لم تقتصر تداعيات الحرب في السودان على الأبعاد الأمنية والإنسانية، بل امتدت لتحدث تحولات جوهرية في البنية النقدية والمالية، لا سيما في المناطق التي شهدت تراجعاً في حضور مؤسسات الدولة وتعطلاً في النظام المصرفي. برزت ولاية غرب دارفور بوصفها إحدى أكثر المناطق تأثراً بإعادة تشكيل أنماط التداول النقدي،

مع انتقال الأسواق تدريجاً إلى الاعتماد على عملة أجنبية أكثر استقراراً، في استجابة مباشرة لتدهور قيمة العملة المحلية وانكماش السيولة واتساع النشاط التجاري عبر الحدود. في ظل الحرب وتآكل الاقتصاد وتدهور النظام المصرفي، فرضت قوات "الدعم السريع" واقعاً نقدياً بديلاً في مناطق سيطرتها باعتماد الفرنك الأفريقي (التشادي) في التعاملات التجارية والمالية اليومية.

ويعكس هذا التحول تغيراً أعمق في سلوك الأسواق خلال الحرب، إذ تميل الأنشطة الاقتصادية إلى البحث عن أدوات نقدية توفر قدراً أعلى من الاستقرار، وتحافظ على القوة الشرائية، وتخفض أخطار تقلبات أسعار الصرف.

كذلك يؤدي هذا الواقع إلى نشوء منظومة مالية موازية تتداخل فيها التجارة الحدودية مع آليات التسعير المحلية، بما يعيد توزيع مراكز النفوذ الاقتصادي ويؤثر في كفاءة الأسواق وآليات انتقال الأسعار. وفي ظل استمرار الانقسام النقدي، لم يعد التحدي يقتصر على تقلبات أسعار الصرف،

بل امتد إلى اتساع الفجوة بين المعاملات النقدية والإلكترونية، بما أوجد أسعاراً متعددة للسلعة الواحدة تبعاً لوسيلة الدفع، وأضعف كفاءة السوق وشفافية التسعير. وفي الوقت ذاته،

أسهمت هذه التحولات في نقل جزء من النشاط الاقتصادي إلى منظومة نقدية عابرة للحدود، ترتبط بدرجة أكبر بحركة التجارة الإقليمية مقارنة بالمؤسسات المالية المحلية. سوق نقدية تعود جذور الفرنك الأفريقي المعروف باسم "الكيت"، إلى ديسمبر (كانون الأول) 1945،

عندما وقعت فرنسا "اتفاقية النقد الدولية"، وأنشأت عقب الحرب العالمية الثانية عملة موحدة لمستعمراتها في أفريقيا "فرنك المستعمرات الأفريقية الفرنسية"، بهدف توحيد النظام النقدي وربط اقتصادات تلك الأقاليم بالاقتصاد الفرنسي. ومع حصول الدول الأفريقية على استقلالها في ستينيات القرن الماضي،

استمرت غالبية هذه الدول في استخدام العملة ضمن ترتيبات نقدية مشتركة، بينما اختارت دول أخرى الانسحاب أو اعتماد عملات وطنية قبل أن يعود بعضها لاحقاً إلى منطقة الفرنك. وانقسم النظام النقدي إلى منطقتين منفصلتين، الأولى تضم دول غرب أفريقيا،

والثانية دول وسط أفريقيا، ولكل منهما بنك مركزي مستقل وإصدارات نقدية خاصة، على رغم تساوي قيمة العملتين وارتباطهما بسعر صرف ثابت مع اليورو، مع عدم جواز تداول كل عملة خارج منطقتها النقدية.

وعلى مدى عقود، ظل الفرنك الأفريقي محوراً للجدل السياسي والاقتصادي بسبب استمرار ارتباطه بفرنسا، قبل أن تبدأ إصلاحات تدريجية لتقليص الدور الفرنسي، تزامناً مع طرح مشروع العملة الإقليمية "إيكو"،

الذي لم يدخل حيز التنفيذ بصورة كاملة. أنشأت فرنسا عقب الحرب العالمية الثانية عملة موحدة لمستعمراتها في أفريقيا بهدف توحيد النظام النقدي وربط اقتصادات تلك الأقاليم بالاقتصاد الفرنسي (أ ف ب) في غرب السودان، لم يكن الفرنك جزءاً من النشاط الاقتصادي اليومي قبل الحرب، واقتصر تداوله على عمليات محدودة في أسواق الصرف الحدودية.

إلا أن اندلاع الحرب غيّر هذا الواقع، مع تعطل النظام المصرفي واتساع التجارة مع تشاد وتزايد الاعتماد على الواردات القادمة عبر المعابر الحدودية، مما أدى إلى انتقال الفرنك التشادي تدريجاً من سوق الصرافة إلى الأسواق المحلية. وبات الفرنك يستخدم في شراء السلع وتسوية المعاملات التجارية وتحديد الأسعار،

بل وتحول إلى أداة لحفظ القيمة في ظل التراجع الحاد للجنيه السوداني. ومع تنامي الطلب عليه، نشأت سوق نقدية أكثر تعقيداً، تعرف باسم سوق "الكتكت" لتداول العملات بمدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور،

تعددت فيها أسعار الصرف وفق وسيلة الدفع، وأصبحت حركة الفرنك مرتبطة بحجم التجارة الحدودية والمضاربات المحلية. عوامل متداخلة أرجعت الباحثة في الاقتصاد مريم صلاح، صعود الفرنك الأفريقي في مناطق سيطرة "الدعم السريع" غرب دارفور إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والمؤسسية والأمنية المتداخلة،

مؤكدة أن الظاهرة تعكس تغيراً في سلوك السوق أكثر من كونها مجرد تقلب في أسعار الصرف. وقالت إن انهيار النظام المصرفي وخروج البنوك عن الخدمة أفقد الاقتصاد المحلي قنواته الرسمية للحصول على السيولة وإجراء المدفوعات، مما دفع الأسواق إلى البحث عن بديل عملي للتعاملات اليومية. وأضافت أن تراجع الثقة في السياسة النقدية وعجز البنك المركزي عن حماية القوة الشرائية للجنيه والسيطرة على التضخم واستقرار سعر الصرف،

دفع المتعاملين إلى تفضيل عملة تتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار. وأشارت الباحثة إلى أن ارتباط الفرنك الأفريقي باليورو منحه مصداقية أكبر لدى التجار، وجعله أقل عرضة للتقلبات الحادة، الأمر الذي عزز استخدامه في التسعير وحفظ القيمة.

وأوردت أن اتساع التجارة الحدودية مع تشاد واعتماد جزء كبير من الواردات على الأسواق المجاورة، رفعا الطلب الطبيعي على الفرنك كونه العملة المستخدمة في تسوية المدفوعات التجارية. ولفتت صلاح إلى أن تراجع السيادة النقدية للدولة في مناطق النزاع أفسح المجال أمام نشوء نظام نقدي مواز تديره قوى السوق، في ظل غياب الدور التنظيمي للمؤسسات المالية الرسمية،

وتراجع قدرة الدولة على فرض سيادتها النقدية داخل أجزاء من أراضيها، وتزايد اعتماد المجتمعات المحلية على شبكات اقتصادية عابرة للحدود. كذلك وجود مقاتلين وشبكات لوجستية عابرة للحدود أسهم في زيادة تداول الفرنك كونه العملة المشتركة في المعاملات المرتبطة بالنقل والإمداد والخدمات، إضافة إلى اتساع فجوة المعلومات وما يعتري سكان المنطقة من معاناة اقتصادية وعدم استقرار وإحباط،

كل ذلك دفع الأفراد والتجار إلى تجنب الأصول الأعلى مخاطرة، واللجوء إلى عملة أكثر استقراراً نسبياً. وترى الباحثة الاقتصادية أن تغير مسارات التجارة والإمداد نحو الأسواق الإقليمية، إلى جانب المضاربات في سوق الصرف،

سرعا من ترسيخ الفرنك كعملة متداولة في الاقتصاد المحلي. استعادة السيادة النقدية تتطلب إعادة بناء المؤسسات المالية وإحياء القطاع المصرفي (اندبندنت عربية - حسن حامد) اتساع الفجوة يعتقد الكاتب عصام بشير أن اتساع استخدام الفرنك الأفريقي لم يعد مجرد تحول في وسيلة الدفع، بل أصبح عاملاً يعيد تشكيل توزيع الدخل والثروة داخل الاقتصاد المحلي. وقال إن أكبر المستفيدين هم التجار الذين يمتلكون قنوات مباشرة للحصول على العملة عبر الحدود،

بينما يتحمل أصحاب الدخل المحدود كلفة تراجع قيمة العملة المحلية، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين الفئات القادرة على الوصول إلى النقد الأجنبي وتلك التي تعتمد على مدخول بالجنيه. وأوضح أن انتقال التسعير إلى الفرنك رفع أخطار تقلب الأسعار، إذ أصبحت أسعار السلع تتغير تبعاً لتحركات سوق الصرف،

الأمر الذي انعكس على تكاليف الغذاء والنقل والخدمات، وأضعف القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل الثابت. كذلك فإن تعدد أسعار الصرف ووسائل الدفع زاد من كلفة المعاملات وخلق فرصاً أوسع للمضاربة وتحقيق أرباح استثنائية بعيداً من النشاط الإنتاجي الذي عطلته الحرب. وأشار إلى أن توسع الاقتصاد النقدي الموازي أدى إلى تركز رأس المال تدريجاً في أيدي شبكات التجارة العابرة للحدود،

التي باتت تتحكم في تدفقات العملة والسلع، وهو ما عزز نفوذها الاقتصادي مقارنة بالمنتجين المحليين والمزارعين والرعاة، الذين تآكلت قيمة مدخولهم ومدخراتهم. ومن التطورات كان أن ألزمت "الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية" التي أنشأتها قوات "الدعم السريع" بدلاً عن "مفوضية العون الإنساني"،

في سبتمبر (أيلول) 2025، المنظمات الأجنبية العاملة في الولاية، بدفع المساعدات النقدية للمستفيدين بالفرنك التشادي بدلاً من الجنيه السوداني. وفي ذلك يرى بشير أن اعتماد "الدعم السريع" صرف المساعدات الإنسانية بالفرنك رسخ مكانة العملة في التداول اليومي،

وأضفى عليها دوراً يتجاوز التجارة ليشمل التحويلات والإغاثة. كذلك رجح أن إنشاء "الدعم السريع" بنوكاً مثل بنك المستقبل والبلد والفارض، وهي تعمل خارج المنظومة النقدية الوطنية، يمثل مؤشراً إلى تشكل مؤسسات مالية موازية،

بما يكرس انفصال الدورة النقدية المحلية عن الإطار الرسمي. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ترتيبات موازية يرى الخبير المصرفي النعيم محمد أن مستقبل الفرنك الأفريقي لن يتحدد بعوامل السوق وحدها، وإنما بمآلات الصراع وقدرة الدولة على استعادة احتكارها للسلطة النقدية. ويشير إلى أن استمرار الفراغ المؤسسي سيمنح العملات الأجنبية مساحة أوسع للانتشار،

ليس كونها بديلاً مالياً موقتاً، بل باعتبارها إحدى ركائز النظام الاقتصادي الذي يتشكل في مناطق النزاع. وقال محمد إن استقرار التعامل بالفرنك على المدى المتوسط قد يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد حدودي أكثر ارتباطاً بدول الجوار من ارتباطه بالمركز، حيث تتكيف سلاسل الإمداد وأنماط الاستثمار وحركة رؤوس الأموال مع المجال الاقتصادي الإقليمي،

بما يجعل العودة إلى العملة الوطنية أكثر كلفة وتعقيداً حتى في حال تحسن الأوضاع الأمنية. وأضاف أن أخطر ما في هذا المسار ليس تداول عملة أجنبية في حد ذاته، وإنما انتقال وظائف الدولة تدريجاً إلى ترتيبات محلية موازية، تشمل التمويل والتجارة والخدمات المالية،

وهو ما يخلق مصادر جديدة للشرعية الاقتصادية خارج الإطار المؤسسي الوطني. ومع مرور الوقت، قد تتطور هذه الترتيبات إلى شبكات مستقرة تمتلك قواعدها التنظيمية ومصالحها الاقتصادية الخاصة، بما يصعب دمجها مرة أخرى في المنظومة الرسمية.

ويوضح الخبير المصرفي أن أي استراتيجية لاستعادة السيادة النقدية لن تنجح عبر الإجراءات الإدارية أو إصدار عملة جديدة فحسب، بل تتطلب إعادة بناء المؤسسات المالية واستعادة الثقة في السياسة النقدية وإحياء القطاع المصرفي وتأمين حركة التجارة الداخلية وربط الأطراف بالمركز عبر حوافز اقتصادية مستدامة. ويرى أن مستقبل الفرنك الأفريقي سيبقى مرتبطاً بمستقبل الدولة نفسها، فإذا استعادت مؤسساتها قدرتها على إدارة الاقتصاد وفرض قواعد موحدة للسوق،

سيتراجع دوره تدريجاً. أما إذا استمر تراجع أداء المؤسسات، فقد يتحول من حل فرضته الأزمة إلى واقع اقتصادي طويل الأمد يعيد رسم العلاقات بين المركز والأطراف.