لم تكن الحرب المندلعة في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023 مجرد مواجهة عسكرية أعادت رسم الخرائط السكانية والاقتصادية، بل شكلت نقطة تحول قاسية في حياة مئات آلاف من العاملين في الخدمة المدنية، فالوظيفة الحكومية التي كانت تمثل لأعوام طويلة مصدر الاستقرار الاجتماعي والدخل الثابت، أصبحت خلال ثلاثة أعوام عاجزة عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

وبين تأخر الرواتب، وانهيار القوة الشرائية، وتعطل المؤسسات، والنزوح،

فقد الموظف الحكومي كثيراً من الامتيازات التي كانت تمنحه شعوراً بالأمان، بينما بقي مطالباً بأداء دوره في ظروف استثنائية. ارتفاع التضخم قبل الحرب، لم تكن رواتب العاملين في الدولة مرتفعة،

لكنها كانت تمنح شريحة واسعة القدرة على إدارة حاجاتها الأساسية مع شيء من الاستقرار النسبي. ومع اندلاع القتال الذي دخل عامه الرابع، دخلت المالية العامة للدولة مرحلة غير مسبوقة من الضغوط بعد تراجع الإيرادات وتعطل النشاط الاقتصادي، مما انعكس مباشرة على بند الأجور.

يقول الباحث الاقتصادي عابدين عبدالعزيز إنه "في وقت واصل فيه كثير من الموظفين أداء أعمالهم من ولايات مختلفة أو من مواقع نزوحهم، أصبحت الرواتب تصل متأخرة في بعض المؤسسات، أو تفقد قيمتها فور صرفها بسبب التضخم والانخفاض المستمر في القوة الشرائية للجنيه. وتحولت المرتبات إلى مبالغ لا تكفي لتغطية حاجات أيام معدودة،

بعدما ارتفعت أسعار الغذاء والإيجارات والمواصلات والعلاج بصورة كبيرة. وفقد آلاف العاملين مصادر دخل إضافية كانت تساعدهم على مواجهة ضعف المرتبات قبل الحرب". وتابع عبدالعزيز قائلاً إن "أزمة الموظف الحكومي خلال الحرب لا يمكن اختزالها في تأخر الرواتب فقط، لأن المشكلة الحقيقية تتمثل في انهيار القيمة الحقيقية للأجر".

وأوضح أن "الأجر يقاس بما يستطيع شراءه، وليس برقم المبلغ المكتوب في كشف المرتب. ومع الارتفاع الكبير في معدلات التضخم، أصبحت أسعار السلع الأساسية ترتفع بوتيرة أسرع بكثير من أي قدرة للحكومة على تعديل الأجور".

واستطرد أن "الدولة فقدت جزءاً كبيراً من إيراداتها نتيجة توقف الإنتاج في ولايات رئيسة، وتعطل النشاط الصناعي والتجاري، مما أدى إلى تضييق المساحة المالية المتاحة للإنفاق على الخدمة المدنية. وتوجيه نسبة كبيرة من الموارد نحو الجوانب الأمنية والإنسانية جعل بند الأجور يواجه ضغوطاً متزايدة".

وأكد الباحث الاقتصادي أن "استمرار ضعف المداخيل دفع كثيراً من الموظفين إلى البحث عن أعمال إضافية في التجارة الصغيرة أو النقل أو الخدمات الموقتة، بينما اضطُر آخرون إلى ترك وظائفهم أو الهجرة إلى خارج البلاد، مما تسبب في استنزاف الخبرات داخل مؤسسات الدولة، وأضعف قدرة الجهاز الإداري على تقديم الخدمات للمواطنين"،

مشدداً على أن "إعادة بناء الخدمة المدنية بعد الحرب ستتطلب إصلاحاً شاملاً لمنظومة الأجور وربطها بمعدلات التضخم والإنتاجية حتى تستعيد الوظيفة الحكومية جاذبيتها". هجرة خارجية لم يكن فقدان الدخل هو الخسارة الوحيدة، إذ تعرض مفهوم الاستقرار الوظيفي نفسه إلى اهتزاز كبير. فمقار الوزارات والمؤسسات الحكومية في العاصمة الخرطوم والولايات تعرضت للتدمير أو النهب أو الإغلاق،

وانتقلت بعض الإدارات إلى مدن أخرى، بينما توقفت مؤسسات بالكامل عن تقديم خدماتها لفترات طويلة. وأصبح آلاف الموظفين يعملون من أماكن نزوحهم، أو ينتظرون توجيهات جديدة من وحداتهم الإدارية،

في ظل صعوبات الاتصال وانقطاع الكهرباء والإنترنت وتشتت فرق العمل. يرى المتخصص في الإدارة العامة أحمد التجاني أن "المؤسسات الحكومية واجهت تحديات في حفظ الوثائق والأرشيف والأنظمة الإلكترونية، مما أثر في استمرارية العمل الإداري وفي قدرة الدولة على تقديم خدماتها بالسرعة المعتادة". وأضاف أن "الحرب ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية المؤسسية للدولة،

لأن الخدمة المدنية تعتمد على وجود مؤسسات مستقرة، وأرشيف محفوظ، وهيكل إداري متماسك، وهي عناصر تعرضت جميعها للاهتزاز خلال أعوام الصراع".

واستطرد التجاني أن "الموظف الحكومي وجد نفسه في كثير من الأحيان بلا بيئة عمل حقيقية، فهناك مَن فقد مكتبه، ومَن فقد سجلاته، ومَن اضطر إلى العمل عن بعد من دون تجهيزات أو شبكات اتصال مستقرة.

وانتقال المؤسسات بين الولايات خلق تحديات تنظيمية كبيرة، وأثّر في تسلسل اتخاذ القرار". وبيّن أن "استمرار هذا الوضع يهدد بفقدان الخبرات الإدارية المتراكمة، لأن عدداً من الكفاءات اتجه إلى القطاع الخاص أو إلى الهجرة".

ومضى المتخصص في الإدارة العامة بالقول إن "إعادة بناء الخدمة المدنية لا تتوقف عند إعادة فتح المكاتب، بل تشمل إعادة بناء قواعد البيانات، وتحديث أنظمة العمل، وإعادة تدريب الموظفين،

وتطوير الإدارة الرقمية لتقليل تأثر المؤسسات بأي أزمات مستقبلية". ضغوط اقتصادية تغيرت الحياة اليومية للموظف الحكومي بصورة جذرية، فالراتب الذي كان يُخصَص جزء منه للإيجار والتعليم والعلاج، أصبح بالكاد يغطي بنداً واحداً من هذه البنود.

ومع موجات النزوح الواسعة، اضطُر كثير من العاملين إلى استئجار مساكن جديدة في ولايات أخرى بأسعار مرتفعة، أو الإقامة مع أقاربهم بعد فقدان منازلهم. يوضح الباحث في السياسات الاجتماعية خالد الرشيد أن "كلف النقل والغذاء والدواء ارتفعت بصورة متسارعة،

بينما أصبحت الخدمات الصحية والتعليمية أكثر كلفة أو أقل توافراً، مما ضاعف الضغوط النفسية والاجتماعية على الأسر التي تعتمد على دخل الوظيفة الحكومية. فالحرب دفعت ملايين السودانيين إلى دائرة الفقر وأعادت مستويات الدخل إلى ما كانت عليه قبل أكثر من ثلاثة عقود". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأردف الرشيد إن "أخطر ما خسره الموظف الحكومي ليس المال وحده،

وإنما نمط الحياة الذي كان يوفر الحد الأدنى من الاستقرار للأسرة التي أصبحت تنفق معظم دخلها على الغذاء، بينما تقلص الإنفاق على التعليم والصحة والترفيه والادخار". وواصل أن "الضغوط الاقتصادية انعكست على الصحة النفسية، إذ ارتفعت مستويات القلق والإجهاد نتيجة عدم القدرة على التخطيط للمستقبل أو ضمان استمرار مصادر الدخل.

وأدى النزوح إلى تفكك كثير من الشبكات الاجتماعية التي كانت تمثل مصدر دعم للأسر". وخلص الباحث في السياسات الاجتماعية إلى القول إن "التعافي الاقتصادي لا يقتصر على زيادة الرواتب، وإنما يتطلب استعادة الخدمات الأساسية، وخفض معدلات التضخم،

وإعادة تنشيط الأسواق، وتوفير برامج حماية اجتماعية تستهدف العاملين محدودي الدخل حتى يتمكنوا من استعادة قدرتهم الشرائية تدرجاً". إصلاح مؤسسي بعد ثلاثة أعوام من الحرب، أصبح الموظف الحكومي يواجه مستقبلاً مهنياً غير واضح المعالم،

فكثير من المؤسسات تحتاج إلى إعادة تأهيل، بينما تواجه الدولة تحديات مالية ضخمة في إعادة الإعمار وتمويل الخدمات العامة. يؤكد المتخصص في التنمية والإدارة العامة سالم سعد أن "الحاجة إلى جهاز إداري قادر على قيادة مرحلة التعافي تتزايد، مما يجعل الحفاظ على الكفاءات واستعادة الثقة بالوظيفة الحكومية من أهم التحديات التي ستواجه السودان خلال الأعوام المقبلة".

وتابع سعد أن "التقديرات الدولية تشير إلى أن استمرار الحرب يفاقم خسائر الاقتصاد ويؤخر استعادة مستويات الدخل والإنتاج، حتى في حال توقف القتال، بسبب الآثار التراكمية على المؤسسات وسوق العمل". وزاد أن "مستقبل الخدمة المدنية مرتبط بقدرة الدولة على تنفيذ برنامج إصلاح مؤسسي شامل بعد انتهاء الحرب،

فالموظف الحكومي سيكون حجر الأساس في إعادة بناء مؤسسات الدولة، لكن ذلك يتطلب بيئة عمل مستقرة، ونظام أجور عادل، وإدارة حديثة تعتمد على الرقمنة والشفافية".

وواصل أن "الدول الخارجة من النزاعات غالباً ما تبدأ بإعادة بناء مؤسساتها قبل أي شيء آخر، لأن نجاح التعليم والصحة والاستثمار والخدمات يعتمد على وجود جهاز إداري كفء". وأشار إلى أن "الاستثمار في العنصر البشري داخل الخدمة المدنية سيكون أقل كلفة بكثير من فقدان مزيد من الكفاءات أو الاعتماد على كوادر جديدة تفتقر إلى الخبرة". وختم بالقول إن "الموظف الحكومي خلال الحرب لم يفقد راتبه فقط،

بل فقد جزءاً من استقراره المهني والاجتماعي، إلا أن استعادة هذا الدور تبقى ممكنة إذا ارتبطت مرحلة إعادة الإعمار بإصلاحات اقتصادية وإدارية حقيقية تعيد الاعتبار للخدمة العامة بوصفها أحد أعمدة الدولة الحديثة".