على مرآة سيارتي الجانبية يعشعش عنكبوت عنيد بإرادة حديدية وهو يؤدي العمل نفسه دائماً، صباحاً، ظهراً، مساءً: نسْج خيوطه في هيئة مصيدة ومغادرة مكانه أو الاختفاء داخل الفراغ القائم بين سطح المرآة نفسها وظهرها المنحني،

ولعل تصرفه هذا يعكس خجلاً متأصلاً فيه مني، فهو يعرف أن تصرفه الدؤوب ذاك يزعجني دائماً ويجبرني على خبط خيوطه بغضب وإزالتها كل يوم من على وجه الأرض، غير أنه يعود ثانية لإعادة حياكة شبكته بسرعة لا متناهية، فالوقت يمر بسرعة والحشرات الطيارة التي ضلت طريقها لا تمر عن طريق الخطأ بمصيدته إلا مرة واحدة طوال ساعات اليوم،

وإذا لم تكن جاهزة في تلك اللحظة التي تمر بها حشرة ما، فإنها ستفلت إلى الأبد من أن تكون وجبة غذاء له، إذن فهو يؤمن تماماً، بالمثل القائل: الوقت كالسيف،

إن لم تقطعه قطعك. أو لعل عدم ظهوره المطلق أمامي يعود إلى سبب آخر: قناعته بأني سأنسى ليوم أو يومين وجوده الفعلي، وهذا سيزيد من عدد غنائمه (أو بالأحرى ضحاياه)، فنجاحه في إبقاء مصيدته قائمة طوال هذه الفترة دليل على صواب قراره بعدم الظهور وهو يتبختر أمامي برشاقته المعهودة،

إذ انطلت خدعته عليّ، وتفوقت إرادته في نسج شباكه على إرادتي بإزالتها حالما تقع عيناه عليّ. يحضرني سؤال آخر: ما الذي يجعل مرآة سيارتي الجانبية بالذات مكانه الوحيد لنسج خيوطه غير المرئية تقريباً عليها؟ قد يكون هذا السؤال مناسباً طرحه على تلك الحشرة المسكينة التي وقعت ذات يوم في مصيدة هذا العنكبوت.

أستطيع سماع صدى صوتها حتى بعد أن تكون آثارها اختفت تماماً في أحشاء الصياد البارع: إنها تلك المرآة التي تجعلنا نحن الضحايا نظن أن ما وراء سطحها عالم يمتد بعيداً لا مجرد انعكاس كاذب للعالم المحدود الذي نعيش فيه. إذن إنه الوهم الذي يخلقه العنكبوت لفرائسه باستخدام مرآة سيارتي، وراء نجاح مهمته الأزلية، فخيوط شباكه شفافة إلى حد أنها لا تُرى حين ينعكس الضوء الساقط على المرآة.

تذكرني شباك صديقي العنكبوت بتلك الأفخاخ التي تصنعها بعض المجتمعات البدائية في أفريقيا لصيد فرائسها التي تتغذى على لحومها وتستخدم جلودها وأنيابها ومخالبها في صنع أدواتها وثيابها. هناك نجد كل فخ ينطلق من فهم طبيعة الفريسة النفسية والذهنية، فلصيد الفأر يجب استخدام روح الفضول الشديد لديه في استكشاف الأماكن الضيقة كالأنابيب والفتحات لاستدراجه إليها، أما القردة فيجب الاستفادة من ميلها إلى استخدام أصابعها التي تشبه أصابع الإنسان في مسك الخيوط الخفيفة التي تقودها إلى قلب الفخ الذي لا عودة منه،

أما فرس النهر الضخم القوي فثقل جسده المهول حين يضغط على جسم صغير مشدود إلى حجر كبير منصوب فوق غصن شجرة متين، هو الكمين الذي يسقط على رأسه الكبير الهش... أعود إلى عنكبوتي المقيم (على الأغلب) داخل مرآة سيارتي. أعرف أنه من فصيلة لا تعيش أكثر من سنتين،

فهو بالتأكيد لا ينتمي إلى فصيلة الرتيلاء الكبيرة الحجم التي تعيش إناثها إلى ما يقرب من 15 سنة. ولا أستبعد أن نجاحه في نصب الشباك بانتظام أكد أنه قد انتزع حق الإقامة بجواري من مجتمعه العنكبوتي، ولعل الشرط الوحيد الذي وضعه هذا المجتمع عليه هو أن يبقي علامة، تشبه العلم الذي يمثل بلداً ما،

معلقة في الهواء دائماً، وهذه هي مصيدته. غير أن وجود السيارة معي لأكثر من عشر سنوات يجعلني أشك بأن المقيم على حافة بابها الأمامي، هو العنكبوت نفسه،

الذي اكتشف المرآة أول مرة، واستوطن فيها من دون رخصة. إذن هناك سلسلة من عناكب متماثلة في الشكل والسلوك ظلت تنقل هذه الملكية من جيل إلى آخر، غير أن طبيعة حياة كل منها متطابقة تماماً مع حياة من سبقها ومن أعقبها.

لكأنها الكائن البدئي الذي اكتشف القارة الجديدة المتمثلة في سيارتي الصغيرة التي انتقلت ملكيتها بين ثلاثة أو أربعة أشخاص لا يعرف أحدهم أياً من الآخرين. هل يمكن القول إن حيوات هذه العناكب المتعاقبة على مرآة سيارتي هي في الحقيقة حياة واحدة حددتها الجينات نفسها، فهي بشكل ما العنكبوت نفسه يتكرر في استنساخات متكررة أزلية، حتى لو أن سيارتي سحبت من الخدمة وتحولت إلى قطع خردة،

فإن هذا العنكبوت سيجد سيارة أخرى يستوطنها، ولأنه لا يمتلك ذاكرة من أولئك الذين سبقوه فإنه يعيش بذاكرته الشخصية فقط: اليوم اصطدت ذبابة غنية بكل الفيتامينات التي يحتاجها جسدي، وأمس كانت نحلة تعثرت في خطاها حين رأت انعكاس شتلات الأزهار على المرآة فتقدمت بحماس صوبها، وكان علي انتظار موتها بأناة وروية خشية من إبرة لسعتها القاتلة.

هنا في هذه المتاهة التي تشكلها خيوط شبكتي يصبح موت الفرائس في الأغلب ناجماً عن تعطل بوصلتها، فتظل تتخبط وسط نسيج ناعم ومغرٍ بالبقاء فيه ونسيان المهام التي كانت تريد تنفيذها. فماذا يريد أي كائن أكثر من راحة يقدمها له نسيج العنكبوت: هنا يصبح الماضي والمستقبل والحاضر عجينة واحدة، مادته الأولية هو النسيان: إنه فردوس من نوع خاص،

وحتى حين يحين وقت امتصاص إكسير حياتها فإنها لن تشعر بأي ألم بل ستكون العملية أقرب إلى دغدغة باطن القدم. من عالم هذا العنكبوت الأزلي ونسيج شباكه اللامرئية تتراءى للمرء أبدية لا تختلف كثيراً عن تلك التي شخصها نيتشه في كتابه «العلم المرح»: ماذا لو جاءك شيطان وقال إن عليك أن تعيش حياتك نفسها مرة أخرى بل مرات لا حصر لها، بكل آلامها وأفراحها وتفاصيلها، وبالترتيب نفسه من دون أي تغيير؟

هل تستطيع أن تقول نعم لحياتك كما هي، بحيث ترضى بتكرارها إلى الأبد؟ بالنسبة لنيتشه، من يلعن ذلك المصير يكون رافضاً جانباً من حياته،

أما الإنسان القادر على استقبال الخبر بفرح، فهو قد بلغ أقصى درجات تأكيد الحياة، وما يعنيه نيتشه بذلك تأكيد قبول المرء بقدره الذاتي: بحياته كلها، ألّا يتقبل ما حدث له فحسب بل أن يريده ويحبه كما وقع.

ولعل صديقي العنكبوت المقيم داخل مرآة سيارتي الجانبية يوافق على هذا الشرط بالكامل. فهو يعيشه على أرض الواقع عبر استنساخاته السابقة واللاحقة، باعتبارها مجرد ثياب يبدلها الكائن نفسه في رحلته صوب الأبدية، قادماً من ماضٍ وهمي يشبه وهم العالم الذي ترسمه مرآة سيارتي صوب وهم آخر لم يولد بعد اسمه المستقبل،

هذا الامتداد بين الاثنين يشبه كثيراً ما يجري نسجه كل يوم على مرآة سيارتي الجانبية المجاورة لمقودها.