هناك سلوك ثقافي عميق يجعل العقل البشري يسكن إلى الجهل ويطمئن به، بينما يتوتر ويضطرب عند المعرفة. وقد قيل قديماً إن «ألا تعرف فأنت آمن»، وهذه حالة تتجلى بوضوح في ردود الفعل تجاه كل ما يستجد من نظريات ومخترعات.

فكل معرفة جديدة تواجه بمواقف حية تدخلها في صراعات وجودية، إذ أن قوة النظرية وحيويتها تنبع من المعارضة التي تلقاها، بينما تموت إن مرت بسلام وقبول.طبيعة الاختلاف والصراع المعرفيمن شروط النظرية الجديدة أن تقدم تفسيراً مختلفاً لظاهرة أو نصوص معينة، سواء كانت علمية أم فلسفية أم نقدية.

وأبرز علامات هذا الاختلاف هو ظهور الخلاف، وكلما زادت حدته تقوت درجات الرفض. غالباً ما يتناسل هذا الخلاف في صورة تآمر أصحاب المهنة ضد المستجد، والحقيقة أنهم يشعرون بأن الجديد يتآمر على مقامهم المعرفي ويخافون فقدان ما استقرت عليه معارفهم.

فالتغير المعرفي ليس مجرد تحول في النظر والمفاهيم، بل هو تغير في السلوك الذهني ونظام الخطاب بأكمله.دروس من التاريخ: من سقراط إلى المعارك الأدبيةتتكشف هنا حالات استجابة صاحب النظرية وردود فعله، وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تاريخ الثقافات. أولها وأقساها كان رد الفعل على مقولات سقراط،

الذي انتهى به الأمر بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغ السخط ذروته في محكمة خضعت لضغط الشارع. وتوالت ردود الفعل على كل نظرية قوية، وفي الثقافة العربية القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى في منتصف القرن العشرين، حيث لم يسلم أديب من هجوم ومنافحة،

وأسفرت عن أدبيات كثيرة وعداوات واستقطابات. ومع انفتاح وسائل التواصل تطورت هذه الظاهرة، فأصبح التعارك ملمحاً بارزاً في العلاقات الثقافية كافة، فتغريدة واحدة تفجر براكين الغضب وتخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني.اللغة سلاح متعدد الوجوهالمعرفة والرأي والفتوى كلها صيغ لغوية،

ودائماً ما ينبع سبب المعارك من الأسلوب نفسه والطريقة التي قيل بها الرأي. وهنا ندرك أن اللغة سلاح ذو وجوه لا تقبل الحصر، ولا تتكشف بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون توتر أو شخصانية. قد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج،

لكن الحقيقة أن كل شأن لغوي هو رد فعل من البداية. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه، وإذا خرج أحس بعنف أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله. ويظل طوال عمره يتعلم العيش خارج رحمه الأول،

في توجس لا يلين إلا عند الدخول في الرحم الختامي للحياة الأخرى.وهنا يحضر قول الشاعر حمزة شحاتة: «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت». فالثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن في تذكر سيئاتهم. هذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.أخيراً،

يجمع البشر بين رغبتين متناقضتين: الجهل راحة واطمئنان، وكشف المحجوب شقاء وصرخة ميلاد. نحن نتطلب الكشوفات المعرفية لكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحة مشاغبة،

إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي لنظل على قلق، وكأن الريح تحته كما قال المتنبي.