أشعلت مهلة الـ45 يوماً التي تضمنها قرار مجلس الوزراء السوداني بإلزام منسوبي أجهزة الدولة في البلاد بالعودة إلى مقار عملهم بنهاية أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، جدلاً واسعاً ما بين مؤيد ومعارض في بلد أنهكته الحرب واستنزفته الأزمة الاقتصادية وافترقت بأهله السبل. تأتي هذه الخطوة في إطار جهود الحكومة معالجة الاختلالات داخل الجهاز الوظيفي باستئناف العمل من داخل العاصمة الخرطوم بعد توقف قسري دام ثلاثة أعوام ونصف العام اضطر خلالها العاملون في القطاعات الحكومية إلى النزوح داخل البلاد وخارج حدودها بحثاً عن ملاذات آمنة، فيما وجد آلاف الموظفين أنفسهم أمام تحديات السكن والخدمات وبيئة عمل غير مهيأة ورواتب شهرية ضعيفة.
وسبق أن أصدر رئيس الوزراء كامل إدريس عقب عودة الحكومة مباشرة مهماتها من الخرطوم بعد تحريرها من قبضة "الدعم السريع" في مارس (آذار) 2025، قراراً يلزم موظفي الدولة البالغ عددهم نحو 106 آلاف عامل بالعودة، لكن الاستجابة كانت ضعيفة، مما أدى إلى تأجيل القرار.
وكانت الحكومة في يناير (كانون الثاني) الماضي عادت لمباشرة عملها من داخل العاصمة بعدما اتخذت مدينة بورتسودان شرق البلاد عاصمة إدارية موقتة. مذكرة تظلم في السياق، تقدم موظفون في مؤسسات الدولة المتضررين من الحرب بمذكرة تظلم قانونية إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، طالبوا بمراجعة القرار الخاص بعودة منسوبي القطاعات الحكومية إلى مواقع عملهم في الخرطوم خلال 45 يوماً.
وقال مقدمو التظلم إن القرار صدر في ظل ظروف استثنائية يواجه فيها عدد من العاملين أوضاعاً مرتبطة بالحرب، تشمل فقدان المساكن ونهب الممتلكات ونزوح ولجوء بعض الموظفين، إلى جانب عدم جاهزية عدد من مقار العمل في الخرطوم. واعتبرت المذكرة أن التوجيه يخالف مبدأ توفير متطلبات العمل قبل إلزام الموظفين بالعودة،
وأشارت إلى أن الدولة ملزمة بتوفير بيئة عمل مناسبة، إلى جانب المعينات اللازمة لأداء المهمات الوظيفية، وأضافت أن تنفيذ القرار يواجه صعوبات عملية بسبب تعرض مقار حكومية في الخرطوم لأضرار واسعة، فضلاً عن فقدان بعض الموظفين مساكنهم ووسائل تنقلهم.
وحذرت المذكرة من أن تطبيق القرار بصيغته الحالية قد يؤدي إلى اتخاذ إجراءات ضد موظفين تعذرت عليهم العودة بسبب ظروف الحرب، كما طالبت بإلغاء المهلة المحددة وإعادة صياغة خطة العودة وفق مراحل زمنية تبدأ خلال 90 يوماً للقطاعات القيادية الحيوية، ثم 180 يوماً لبقية الوزارات السيادية بعد تجهيز مقار بديلة، وصولاً إلى عودة بقية أجهزة الدولة خلال 360 يوماً.
ودعت المذكرة إلى توفير ترتيبات للعودة تشمل سكناً موقتاً أو بدلات سكن وترحيل الموظفين من الولايات وتجهيز مواقع عمل آمنة قبل إلزام العاملين بالعودة، فضلاً عن المطالبة باعتبار الموظفين الذين فقدوا منازلهم أو نزحوا بسبب الحرب في إجازة استثنائية مدفوعة الأجر إلى حين توفير الظروف المناسبة للعودة، وعدم اتخاذ إجراءات إدارية في حقهم بسبب أوضاع فرضتها الحرب. خيارات قاسية تقول أمال عبدالرحمن التي تعمل في أحد قطاعات الدولة إن "قرار مجلس الوزراء الذي قضى بعودة موظفي مؤسسات الدولة في ظل الظروف الحالية التي تشهدها البلاد سابق للأوان،
ومع ذلك في تقديري أن العودة أصبحت حتمية باعتبار أن وجود الإنسان يسهم في عملية الإعمار، مما يجعل بيئة العمل صالحة لمباشرة المهمات، إلا أن العودة في ظل الأوضاع الحالية التي تمر بها البلاد ستواجه بصعوبات جمة". وأضافت عبدالرحمن "عند عودتي إلى عملي واجهتني مشكلات كبيرة،
وبخاصة في كيفية الوصول من مقر سكني في أم درمان إلى مقر العمل في الخرطوم، وعلى رغم ذلك وجدت أن عدداً كبيراً من الموظفين بدأوا بالفعل في المهمات الوظيفية وهم من لبوا النداءات الأولى في ظل الخراب الواسع الذي طاول مقر العمل، إضافة إلى انعدام خدمات الكهرباء والمياه وغيرها من المعاناة". وأشارت الموظفة إلى أن "الموظفين أمام خيارات قاسية في ظل الفوارق الكبيرة بين الرواتب المتدنية وكلف المعيشة وبيئة العمل،
وهو ما يتطلب من الدولة اتخاز قرارات عاجلة بزيادة الأجور والحوافز وتحسين ظروف العمل حتى يتمكن غالبية الموظفين من العودة إلى أعمالهم". تحديات ومخاوف من جانبه، يرى حسن إبراهيم، وهو موظف يعمل في الخرطوم أن "المخاوف من ضياع الحقوق قادتني إلى العودة فور إخطاري بالقرار،
في وقت أن المهلة التي تضمنها القرار تعد غير كافية في توفيق أوضاعي، وبخاصة في ما يتعلق بالسكن، مما اضطرني إلى الانتقال من منزلي في الخرطوم بحري الذي تعرض إلى التدمير بصورة واسعة، إلى جانب نهب ممتلكاته إلى منزل مستأجر في أم درمان،
مما شكل لي عبئاً مالياً إضافياً". تختلف المهلة حسب القطاع (اندبندنت عربية - حسن حامد) وأوضح إبراهيم أن "العودة خطوة جيدة، لكن حجم الدمار كبير، مما يجعلها تحدياً حقيقياً خصوصاً للموظفين الذين فقدوا منازلهم جراء العمليات العسكرية".
وبين الموظف أن "الحضور الوظيفي وتحديث سجلات الخدمة العامة أهداف إدارية يمكن أن تسهم في معالجة الاختلالات داخل الجهاز الوظيفي التي أحدثها الصراع غير أن الإشكالية تبدأ عندما تتحول المهلة إلى معيار للمحاسبة دون التمييز بين موظف قادر على العودة أو الذي تعوقه ظروف الحرب أو انعدام السكن أو بعد المسافة أو تعذر الوصول إلى مقار العمل". توفيق أوضاع أما محمد عبدالجبار العامل في القطاع الحكومي اعتبر أن "القرار الخاص بالعودة الفورية لموظفي الدولة غير موفق، وبخاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي أفرزت أوضاعاً معيشية معقدة تتعلق بارتفاع الأسعار، إذ إن من عادوا يفكرون مجدداً في النزوح من العاصمة الخرطوم بسبب ضعف الرواتب وعدم وجود حوافز حقيقية تجعل الموظف في مواجهة تحديات لتأمين الحاجات الأساسية".
وتابع عبدالجبار "في تقديري أن استجابة الموظفين لهذا القرار ستكون في المقام الأول بسبب عدم فقدان حقوقهم، على رغم أن أوضاع المعاشيين مزرية للغاية لناحية أن ما يتقاضونه من الدولة لا يكفي حاجاتهم لثلاثة أيام فقط". ونبه العامل في القطاع الحكومي إلى أن "الموظف يستطيع أن يقدم عطاءً في ظل تداعيات الحرب، مما يستوجب توفيق أوضاعه وتهيئة مقار عمله بالصورة المطلوبة".
إيجابيات وسلبيات بدوره، قال عماد الطيب، وهو أحد سكان ضاحية الكلاكة جنوب الخرطوم إن "قرار مجلس الوزراء جاء بناءً على أن الأوضاع في البلاد تسير نحو الاستقرار، إذ إن الحكومة تبذل جهداً في التعافي الاقتصادي،
مما يجعل القرار إيجابياً". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وزاد الطيب "في الوقت نفسه، للقرار سلبيات تكمن في عدم تهيئة البنية التحتية للمؤسسات الحكومية التي شهدت تخريباً واسعاً لوقوعها في قلب الخرطوم، إلى جانب ما لحق بالمرافق الصحية من دمار ومحدودية عملها حتى الآن،
فضلاً عن سوء الشوارع وانعدام الكهرباء والمياه، في حين هناك حجم إنفاق كان أولى به قطاعات الدولة الحيوية". ومضى الطيب قائلاً "في تقديري العودة يجب أن تكون تدرجية، فمن الضروري تهيئة المقار السيادية لاستعادة هيبة الدولة،
ومن ثم بناء مؤسساتها الأخرى التي دمرتها الحرب". جهود مشتركة على الصعيد نفسه، يؤكد الباحث الأمني المتقاعد الزبير عبدالواحد أن "عودة موظفي الحكومة ضرورة في الراهن الحالي من أجل البناء والإعمار والإسهام في استقرار دولاب العمل". وأضاف عبدالواحد أن "الموظفين،
وبخاصة الذين خارج البلاد لديهم مخاوف من تداعيات الحرب خصوصاً في ما يتعلق بالناحية الأمنية، لكن عودة أقسام الشرطة قادرة على منع التفلتات الأمنية، وهو ما يشكل بيئة مساعدة لتطبيع الأوضاع في البلاد بصورة تدرجية". واستطرد الباحث الأمني قوله إن "ترتيب الحياة داخل السودان يحتاج إلى وقت طويل،
وجهود مشتركة تبدأ بعودة المواطنين وخطوات عملية في توفير الأمن وإعادة الخدمات الأساسية". وأشار المتخصص الأمني إلى أن "عودة منسوبي الدولة إلى مقار عملهم يتطلب تمويلاً كبيراً وظروفاً مهيأة، إلا أن هذا لن يتحقق إلا بوقف الحرب، وفي تقديري هو الشرط الأساس الذي ينتظر تحقيقه من قبل طرفي الصراع،
إذ لا يمكن تحميل تبعات الحرب والظروف الاستثنائية للعاملين بالدولة التي حالت دون انتظامهم قسراً في مواقع عملهم".