لم تكن الطبيعة الاستحواذية للشعر، التي جعلته لا يرضى من الشاعر بأقل من منحه الحياة بكاملها، لتحول دون سعي العديد من الشعراء، إلى تقاسمه مع فنون أخرى كالرواية والرسم والموسيقى والمسرح،
الأمر الذي نجد شواهده، عبر عشرات الأسماء العربية والعالمية. ومع ذلك فإن الإقرار بإمكانية المساكنة بين الشعر وأي من الفنون المماثلة، لا بد أن يصاحبه شعور عميق بالصعوبة غير المأمونة لتلك المهمة،
فضلاً عن أنه لم يحدث لأي من مزدوجي الهوية الإبداعية، أن تربّع على ذروتين متماثلتي الارتفاع، بل أمكن لواحدة منهما فقط أن توصله إلى القمة، في حين تركته الثانية في مكان أقل ارتفاعاً.
إلا أن الأمر يختلف تمام الاختلاف مع النقد، لأن العلاقة بينه وبين الشعر ليست محكومة بالتنافس بل بالتكامل، ولأن هذه العلاقة لا تسبب الانشقاق عن الهوية الأصلية، بل تسهم في تعميقها وتصويبها ومنعها من الشطط.
وسواء تم إدراج النقد الأدبي في خانة العلم، نظراً لما يحكمه من معايير الأخير وقواعده وأدواته، أو أدرجه البعض في خانة الفن، لاتصاله من بعض النواحي بموهبة المشتغل به وذائقته اللغوية والجمالية،
أو وضعه آخرون في منزلة بين المنزلتين، فإن التباين في النظرة إليه لم يمنعه من أن يظل توأم الشعر وحارسه ورديفه. إليوت ومع ذلك فإن الإشكالات المتعلقة بالنقد ووظيفته وجدواه، وعلاقته بالنص الأصلي،
لم تعرف طريقها إلى الخمود، وبخاصة لدى أصحاب «الطبيعتين»، الذين نادوا بالفصل التام بين الشعر والنقد، كما بين مهمة الشاعر ومهمة الناقد،
حيث يعتمد الأول على القلب وبروق الإلهام والإشارات القادمة من جهات الغيب، فيما يعتمد الثاني على العقل وما يستتبعه من مهارات الاستقراء والتحليل، إضافة إلى الثقافة العميقة والموسوعية. ومع وجاهة النظريات التي تربط الشعر بالحدس وعوالم اللاوعي،
وإشراقات القلب والروح، فيما تربط النقد بالعقل والفكر وتحليلات المنطق، فإن هذا التقسيم لا يجب أن يقرأ قراءة مانوية، تفترض وجود حائط صلد يفصل بين القلب والعقل.
وبما أن الإنسان مزود بطبيعته، بعدد من الملكات التي تتكامل حيناً وتتباين حيناً آخر، فإن استسلام الشاعر لجموح اللغة الهذياني في لحظة الإلهام، لا يمنعه حين يثوب إلى صحوه التام،
من أن يقرأ ما تمخضت عنه «سكرته»، بعين المفكر الموضوعي والناقد الحصيف. وبما أن الشواهد على ثنائية الشاعر الناقد أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نتوقف عند التجربة الرائدة لصموئيل تايلور كولريدج،
أحد الرموز البارزة للحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر. فقد عرف الشاعر الإنجليزي كيف يوائم بنجاح، بين ملكة النقد الأدبي وملكته الشعرية الأصيلة، وهو الذي أظهر اهتماماً بالغاً بالوقوف على طبيعة الشعر ومعناه،
والعوامل التي تسهم في تحقُّقه. ولم يقتصر إسهام صاحب «أغنية البحار القديم» على كتابة انطباعات متفرقة عن هذا الفن، بل أصدر مؤلفاً مهماً حول الخيال الشعري، معتبراً أن أسمى القصائد الغنائية وأكثرهاً جموحاً،
تنطوي على منطق خاص بها لا يقل صرامة عن منطق العلم، بل يفوقه صعوبة ودقةً وتعقيداً. كولريدج وإذ استخدم كولريدج ثقافته الفلسفية الواسعة في البحث عن المصدر الذي تُستمد منه المتعة التي تقدمها القصيدة أو النص الشعري، أكد في الوقت ذاته على الدور المؤثر الذي يمكن أن تلعبه الأحلام في تأثيث الشعر بما يلزمه من عناصر التخييل،
مستشهداً بقصيدته «قبلاي خان» التي استلهم مادتها الأساسية من أحد أحلامه، ثم دوّن جزءاً منها بعد الاستيقاظ، قبل أن يقطع عليه أحدهم سبل الاستمرار. أما الشاعر الأميركي الإنجليزي ت.
س. إليوت، فقد استطاع على نحو لافت أن يؤالف بين تجربتيه الشعرية والنقدية، وأن يجعل كلاً منهما رديفة للأخرى لا منافسة شرسة لها.
فصاحب «رباعيات أربع» الذي تحولت قصيدته «الأرض الخراب» إلى أيقونة شعرية للقرن العشرين، استلهمها عشرات الشعراء اللاحقين له، هو نفسه الذي شكّل كتابه «في الشعر والشعراء»، أحد المراجع الأهم للنقد الحديث.
وقد عرض إليوت لمختلف الموضوعات المتعلقة بجوهر الشعر وطبيعته وأغراضه، منذ نشأته الأولى وحتى عصوره المتأخرة، معتبراً أن الغرض الاجتماعي يقع في مقدمة تلك الأغراض، حيث النماذج الشعرية الأكثر قدماً،
كانت تستخدم لغايات سحرية تتصل بتجنب الحسد، أو الشفاء من بعض الأمراض، أو استرضاء الشياطين. وخلافاً لحالتي كولريدج وإليوت،
اللذين أثبتا بأن الشاعر المتفرد يمكن أن يكون ناقداً متفرداً في الوقت ذاته، فإن تجربة البعض ممن وفدوا إلى الشعر من جهة النقد، لم تنجح في إرساء المعادلة نفسها والتوازن إياه. وهو ما نجد شاهده الأمثل في تجربة الناقد الإنجليزي ماثيو آرنولد،
الذي شكل الركيزة الأكثر صلابة للنقد الأدبي في العصر الفكتوري، في حين أن تجربته الشعرية لم تأخذ طريقها إلى التفرد، ولم ترق إلى مستوى معاصريه. ومع أن ثنائية الشاعر الناقد،
قد وجدت نظائر لها في الأدب العربي المعاصر، إلا أن منسوبها في الدائرة العربية، بدا أقل مما هو عليه في الغرب، الأمر الذي تعود بعض أسبابه إلى عجز الفكر العربي عن توليد نظريات نقدية جديدة،
كما حدث له في الماضي، وبعضها الآخر إلى اكتفاء الشعراء العرب منذ القدم، والكبار منهم على نحو خاص، بما زودتهم به شياطين عبقر من شعل الموهبة ونور اللغة القلبية،
تاركين للنقاد والدارسين مهمة السهر على شوارد قصائدهم ونصوصهم، وفق تعبير المتنبي. اللافت رغم ذلك أن معظم الكتاب الذين خاضوا تجربة النقد بنجاح ملحوظ، لم يصيبوا النجاح نفسه حين عمدوا إلى خوض غمار الشعر،
سواء تعلق الأمر بعباس محمود العقاد، الذي بدا الفارق واسعاً بين كتاباته النقدية العالية، وبين منظوماته الشعرية المتكلفة، أو برموز نقدية وأدبية مماثلة،
من طراز ميخائيل نعيمة وجبرا إبراهيم جبرا وسلمى الخضراء الجيوسي وكثر غيرهم. أما القادمون إلى النقد من جهة الشعر، فقد بدا وضع أكثرهم مغايراً تماماً، كما هو حال نازك الملائكة التي بدا كتابها «قضايا الشعر العربي المعاصر» بمثابة المعادل الفكري لتجربتها الشعرية الرائدة.
والأمر نفسه ينطبق على أدونيس، المنشطر على نحو شبه متكافئ بين عقله وقلبه، الذي بدت أعماله الفكرية والنقدية، بمثابة وجه آخر لمنجزه الشعري.
معظم الكتاب الذين خاضوا تجربة النقد بنجاح ملحوظ لم يصيبوا النجاح نفسه حين عمدوا إلى خوض غمار الشعر ومع ذلك فليس ضرورياً أن تعبر متلازمة الشاعر الناقد عن نفسها عبر الكتب والدراسات الأكاديمية والمنهجية، أو أن يترجم الشاعر آراءه في الإبداع الشعري والأدبي عبر كتب ومؤلفات منشورة، أو نظرية متكاملة العناصر، بل يمكن لوعي الشاعر النقدي أن ينعكس في تفاعله العميق مع أسئلة عصره،
وفي رفد المشهد الثقافي المحيط به، بعناصر التجدد والثراء والدينامية الخلاقة. وهو ما بدت تمثلاته واضحة في تسنم العديد من الشعراء المعاصرين، مهمة الإشراف على معظم الصفحات الثقافية في الصحافة العربية اليومية والأسبوعية،
فضلاً عن مواكبتهم النقدية الفاعلة، بشقيها الإيجابي والسلبي، لحركة الحداثة الشعرية، ولمعظم الأعمال الإبداعية التي صدرت في العقود الأخيرة.
كما عبّرت ملكة الشعراء النقدية عن نفسها، من خلال إحاطة أعمالهم ونتاجاتهم الإبداعية، بالقليل من الرضا والكثير من الشكوك. ولعل هذه الميزة بالذات،
هي التي دفعت البعض منهم إلى إعادة النظر بنصوصهم المنشورة، وإصدارها في طبعات مزيدة ومنقحة، فيما عمد آخرون إلى التنصل من أعمالهم المبكرة وحذفها بشكل نهائي.