لا تزال تداعيات الصراع المسلح في السودان، الذي دخل عامه الرابع، تتسبب في انهيار قطاع الثروة الحيوانية، لتشمل إقليمي دارفور وكردفان،
حيث تتركز فيهما أهم القطاعات الداعمة للاقتصاد القومي، نتيجة انهيار منظومة التحصين البيطري وتعطل إنتاج اللقاحات وتوقف سلاسل الإمدادات، مما شكل خسائر فادحة في قطاع يُعد مصدر دخل رئيس لملايين الأسر. وتشير بيانات "منظمة الأغذية والزراعة" التابعة للأمم المتحدة (فاو) إلى أن السودان يمتلك حوالى 103 مليون رأس،
تمثل الأبقار والماعز والأغنام والإبل، بينما تستحوذ كردفان ودارفور وحدهما على نحو 60 في المئة منها على مستوى البلاد، وقبل اندلاع الحرب نفذت وزارة الثروة الحيوانية حملات دورية لتحصين ملايين الماشية ضد الأمراض والأوبئة المستوطنة، وأخرى وافدة عبر الحدود من جنوب السودان،
مثل الحمى القلاعية، والتسمم الدموي، والطاعون، وجدري الأغنام والماعز،
وأمراض بكتيرية أخرى، فضلاً عن توافر الأدوية البيطرية نتيجة استقرار الإمدادات، مما أسهم لأعوام طويلة في الحفاظ على الثروة الحيوانية داخل إقليمي دارفور وكردفان، لكن تدمير المعامل في نيالا جنوب دارفور،
وتوقف سلاسل الإمدادات من المعمل المركزي في سوبا بولاية الخرطوم، ونزوح الكوادر البيطرية، أدت إلى تعطيل حملات التحصين داخل الإقليمين، وهو ما عرّض الحيوانات للنفوق.
هزال ونفوق تعد تربية المواشي من المهن الرئيسة التي يعتمد عليها سكان غرب السودان، إذ يمتلك كثير منهم ثروات حيوانية ضخمة تعزز استقرارهم الاقتصادي وتشكل مصدر رزقهم، وفي هذا الصدد يقول صالح حماد، وهو أحد مربي الماشية في ولاية شرق دارفور،
إن "تداعيات الحرب المستمرة في البلاد أثرت بصورة مباشرة في قطاع الثروة الحيوانية، وأدت إلى مواجهة مصاعب جمة أسهمت في نفوق أعداد كبيرة من المواشي بسبب تعرضها للأمراض، أبرزها الحمى القلاعية، وهي من أكثر الأمراض الفيروسية شيوعاً وسط الأبقار،
وتسهم في ارتفاع درجة الحرارة وظهور تقرحات في الفم والحوافر، مما يسبب فقدان الشهية وانخفاض الحليب وتراجع الوزن، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى نفوق العجول الصغيرة، فضلاً عن طاعون المجترات الصغيرة،
وهو مرض شديد العدوى يصيب الأغنام والماعز، ويتسبب في خسائر اقتصادية فادحة نتيجة ارتفاع معدلات النفوق وانخفاض الإنتاج، وكذلك مرض التسمم الدموي، والفحمية،
وجدري الأغنام والماعز، إضافة إلى أمراض محلية مثل أبو زقالة وأبو قنيت، اللذين تستهدفهما منذ عقود حملات التحصين الموسمية". وأضاف حماد أن "الثروة الحيوانية في إقليم دارفور تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي،
وتتشكل من نحو 60 مليون رأس من الماشية، وأي تأثير يؤدي دوراً كبيراً في تقليص أعداد الحيوانات، سواء بسبب الحرب أو غياب التحصين البيطري، وبالتالي فقدان مصدر رزق حيوي لكثير من الأسر".
وأشار مربي الماشية إلى أن "الحيوانات أصبحت تفقد قيمتها السوقية بسبب الهزال الواضح، فقد كنا نبيع عدداً محدوداً من الضأن أو الأبقار لتأمين حاجات الأسرة فترة طويلة، بما فيها العلاج والتعليم، لكن اليوم تبدل الحال بسبب هبوط أسعارها"،
لافتاً إلى أن "أصحاب المواشي يبذلون المحاولات لإنقاذ ثروتهم الحيوانية، وفي حال بحث مستمر عن دعم المنظمات الدولية، من أجل مواجهة هذه التحديات التي تهدد حياتهم، إضافة إلى التواصل مع المعامل في كينيا لتوفير اللقاحات والبروتينات الضرورية،
مما يسهم في تحسين الحال الصحية للمواشي ونظام التسويق، لضمان استقرار المهنة لسكان الإقليم". أزمة قطاع المواشي في السودان لم تعد مرتبطة باللقاحات وحدها، بل تشمل نقصاً حاداً في الأدوية العلاجية بعد تعطل وصولها من الولايات الواقعة شرق البلاد (أ ف ب) انعدام اللقاحات من جهته أفاد محمد عمران،
وهو صاحب قطيع في ولاية غرب كردفان، بأن "الحرب الدائرة في الولايات لا تعني فقدان مصادر الدخل فقط، بل فقدان الحليب واللحوم، مما يؤدي إلى تهديد الصحة وظهور أمراض سوء التغذية،
بخاصة وسط الأطفال وكبار السن"، مضيفاً "نعاني نفوق المواشي بسبب انعدام الدواء البيطري واللقاحات، وبات الأمر يتطلب تدخلات عاجلة لتوفير العناية البيطرية واستعادة تشغيل معامل إنتاج اللقاحات وتأمين وصولها مع الكوادر البيطرية إلى مناطق الرعي". وأوضح عمران أنه "في ظل سيطرة 'الدعم السريع' على محلية غبيش غرب كردفان،
فإن أصحاب القطعان يطالبون حكومة 'تأسيس' بضرورة تأمين استقرار حملات التحصين، مع الوصول الآمن إلى اللقاحات عبر المنظمات الدولية لحماية الثروة الحيوانية، وليس في الولاية وحسب، بل في بقية ولايات إقليمَي كردفان ودارفور"،
وأردف قائلاً إن "تداعيات الحرب وتأثيرها في الثروة الحيوانية لم تقف عند الرعاة ومربي الماشية، وإنما طاولت شريحة واسعة تضم تجار المواشي ووسطاء الأسواق وشركات النقل والمسالخ ومنتجي الألبان ومصدّري اللحوم والماشية الحية، مما يجعل خسارة القطاع تنعكس بصورة مباشرة على آلاف الأنشطة الاقتصادية الأخرى". انهيار متسارع وفي السياق،
أشار الطبيب البيطري مصعب عبدالرحمن، الذي عمل في ولاية غرب كردفان، إلى أن "قطاع الثروة الحيوانية يشهد انهياراً متسارعاً نتيجة عدم توافر الخدمات البيطرية، وندرة اللقاحات والأدوية التي تصل بصورة متقطعة،
نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية، مما أعاق الوصول الآمن لسلاسل الإمدادات"، لافتاً إلى أن "الأمراض والوبائيات تهدد سلامة قطعان المواشي بسبب توقف سلسلة متكاملة من الخدمات البيطرية، وأصبحت تواجه الأمراض بلا مقومات،
وخلال فترة ما قبل الحرب كان الطبيب البيطري حاضراً في مناطق الرعي، ويشرف على حملات التحصين، لكن اليوم بات مربو الماشية يفتقدون ما يحافظ على صحة الحيوانات، مما أدى إلى تفش واسع النطاق للأمراض،
وذلك بسبب أن عصابات الطرق تمارس النهب المسلح". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأوضح عبدالرحمن أن "ولايات كردفان، وبخاصة غربها، وتحديداً منطقة الخوي التي تتميز بإنتاج أعداد ضخمة من سلالة الأغنام المعروفة بالضأن الحمري،
باتت شبه خالية من هذا النوع من القطيع بعد نزوح عدد كبير من السكان، بعدما تحولت المنطقة إلى مسرح للعمليات العسكرية في سياق الحرب المشتعلة بين الجيش وقوات الدعم السريع"، مشيراً إلى أنه "على رغم أن المنطقة كانت تعج بالأطباء البيطريين، بسبب انتعاش المهنة في هذه المناطق الغنية بالثروة الحيوانية،
لكنهم يغادرونها الآن لأنه لم يعد بإمكانهم تقديم خدماتهم للمربين، لأن اللقاحات والأدوية لم تعد تصل نتيجة التهديدات الأمنية القائمة على الطرق، وهو ما أدى إلى انتشار الأمراض وفي مقدمها الحمى القلاعية والطاعون والالتهاب الرئوي المعروف محلياً باسم 'أبو نين'، والذي شهد توسعاً وسط الأغنام والماعز،
وأسهم في نفوق نحو 93 في المئة من القطعان، فضلاً عن خسائر فادحة في بعض المناطق المتأثرة بالأمراض". واستدرك الطبيب البيطري "لكن 'فاو' اجتهدت في إيصال الأدوية البيطرية إلى ولاية غرب كردفان، غير أن الكميات كانت محدودة،
ولم تكفِ حاجات المربين في ظل اتساع رقعة الأمراض". انقطاع التواصل من جهته، قال نور الدين الأمين، وهو طبيب بيطري يعمل في وزارة الثروة الحيوانية بولاية جنوب دارفور،
إن "الولاية تضم حوالى 13 مليون رأس من الأبقار، و8 ملايين رأس من الأغنام، و9 ملايين رأس من الأبل، مما يجعلها إحدى أكبر مناطق الإنتاج الحيواني في السودان"،
مضيفاً أن "معمل إنتاج اللقاحات في نيالا توقف عن العمل منذ اندلاع الصراع عام2023، وهو ما أدى إلى نقص حاد في اللقاحات البيطرية، ولا سيما أن السلطات بعد تشكيل الإدارة المدنية عام 2024، تمكنت من تشغيل المعمل وإنتاج كميات من اللقاحات أمّنت حاجات الولاية،
ووفرت إمدادات للولايات الأخرى في دارفور وكردفان، غير أن المعمل توقف عام 2025 بسبب نقص المواد الخام، لتعود أزمة اللقاحات للواجهة بصورة أكثر حدة، لأن المواد الخام التي تدخل في عملية تصنيع اللقاحات البيطرية كانت تأتي من شركات موردة تابعة للجيش،
لكن التواصل انقطع عقب اندلاع النزاع". وزاد الأمين أن "وزارة الثروة الحيوانية في جنوب دارفور اجتهدت عبر بعض الأطباء البيطريين، بخاصة العاملين في منظمة 'أطباء بلا حدود' لتوفير لقاح التسمم الدموي، وأبو قنيت،
والطاعون، والفحمية، لكنهم لم يتمكنوا من توفير لقاح أبو زقالة، ومع ذلك نفدت كل اللقاحات التي جرى توفيرها،
ولم تستوفِ كامل القطيع، مما أدى إلى ظهور بعض الحالات الوبائية"، موضحاً أن "النقص الحالي يسهم في عودة أمراض مثل التسمم الدموي، والفحمية،
وجدري الأغنام والماعز، وأبو زقالة في محليات برام، والسنطة، والردوم،
والفردوس، حيث جرى تسجيل حالات نفوق وسط الماشية، بيد أن الوزارة، وبالتنسيق مع عدد من المنظمات،
حصلت على كميات محدودة من اللقاحات خلال أبريل (نيسان) الماضي ولكنها لم تكف، مما يستدعي التحرك لاحتواء الأزمة في دارفور وكردفان". ولفت الطبيب البيطري إلى أن "أزمة القطاع لم تعد مرتبطة باللقاحات وحدها، بل تشمل نقصاً حاداً في الأدوية العلاجية بعد تعطل وصولها من الولايات الواقعة شرق السودان،
وهو ما دفع بعض الأطباء إلى استيراد كميات محدودة عبر تشاد، لكنها ظلت أقل بكثير من الحاجات الفعلية".