لم يعد الاحتيال الرقمي يستهدف الأنظمة التقنية بقدر ما يستهدف الإنسان نفسه، حيث أصبحت الثقة البشرية نقطة الاختراق الأساسية. هذا التحول لا يقتصر على تطور في الأساليب، بل يعكس تغييراً أعمق في طبيعة الهجوم،
مع تسارع استخدام الذكاء الاصطناعي، مما يطرح أسئلة حول قدرة المؤسسات على مواكبة التهديدات، وحول ما إذا كانت أدوات الحماية الحالية لا تزال صالحة.تحول هيكلي في طبيعة الهجوميؤكد خبراء أن ما نشهده اليوم ليس تغييراً دورياً، بل هو تغيير هيكلي،
لأن وحدة الهجوم قد تغيرت. فالمحتالون لم يعودوا يركزون على استغلال الثغرات التقنية، بل على التلاعب بالسلوك البشري، حيث يصبح العميل نفسه جزءاً من تنفيذ عملية الاحتيال.
على مدى سنوات، استثمرت المؤسسات المالية بشكل كبير في أنظمة مراقبة المعاملات التي تعتمد على اكتشاف الأنماط غير الطبيعية، لكن هذه المقاربة لم تعد كافية بمفردها، إذ باتت عمليات الاحتيال الحديثة تُصمم لتبدو طبيعية تماماً من حيث الجهاز المستخدم وسلوك العميل وبياناته.هذه الأنظمة لا تزال لها قيمة،
لكنها لا ترى إلا ما ينحرف عن المسار المعتاد، في حين أن الاحتيال المعاصر يتعمّد الاندماج داخل هذا المسار. وهذا يعني أن المؤسسات قد تبدو كأنها تحسّن أدواتها باستمرار، لكنها في الواقع تدافع عن جزء محدود من نطاق المعركة،
بينما يتحرك التهديد الحقيقي في مساحة أخرى أكثر تعقيداً تتعلق بالسلوك والنية.إعادة تعريف مفهوم الاحتيالهذا التحول يفرض إعادة تعريف جوهرية لمفهوم الاحتيال نفسه. فبدلاً من التركيز على ما إذا كانت المعاملة صحيحة تقنياً، يصبح السؤال: هل تم اتخاذ القرار بحرية ووعي؟ في كثير من الحالات الحديثة،
يصرّح الضحايا بأنهم نفذوا العمليات بأنفسهم، لكن تحت ضغط أو تضليل. هنا، تبرز ضرورة الانتقال من اعتبار التفويض دليلاً على النية،
إلى اعتباره موافقة مشروطة بالسياق، حيث قد تكون الموافقة شكلية لكنها لا تعكس إرادة حقيقية. هذا التغيير لا يتعلق فقط بالتقنية، بل يفتح الباب أمام إعادة النظر في حدود المسؤولية بين المؤسسات والعملاء،
ويعزز الحاجة إلى آليات تدخل استباقية بدلاً من الاكتفاء بالتعويض بعد وقوع الضرر.الهويات المصطنعة وتحديات التحققمن أبرز التحديات التي تعكس هذا التحول، انتشار ما يُعرف بالهويات المصطنعة، وهي هويات تُبنى تدريجياً لتبدو حقيقية تماماً قبل أن تُستخدم في الاحتيال. في هذا السياق،
لم يعد التحقق من الهوية إجراءً يُجرى مرة واحدة عند فتح الحساب، بل يجب أن يتحول إلى عملية مستمرة. الهدف لم يعد التحقق من صحة المستندات فقط، بل تقييم ما إذا كانت الهوية تُظهر نمطاً سلوكياً يتطور بمرور الوقت كما يفعل شخص حقيقي.
والمفارقة هنا أن السلوك المثالي قد يكون في حد ذاته مؤشراً على الاحتيال، إذ إن البشر بطبيعتهم غير متسقين تماماً، بينما تميل الأنظمة المصطنعة إلى تقديم صورة أكثر انتظاماً.الحاجة إلى تنسيق النظام البيئيرغم التطور التقني، لا تكمن المشكلة فقط في الأدوات أو البيانات،
بل في غياب التنسيق بين الجهات المختلفة. فالمؤسسات غالباً ما ترى جزءاً محدوداً من سلوك المستخدم، وهو ما تستغله الهويات المصطنعة. التحدي الأكبر يكمن في تنسيق النظام البيئي،
حيث تحتاج المؤسسات إلى تبادل البيانات بشكل آمن، وتطوير أطر مشتركة للاستخبارات، إضافة إلى وضوح تنظيمي يسمح بتكوين صورة شاملة.الذكاء الاصطناعي والسباق غير المتكافئمع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة في هذا المجال، يبدو أن المحتالين في كثير من الأحيان يتحركون بسرعة أكبر من المؤسسات،
ويرجع ذلك إلى أنهم يعملون خارج القيود التنظيمية ومن دون إرث تقني معقد، ما يمنحهم مرونة أكبر في التجريب. ومع ذلك، تمتلك المؤسسات مزايا مهمة مثل الثقة وحجم البيانات،
لكن المشكلة تكمن في بطء التبني وصعوبة دمج الأنظمة، وليس في نقص القدرات. وفي ظل تقنيات مثل استنساخ الصوت والتزييف العميق، أصبحت وسائل المصادقة التقليدية أكثر عرضة للاختراق،
وفي بعض الحالات، قد سبق أن تجاوزت هذه التقنيات بالفعل هذه الأساليب.البديل الذي يبرز هنا هو مفهوم المصادقة المستمرة، حيث لا يتم التحقق من هوية المستخدم في نقطة واحدة فقط، بل يتم تقييم مستوى الثقة بشكل ديناميكي بناءً على السلوك والسياق.
غير أن تطبيق هذا النموذج يتطلب توازناً دقيقاً بين الحماية وتجربة المستخدم.الاعتبارات الأخلاقية والتنظيميةالاعتماد على السلوك كمؤشر رئيس يطرح تساؤلات أخلاقية، خصوصاً فيما يتعلق بالخصوصية. لكن المسألة لا تتعلق بالمراقبة، بل بالملاءمة،
حيث يركز التحليل السلوكي على مؤشرات مرتبطة بالمخاطر مثل التغيرات المفاجئة أو التردد، وليس على المعتقدات الشخصية. الحد الفاصل هنا يكمن في النية والمساءلة، فالحماية تكون مشروعة عندما تكون قابلة للتفسير ومتناسبة مع الهدف،
بينما يتحول الأمر إلى تنميط غير أخلاقي إذا أصبح غامضاً أو تمييزياً.ورغم إدراك الجهات التنظيمية لطبيعة التهديدات الجديدة، لا تزال بعض الأطر التنظيمية تعكس تصوراً قديماً للاحتيال باعتباره مشكلة تقنية وليس سلوكاً ديناميكياً. ومع ذلك، هناك مؤشرات على تحول تدريجي نحو نماذج أكثر مرونة تعتمد على الحوار والتجريب،
لكن التحدي يبقى في تسريع التنسيق بين الابتكار والسياسات.مخاطر تتجاوز الخسائر الماليةإذا لم تتمكن المؤسسات من تحديث أنظمتها، فإن المخاطر لن تقتصر على الخسائر المالية. هناك احتمال لتآكل الثقة في الخدمات المصرفية الرقمية وأنظمة المدفوعات، بل وحتى في مفهوم الهوية الرقمية ذاته.
كما أن الفئات الأكثر ضعفاً ستكون الأكثر تضرراً، ما يضيف بُعداً اجتماعياً للأزمة، ويجعل من مكافحة الاحتيال مسؤولية تتجاوز الجانب التقني لتصبح قضية تتعلق بالثقة والاستقرار. يعكس هذا التحول مساراً أوسع في عالم التكنولوجيا،
حيث لم يعد التحدي فيما يمكن للأنظمة أن تفعله، بل في كيفية استخدامها ولصالح من. ومع انتقال الاحتيال من استهداف الأنظمة إلى استهداف الإنسان، تصبح الحاجة إلى إعادة التفكير في أدوات الحماية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى،
فالرهان اليوم لم يعد على اكتشاف الهجمات بعد وقوعها، بل على فهم السلوك البشري قبل أن يتحول إلى نقطة ضعف. عبد حمَندي كبير مديري قسم الاستشارات لمكافحة الاحتيال والاستخبارات الأمنية في شركة «ساس» (ساس) التحقق من الهوية لم يعد إجراءً لمرة واحدة بل عملية مستمرة تعتمد على تحليل السلوك مع مرور الوقت (شاترستوك)