تقاطع مشهد الحرب السودانية مرات عدة، آخرها في سبتمبر (أيلول) الماضي، مع خط أنابيب نفط دولة جنوب السودان، المار بالمنطقة الواقعة شمال الحمادي جنوب كردفان،
وأحد خطين يمتدان عبر الأراضي السودانية قاطعاً الأدغال تارة ورمال الصحراء تارة أخرى، وصولاً إلى ميناء بورتسودان. ويُعد هذا الخط أحد الأصول الاستراتيجية وشرياناً اقتصادياً لدولة الجنوب الحبيسة، حيث يقطع آلاف الكيلومترات حتى يصل إلى الميناء على البحر الأحمر نحو الأسواق العالمية.
لكن التهديد الذي يتعرض له في أكثر من موقع داخل الأراضي السودانية، يفتح الباب على أسئلة تتعلق بالتصعيد وتبادل الاتهامات بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع"، كون الخط يتجاوز مساره الطبيعي الداخلي ليصبح أحد الأهداف المؤثرة في علاقات البلدين، بل إن هذه الأحداث تلفت إلى استخدام النفط وبنيته الأساسية كأداة ضغط ومساومة على تأمين المنطقة.
تعرضت أجزاء من خط الأنابيب ومنشآت تابعة له مثل محطات الضخ لأضرار مادية مباشرة وحرائق وتسربات وخسائر في الأرواح، إضافة إلى الآثار الاقتصادية إذ إن جوبا تعتمد في جزء كبير من موازنتها على استمرار تصدير الخام، مما ينعكس على العائدات. ويأتي هذا التطور مع تحول ولايات كردفان إلى ميادين كر وفر بين قوات الجيش و"الدعم السريع"،
كما يكشف عن محدودية خيارات دولة جنوب السودان التي لا تزال تعتمد على صادرات نفطية تمر عبر بنية تحتية تتعرض لضربات مباشرة ومتأثرة، في الوقت ذاته، بتداعياتها. وكما هي الحال في المنشآت الاقتصادية الكبرى في السودان التي تستلزم تعاوناً واسع النطاق بين الجهات الرسمية والشركات الخاصة لحمايتها،
ولا سيما أنها ظلت تتعرض للأخطار خلال حروب السودان السابقة، فإن الحرب الحالية زادت وتيرة الأخطار وحولتها إلى تهديدات تستدعي تعاوناً على مستوى أكبر، غير أن هذا المطلب نفسه سيكون رهيناً بإزالة أية خلافات بين الدولتين، وتحييد المشاريع المشتركة وفي مقدمتها خط الأنابيب.
واقع متغير منذ إعلان انفصال جنوب السودان إلى دولة مستقلة عام 2011، ذهب نحو 75 في المئة من النفط إلى دولة الجنوب، وتغير وفقاً لذلك الواقع النفطي، إذ أصبح القطاع يمثل العمود الفقري للاقتصاد في الدولة الجديدة بقرابة 98 في المئة من إجمال الإيرادات الحكومية،
و60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وأصبح المصدر الرئيس للنقد الأجنبي. ومع ذلك، ظل يحيط بمعظم الأصول الإنتاجية على تخوم حدود الدولتين،
عدم الاستقرار السياسي والنزاعات. وعلى رغم أن جنوب السودان تمتلك كمية كبيرة من احتياطات النفط المؤكدة، تضعها في المرتبة الثالثة في أفريقيا، لكن هذا الإنتاج ظل محاطاً بالقضايا العالقة التي تؤثر مباشرة في الإنتاج النفطي،
إضافة إلى الخلافات حول رسوم عبور النفط. وتطورت في يناير (كانون الثاني) عام 2012 إلى اقتحام الجيش الشعبي التابع لدولة الجنوب لحقل هجليج النفطي. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، حُلّ الخلاف بوساطة دولية بعد التوصل إلى اتفاق في شأن رسوم عبور النفط والتعويض عن الإنتاج المفقود.
ثم عادت الدولة لإنتاج النفط في أبريل (نيسان) 2013، وصدرت أول شحنة نفط من ميناء بورتسودان في يوليو (تموز) من العام نفسه. اتفقت دولتا السودان وجنوب السودان على حماية المنشآت النفطية (أ ف ب) وبحسب تقرير مؤسسة "بيزنس مونيتور إنتليجنس"، وافقت دولة جنوب السودان على دفع 25 دولاراً أميركياً للبرميل،
شاملة رسوم عبور 10 دولارات للبرميل، و15 دولاراً للبرميل لتغطية كلفة سداد الديون المشتركة بين البلدين. ووفقاً لترتيبات لاحقة، أصبحت الحكومة السودانية تحصل على سبعة دولارات عن كل برميل من رسوم العبور،
بينما تحصل "الدعم السريع" على أربعة دولارات وفق شراكة تم الاتفاق حولها لحماية المنطقة. وخلف هذا المشهد كان يدور صراع مكتوم بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه رياك مشار في الكواليس عقب اتهام مشار بالترتيب لمحاولة انقلابية، فاندلعت على إثر ذلك حرب أهلية عام 2013، ثم تبعها عام 2014 انخفاض في أسعار النفط،
أدى إلى عجز في عائدات التصدير والتأثير في اقتصاد الدولة الوليدة. وزاد من هذه التعقيدات اختلاف سعر خام "دار" الذي ينتج في جنوب السودان، ويباع بخصم أكبر من سعر خام برنت. سلسلة هجمات توقف مرور النفط طوال عام 2024 بسبب استيلاء قوات "الدعم السريع" على منشآت نقل الخام إلى البحر الأحمر.
وأعلنت وزارة الطاقة والنفط السودانية حال القوة القاهرة بعد توقف الخط عن العمل بسبب تجمد النفط داخل خط الأنابيب، إثر السيطرة على محطتي ضخ في ولاية النيل الأبيض وشرق ولاية الخرطوم في منطقة الجيلي، وكان ذلك في فبراير (شباط) من العام نفسه. كذلك،
نفذت "الدعم السريع" هجوماً بطائرات مسيّرة على منشآت نفطية عدة، من بينها هجمات بطائرة مسيّرة على محطات الكهرباء مما تسبب في انقطاع التيار عن المحطات البحرية واندلاع حرائق في مستودعات النفط في مدينة بورتسودان في مطلع مايو (أيار) عام 2025، فأبلغت الحكومة السودانية نظيرتها في جنوب السودان بإغلاق خط الأنابيب الناقل للنفط، في محاولة للسيطرة على آثار الحادثة،
ولا سيما أن أنابيب النفط التي تحمل مواد قابلة للاشتعال، تصلح لأن تكون هدفاً مكرراً وعلى طول الطريق الطويل الذي يمر في نقاط منه بمناطق مأهولة بالسكان. ثم نفذت "الدعم السريع" هجوماً آخر على مستودع للوقود بولاية النيل الأبيض في الـثامن من مايو 2025، وهجوم على منطقة الهودي شرق مدينة عطبرة بولاية نهر النيل في التاسع من مايو.
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وبعد مضي أكثر من عامين على الحرب، تحديداً في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، اتفقت دولتا السودان وجنوب السودان على حماية المنشآت النفطية بما فيها خطوط الأنابيب الناقلة لنفط دولة الجنوب إلى ميناء بورتسودان. وركزت الدولتان خلال بيان مشترك على ضرورة معالجة التحديات التي تواجه قطاع النفط بالتعاون في مجالات مكافحة الهجمات وتبادل المعلومات الأمنية وتعزيز أمن الحدود لضمان استمرار التصدير الذي استؤنف في العام نفسه،
وتدارك الضرر الذي وقع على الدولتين، خصوصاً جنوب السودان جراء سلسلة من الهجمات وتعطيل الإنتاج. وقبل أن يرى الاتفاق النور، سيطرت "الدعم السريع" مرة أخرى على منشأة مهمة،
وهي هذه المرة منطقة هجليج النفطية في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وتوقفت صادرات خام جنوب السودان مرة أخرى. أسباب الاتهام خلال الأحداث الأخيرة، سارع تحالف "تأسيس" التابع لقوات "الدعم السريع" إلى اتهام الجيش السوداني بقصف الخط الناقل لنفط جنوب السودان. ويمكن أن يكون لهذا الاتهام أسباب عدة،
الأول سبب مقرون ببعد هذا الاتهام من الواقع المنطقي بعد هجمات متكررة على خطوط الأنابيب والمنشآت النفطية نفذتها "الدعم السريع" وحمّلها الجيش مسؤوليتها كاملة، إضافة إلى عدم تواؤم هذا الاتهام مع طبيعة العلاقة الحالية بين الخرطوم وجوبا، حتى لو صبت في معين المصالح المشتركة من منظور براغماتي. فيستبعد أن تقوم الحكومة السودانية بإطلاق الرصاص على قدميها والبلاد تمر بمثل هذه الظروف والأزمات،
على رغم أنها وجهت عتاباً ضمنياً لجوبا بمحاباة "الدعم السريع" أو تأييده في بعض المواقف. والسبب الثاني، حينما دعا تحالف "تأسيس" المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية إلى إدانة ما وصفه باعتداءات الجيش، وأن ذلك يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني،
للضرر الواقع على دولة جنوب السودان، فإنه يحاول تأليب المجتمع الدولي على الجيش، وتصويره بأنه المهدد للسلم والأمن في المنطقة، وفي الوقت ذاته تحويل المسؤولية عن "الدعم السريع" لكسب صوت إذا استجاب المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية بإدانة الجيش.
نفذت "الدعم السريع" هجوماً بطائرات مسيّرة على منشآت نفطية عدة (أ ف ب) أما السبب الثالث، فتحاول "الدعم السريع" كما قال المتحدث باسم تحالف "تأسيس" أحمد تقد لسان، تصوير القوات بأنها سلطة موازية للجيش، حين أعلن أن القوات تعمل على حماية العاملين في المنشآت النفطية وتأمينها.
وجاء ضمن تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة في أكتوبر عام 2024 حول عملية السلام في دولة جنوب السودان، أن هناك اتفاقاً بين الدولتين للتفاوض على رسوم النفط، وقال إن الجيش سعى إلى إعادة التفاوض على الرسوم التي تدفعها جنوب السودان مقابل استخدام البنية النفطية، وأن ممثلي "الدعم السريع" طالبوا أيضاً بحصة من صادرات النفط المستأنفة.
وبذلك تحاول قوات "الدعم السريع" إقناع دولة جنوب السودان، أن أي ترتيب لتأمين صادراتها النفطية لا يجب أن يكون بمعزل عنها، خصوصاً أنه عندما تعطلت خطوط النفط حدث تنسيق بين جوبا و"الدعم السريع" لحماية جزء من خط الأنابيب الواقع تحت سيطرتها. توقعات محتملة على رغم تاريخ الحرب الطويلة بين السودان وجنوبه التي انتهت بـ"اتفاق نيفاشا" 2005،
وأفضى بدوره إلى الانفصال، فإن البلدين تجمعهما قضايا مشتركة عالقة منذ عام 2011. وكل الحلول التي نوقشت لوضع حد لهذه القضايا تأخذ مسارين متقاطعين، إما حل شامل أو عودة للحرب.
وربما آثر كل منهما الابتعاد من ذلك بفعل عوامل أهمها الحرب المستمرة في السودان والنزاعات الأهلية في دولة جنوب السودان، وما نتج منها من أزمات مضاعفة. تحاول قوات "الدعم السريع" إقناع دولة جنوب السودان بإدخالها في أي ترتيبات أمنية تخص النفط (أ ف ب) وما يحدث الآن هو أشبه بتجميد هذه القضايا والاستعاضة عن وضع نهايات لها باتفاقات في نسخة أخف تمثلت في اجتماعات "الآلية السياسية والأمنية المشتركة" التي عادت لنشاطها منذ أغسطس (آب) الماضي. وبالنظر إلى تركيز هذه الاجتماعات على أهم القضايا المشتركة وهي عدم اتخاذ إجراءات أحادية في منطقة أبيي الغنية بالنفط،
وتعزيز أمن الحدود، والتعاون في شأن النفط وخطوط التصدير، يتضح أن المصالح الاقتصادية المشتركة قد تكون رافعة للعلاقات بين البلدين على رغم عدم الاستقرار السياسي، وتجسدت في هذه البنود المتداخلة،
وبقدر أقل مناقشة بنود اللاجئين والتجارة وحركة المواطنين والمجتمعات الحدودية في مناطق الرعي. ومع ذلك، فإن هذا النوع من التهدئة وعدم التصعيد بين البلدين، على رغم محاولات "تحالف تأسيس" و"الدعم السريع" استثارة الجانبين،
قد يكون محكوماً بمدى زمني، خلال هذه الفترة التي تستعد فيها حكومة جنوب السودان للانتخابات في ديسمبر المقبل. وهي فترة تنتظرها دولة جنوب السودان بمزيد من التوجس، لما قد يصاحبها من عنف تحركه الإثنيات المسلحة والخلافات الناشئة نتيجة تداخل السلطة والهوية الإثنية والفساد وضعف مؤسسات الدولة.
هناك احتمالان متوقعان، الأول، أن يكون التطور إيجابياً في علاقات البلدين نتيجة للمصالح المشتركة، وعدم مقدرة جوبا الاتجاه نحو الاستغناء عن الأراضي السودانية لمرور نفطها،
بسبب افتقارها إلى البنية التحتية اللازمة للتكرير ومعالجة مزيجي خام "النيل" و"دار"، لغاية الوصول إلى خطتها في مسارات أخرى مثل ميناء لامو الكيني. والثاني، أن تصل دولة جنوب السودان إلى مرحلة تكون مضطرة فيها إلى التعامل مع قوات "الدعم السريع"،
من واقع سيطرتها ووجودها العسكري في جزء من المناطق التي يمر بها النفط. وستتجاوز المسألة قضية أنبوب النفط إلى الشرعية والسيادة، مما يرسخ تقسيم السلطة في هذه المنطقة، خصوصاً عند استعداد "الدعم السريع" تقديم تنازلات في القضايا التي يتمسك بها السودان.