تلقى أحد زملائي حديثاً رسالة بريد إلكتروني صيغت بأسلوب مهذب واحترافي. كانت الرسالة تطلعه على الوضع الراهن لمشروع مشترك، وتحدّد الخطوات التالية المطلوبة والمسؤول عن كل منها. كانت رسالة عادية تماماً،

باستثناء أنها كانت - من البداية إلى النهاية - من نتاج «وكيل ذكاء اصطناعي» (AI agent) أُعِدَّ للعمل نيابةً عن الشخص الذي يمثله. جرس إنذار مبكر لما هو قادم ورغم أن تجربة زميلي لا تزال غير شائعة نسبياً، فإنها تُعدّ بمثابة «جرس إنذار» مبكر لما هو قادم. ففي شهر مايو (أيار) الماضي،

سلطت وكالة «بلومبرغ» الضوء على تايلر كادويل، مؤسس شركة للأواني الزجاجية في أريزونا، الذي طوّر وكيل ذكاء اصطناعي يصفه بأنه «أول موظف ذكاء اصطناعي» لديه. يقوم هذا الوكيل بمهام مثل «فرز رسائل البريد الإلكتروني الواردة،

بل وحتى الرد ذاتياً على المشكلات المتعلقة بسلسلة التوريد». * أكثر من نصف الموظفين الأميركيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل* وحتى في الحالات التي لا تقوم فيها هذه الوكالات بإرسال رسائل بريد إلكتروني بشكل مستقل، فمن المؤكد أن الناس يستعينون بالذكاء الاصطناعي بشكل متزايد لكتابة تلك الرسائل. ففي الشهر الماضي،

أفادت مؤسسة «غالوب» بأن أكثر من نصف الموظفين في الولايات المتحدة يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل حالياً، وأن الاستخدام الأكثر شيوعاً - الذي أشار إليه 51 في المائة منهم - يتمثل في الكتابة والتحرير، أو بعبارة أخرى: التواصل فيما بينهم. ذكاء اصطناعي يتواصل مع ذكاء اصطناعي على سبيل المثال،

تلك الرسالة التي تلقاها زميلي من وكيل الذكاء الاصطناعي؟ لقد قام بنسخ نصها ولصقه في برنامج الدردشة الآلي (chatbot) الخاص به، ثم أرسل الرد الذي صاغه البرنامج. ويبدو المشهد ظاهرياً وكأنه تواصل بين البشر،

لكن في الواقع، الذكاء الاصطناعي هو من يتحدث مع الذكاء الاصطناعي. وهذه هي الطريقة التي ينبغي لقادة الأعمال الاستجابة بها لهذا الواقع. لا مجال للعودة إلى الوراء لا توجد طريقة لإعادة «مارد» الذكاء الاصطناعي المسؤول عن كتابة رسائل البريد الإلكتروني إلى القمقم مرة أخرى.

ولا أعتقد أننا يجب أن نرغب في ذلك أصلاً. فالنسخة التي تنتجها الآلة تكون أحياناً أفضل ببساطة. فعندما أوكلت شركة التأمين «أولستيت» (Allstate) مهمة صياغة المراسلات المتعلقة بمطالبات التأمين - والتي تبلغ نحو 50 ألف رسالة يومياً - إلى تقنية الذكاء الاصطناعي التوليدي، جاءت الرسائل التي كتبتها الآلة أكثر وضوحاً،

وأقل استخداماً للمصطلحات المعقدة، وأكثر تعاطفاً مقارنة بتلك التي كان يرسلها الموظفون البشر. علاوة على ذلك، أصبح تفويض المهام للذكاء الاصطناعي - بشكل متزايد - هو الاستجابة العقلانية الوحيدة المتاحة للموظفين الذين يغرقون في طوفان من المراسلات الإلكترونية.

وكان تقرير «مايكروسوفت» لعام 2025 حول اتجاهات العمل، قد كشف عن أن الموظف العادي يتلقى 117 رسالة بريد إلكتروني و153 رسالة عبر تطبيق «تيمز» (Teams) يومياً. ومن المنطقي - بل وقد يزيد من إنتاجية الموظفين - تفويض جزء من هذا العبء إلى الذكاء الاصطناعي. لكن تفويض المحادثات لا يعني ترك الأمر دون ضوابط أو معايير؛ ففي الواقع،

مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في التواصل بين الأفراد، تزداد أهمية حوكمة هذه المحادثات. إذ يضع صعود الذكاء الاصطناعي المؤسسات أمام تساؤلات لم تكن سياساتها تتوقعها من قبل: ما هي المحادثات التي يمكن تفويضها؟ وما هي الالتزامات التي قد تفرضها الآلة علينا؟

ومن يملك ما يُقال في هذه المحادثات؟ 3 ركائز أساسية لمواجهة التحديات هناك ثلاث ركائز أساسية تهم المؤسسات لمواجهة هذا التحدي: تحديد ما لا يجب تفويضه مطلقاً، والعمل على أن يكون أي تفويض آخر خطوة مدروسة ومقصودة، وإعادة تحديد ملكية التبادلات التي يتم تفويضها بالكامل.

1. تحديد ما لا يجب تفويضه مطلقاً لقد قضى الفيديو على نجوم الإذاعة والآن يقضي الذكاء الاصطناعي على عملية تقييم الأداء. ففي عام 2024، صرحت مديرة سابقة في شركة «دروب بوكس» (Dropbox) لموقع «أكسيوس» بأنها استخدمت «تشات جي بي تي» لكتابة تقييمات الأداء الخاصة بموظفيها.

وحديثاً في فبراير (شباط) الماضي أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن أعداداً متزايدة من المديرين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لإجراء تقييمات الأداء. ولا يقتصر الأمر على مبادرات فردية فحسب، بل هو توجّه مؤسسي أيضاً؛ فكما نوقش في مقال حديث بمجلة «هارفارد بزنس ريفيو»، قامت شركات مثل «سيتي» (Citi) و«جي بي مورغان» (JPMorgan) و«مجموعة بوسطن الاستشارية» (BCG) بتطوير أدوات ذكاء اصطناعي تدعم صياغة تقييمات الأداء.

لقد سبق لي القول بأن بعض الأنشطة القيادية - ومن بينها تقييم الأداء - تستمد قيمتها من التفاعل البشري الكامل. فعملية التقييم تكتسب أهميتها لأن مديرك قد قيّم أداءك خلال العام بالفعل؛ والأخبار السيئة تُنقل بأسلوب إنساني؛ لأن شخصاً ما اختار إيصالها بنفسه؛ والتوجيه والإرشاد ينجح لأن شخصاً تحترمه قد خصص لك أثمن موارده (وقته). لذا؛ فإن تفويض مثل هذه الأنشطة للذكاء الاصطناعي لا يجعل سير العمل أكثر كفاءة، بل يقضي على القيمة التي كان من المفترض أن يولدها هذا العمل.

وعليه، يتعين على كل مؤسسة رسم «خط بشري» فاصل: تحديد المحادثات التي تعتمد قيمتها على العنصر البشري، وضمان بقائها بشرية بالكامل (بنسبة 100 في المائة). أما ما عدا ذلك،

فيمكن تفويضه شريطة أن يتم ذلك بشكل مدروس ومقصود. وهنا يأتي دور الركيزة الثانية. 2. توخّي الدقة والوعي عند التفويض أي التعامل مع التفويض بوعي وقصد.

يجب أن يتحرك التفويض ضمن نطاق متدرج. ففي أحد طرفيه نجد العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي: حيث تقوم أنت بالإنشاء وتتولى الآلة الصقل والتحسين. وفي مرحلة تالية نجد التفويض للذكاء الاصطناعي: حيث تتولى الآلة صياغة المسودة، في حين تكتفي أنت بإلقاء نظرة سريعة عليها ثم إرسالها.

أما في الطرف الأقصى، فنجد التمثيل بواسطة الذكاء الاصطناعي: حيث يتولى وكيلك الذكي إدارة التفاعل بالكامل، وقد لا تطلع عليه أنت إطلاقاً. من السهل الانزلاق عبر هذا النطاق دون إدراك ذلك.

على سبيل المثال، تستخدم إحدى الوسيطات العقارية - سلطت صحيفة «فاينانشال تايمز» الضوء على تجربتها - أداة ذكاء اصطناعي لإدارة تسعة صناديق بريد إلكتروني. ورغم أن هذه الأداة توفر عليها ساعات من العمل أسبوعياً، فإنها تعترف قائلة: «أحياناً،

أقع في خطأ السماح للآلة بالتفكير نيابة عني». لا تكمن المشكلة في كون الذكاء الاصطناعي يفكر نيابة عنها؛ فهذا هو جوهر التفويض، وغالباً ما يكون التفويض هو الخيار الصائب. إلا أن المشكلة تكمن في حدوث ذلك دون اتخاذ قرار واعٍ بشأنه.

فالتفويض المقصود والمختار يتضمن عملية تسليم واضحة للمهام: أنت تدرك ما تنازلت عنه، وبالتالي تعرف كيف تجب إدارته. أما التفويض الناتج من الانزلاق التلقائي، فلا يتضمن أي عملية تسليم أو توضيح للمسؤوليات.

وعند تعميم هذا الأمر على القوى العاملة بأكملها، يتحول سمةً تنظيمية عامة. فعندما يفقد الأفراد ارتباطهم الحقيقي بما يصدر عنهم من أقوال، تعجز المؤسسة عن معرفة ما يُقال باسمها أو مدى تدخل التقدير البشري في تلك الأمور.

وفيما يتعلق بكل ما يقع خارج نطاق التدخل البشري المباشر، فإن مهمة الحوكمة لا تتمثل في تقييد التفويض، بل في جعله أمراً مرئياً وواضحاً. لذا؛ ضع قاعدة بسيطة لفرق العمل لديك: حدّدوا بدقة موقعكم على نطاق التفويض،

واحرصوا على أن تكون المؤسسة على دراية بذلك أيضاً. 3. امنح وكلاءك تفويضاً محدداً... وعيّن لهم مسؤولاً بشرياً يروي تقرير لوكالة «بلومبرغ» قصة مسؤول تنفيذي في شركة ناشئة،

حيث خرج وكيله الذكي المنزلي عن السيطرة وبدأ في مراكمة تكاليف بقيمة 100 دولار ساعة تلو الأخرى؛ ولم يتم تدارك الموقف إلا حين لاحظ المسؤول بالصدفة تنبيهات الفواتير في صندوق بريده. لا يكمن الحل في مراجعة كل رسالة يرسلها الوكيل الذكي؛ فهذا من شأنه أن يقضي على الغرض الأساسي من استخدامه. بل يكمن الحل في إعادة بناء ما كان يوفره عنصر الرقابة البشرية سابقاً. ويتطلب ذلك تحديداً ثلاثة أمور: * أولاً،

التفويض المحدد: اتخاذ قرار صريح بشأن ما يمكن للوكيل الذكي الالتزام به نيابة عنك؛ كترتيب اجتماع أو تحديد موعد للتسليم، مثلاً، مع استبعاد الالتزام بأي أسعار أو تكاليف مالية. * ثانياً،

الاحتواء والضبط: لا تعتمد كلياً على التزام الوكيل الذكي بالتعليمات؛ فالتعليمات بالنسبة للوكيل ليست سوى نصوص إضافية؛ إنه يتبعها تماماً كما يتبع كل شيء آخر؛ في الغالب، وإن لم يكن دائماً. تكمن الضوابط الفعلية والمهمة خارج نطاق «الوكيل» (البرمجية الذكية)، بل في الأنظمة التي يتفاعل معها: كبطاقة دفع مالي ذات سقف إنفاق صارم،

أو بيانات اعتماد تتيح الوصول إلى التقويم دون مجلد العقود، أو بوابات اعتماد تحيل المبادلات ذات الأهمية الكبيرة إلى عنصر بشري قبل إبرام أي اتفاق. *وثالثاً، وجود «مالك»: أي شخص محدّد يتحمل المسؤولية عن تصرفات الوكيل في جميع الأحوال.

حوكمة طبقة التواصل تُشكّل الركائز المذكورة أعلاه المبادئ الأساسية التي ينبغي أن توجّه حوكمة طبقة التواصل الجديدة داخل المؤسسات. وإليك أربع خطوات عملية يمكنك اتخاذها فوراً للبدء في تحويل هذه المبادئ إلى ممارسات حوكمة فعلية في مؤسستك: * راجع مواضع التواصل المباشر بين أنظمة الذكاء الاصطناعي. حدّد وارسم خريطة للمبادلات التي تتم داخل مؤسستك، حيث تكون الأطراف المتواصلة أنظمة ذكاء اصطناعي من الجانبين؛ فقد تفاجئك النتائج.

* حدّد الخط الفاصل للبشر. اجمع فريق القيادة وحدّد ما بين ثلاث إلى خمس محادثات تعتمد قيمتها كلياً على الحضور البشري. أعلن أنها محادثات مقتصرة على البشر فقط، ووضّح الأسباب.

* صنّف أنماط التواصل. اختر فريقاً واحداً واطلب من أعضائه تصنيف اتصالاتهم لمدة أسبوع وفق الفئات التالية: تواصل بشري خالص، أو تواصل مدعوم بالذكاء الاصطناعي، أو مفوّض للذكاء الاصطناعي،

أو تمثيل بواسطة الذكاء الاصطناعي. من شبه المؤكد أن واقعك الحالي يقع في نقطة أبعد على هذا الطيف مما تعتقد. * امنح تفويضاً لوكيل ذكاء اصطناعي واحد. بالنسبة لحالة استخدام محددة لوكيل واحد،

دوّن الأمور التي يمكنه الالتزام بها بشكل مستقل، وضع الضوابط الفعلية خارج نطاق الوكيل (مثل سقف الإنفاق، وصلاحيات الوصول المحدودة، وبوابات الاعتماد)،

وحدد الشخص المسؤول عن مخرجاته. سيصبح هذا النموذج بمثابة القالب الذي يمكنك تطويره وتطبيقه على الحالات اللاحقة. * مجلة «فاست كومباني»