوحيد في الخرطوم عن الخدمة".
تشجير الشوارع وسط هذه الأجواء أطلق متطوعون مبادرة "الخرطوم خضراء"، التي حملت شعار "مكان كل قذيفة شجرة"، وتستهدف إعادة تشجير شوارع مدن العاصمة الثلاث الخرطوم وأم درمان وبحري. وقال عضو المبادرة زاهر حماد إن "عدداً من المتطوعين دعوا إلى تبني الفكرة وتطويرها لتصبح مبادرة تشمل عمليات التشجير والترميم وإنارة الطرق الرئيسة،
فضلاً عن حملات لإصحاح البيئة والنظافة". تراكم النفايات واحدة من تداعيات الحرب في السودان (اندبندنت عربية - حسن حامد) وأشار إلى أن "المبادرة وجدت تفاعلاً وقبولاً كبيرين من المتابعين، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي داخل السودان وخارجه، إذ اكتملت أعمال التشجير داخل شارع الـ60 ومنطقة الخرطوم شرق وجنوب،
وتعهد متخصصون في مجال التشجير والبيئة بالإسهام في العمل وتقديم المعينات اللازمة". ولفت حماد إلى أنهم "يستهدفون زراعة 1000 شجرة مثمرة في عدد من شوارع العاصمة الخرطوم، وأن المبادرة لا تقتصر على الجانب البيئي فحسب، بل تسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف الاجتماعية والاقتصادية،
فاختيار الأشجار المثمرة يعكس رؤية تسعى إلى توفير مصدر غذائي مستدام، إلى جانب خلق مساحات خضراء تسهم في تحسين البيئة وتطبيع الحياة". عقبات وتحديات على نحو متصل رأت المتخصصة في مجال الزراعة وتشجير المدن رباب الإمام أن "أي مشروع تجميل حضري لا يمكن أن ينجح من دون توفير معينات كافية تسهم في استمراره، إذ يحتاج الحزام الأخضر في كامل ولاية الخرطوم لأكثر من مليون متر مكعب من المياه،
في وقت تعرضت فيه نحو 50 في المئة من شبكات الري في وسط العاصمة للتدمير والتخريب بسبب غياب الصيانة وانقطاع الكهرباء، لذلك فإن إعادة تشغيل هذه الشبكات لا تتطلب فقط إصلاحات فنية، بل تحتاج إلى استقرار في الإمداد الكهربائي والمائي، وهو ما لا يزال يمثل تحدياً كبيراً".
وتابعت الإمام "كثيراً من مشاريع التشجير السابقة فشلت لأنها اعتمدت على حلول موقتة، مثل الري اليدوي أو استخدام مصادر مياه غير مستدامة، لذلك فإن أية خطة جديدة يجب أن تبدأ بإعادة تأهيل الشبكات الأرضية، قبل التفكير في الزراعة أو التجميل".
وشددت المتخصصة في مجال الزراعة وتشجير المدن على ضرورة استخدام تقنيات حديثة في الري، مثل الأنظمة الذكية التي تقلل الفاقد وتتحكم في الاستهلاك". وأردفت "تظل الموارد المالية أحد أبرز التحديات أمام تنفيذ مشاريع التجميل على أرض الواقع، في ظل اقتصاد يعاني التضخم وتراجع الإيرادات،
وتبدو أي مشاريع خدمية إضافية عبئاً مالياً يحتاج إلى تخطيط دقيق، خصوصاً إذا كانت غير مرتبطة مباشرة بالخدمات الأساسية".