قد لا يكون أصعب ما تواجهه المرأة بعد إجراء تصوير الثدي بالأشعة (الماموغرام) هو احتمال اكتشاف سرطان الثدي، بل الأيام أو الأسابيع التي تعيشها في انتظار النتيجة. ففي تلك الفترة تختلط المخاوف بالأسئلة، ويتحول كل يوم إلى عبء نفسي قد لا يقل قسوة عن المرض نفسه.

أسابيع انتظار التشخيص واليوم تشير دراسة أميركية حديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يغيّر هذه المعادلة. فبدلاً من أن يقتصر دوره على تحسين دقة اكتشاف الأورام، أصبح قادراً على إعادة تنظيم رحلة المريضة داخل النظام الصحي، بحيث تُمنح النساء الأكثر عرضة للإصابة أولوية التقييم التشخيصي في اليوم نفسه،

بدلاً من الانتظار أياماً، أو أسابيع. وهكذا لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على اكتشاف السرطان، بل قد يسهم في تقليص واحدة من أكثر مراحل رحلة المريضة قسوة: انتظار اليقين.

من التشخيص إلى إدارة رحلة المريضة شهدت الأعوام الأخيرة تطوراً متسارعاً في توظيف الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الماموغرام، وتركزت معظم الأبحاث على سؤال واحد: هل تستطيع الخوارزميات اكتشاف سرطان الثدي بدقة تضاهي دقة استشاري الأشعة أو تتفوق عليهم؟ لكن الدراسة الجديدة، التي أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو (UCSF)،

انطلقت من سؤال مختلف تماماً: ماذا لو استُخدم الذكاء الاصطناعي ليس لاكتشاف السرطان فحسب، بل لتحديد النساء الأكثر عرضة للإصابة فور انتهاء الفحص، بحيث يحصلن على التقييم التشخيصي في اليوم نفسه، بدلاً من الانضمام إلى قوائم الانتظار التقليدية؟

إنه انتقال من استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتفسير الصور الطبية، إلى توظيفه في إدارة رحلة المريضة داخل النظام الصحي. فالغاية لم تعد تحسين دقة التشخيص وحدها، بل تسريع الوصول إلى التشخيص،

وتقليل زمن الانتظار، وتحسين تجربة المريضة منذ اللحظة الأولى. الذكاء الاصطناعي يختصر رحلة تشخيص سرطان الثدي خوارزمية تتنبأ بمن يحتاج إلى الأولوية اعتمد الباحثون على نظام ذكاء اصطناعي يحمل اسم «ميراي» (Mirai)، وهو نموذج طُوِّر لتقدير خطر الإصابة بسرطان الثدي من خلال تحليل صور الماموغرام،

وليس لاكتشاف الورم الظاهر فيها فقط. وحلّل النظام أكثر من 4100 صورة لنساء خضعن للفحص في مستشفى زوكربيرغ سان فرانسيسكو العام. واعتمد «ميراي» على تحليل الأنماط الدقيقة في الصور الشعاعية لتقدير احتمال إصابة كل امرأة بسرطان الثدي، ثم صنّف المشاركات بحسب مستوى الخطورة،

بما يتيح تحديد من يحتجن إلى تقييم تشخيصي عاجل. وبعد تحليل النتائج، حدّد النظام 525 امرأة بوصفهن الأكثر عرضة للإصابة، أي نحو 12.7 في المائة من جميع المشاركات،

فجرى تحويلهن مباشرة إلى الفحوص التشخيصية في اليوم نفسه، بدلاً من إدراجهن في قوائم الانتظار المعتادة. ساعة بدلاً من أسابيع كانت النتائج لافتة. فقد انخفض متوسط الزمن الفاصل بين الفحص الأولي والتقييم التشخيصي لدى النساء اللواتي صنفتهن الخوارزمية ضمن الفئة الأعلى خطورة من عدة أسابيع،

وفق المسار التقليدي، إلى نحو ساعة واحدة فقط. وبذلك أصبحت المريضة قادرة على استكمال التقييم التشخيصي في اليوم نفسه، بدلاً من بدء رحلة انتظار طويلة،

ومليئة بالقلق. ولم يقتصر أثر ذلك على الخطوة الأولى من التشخيص، إذ أظهرت الدراسة أن متوسط فترة الانتظار لإجراء الخزعة لدى النساء اللواتي ثبتت إصابتهن بسرطان الثدي انخفض من أكثر من شهرين إلى أقل من عشرة أيام. ويُعد هذا الفارق مهماً،

لأنه يسرّع تأكيد التشخيص، وبدء العلاج، ويخفف في الوقت نفسه العبء النفسي الذي يرافق فترة الانتظار. وتؤكد هذه النتائج أن قيمة الذكاء الاصطناعي لا تكمن في تسريع تحليل الصور فحسب،

بل في تسريع وصول المريضة إلى الرعاية المناسبة، ففي سرطان الثدي قد يكون اختصار الوقت جزءاً من العلاج نفسه. الذكاء الاصطناعي يعيد ترتيب الأولويات تكشف هذه النتائج عن دور جديد للذكاء الاصطناعي في الطب. فبدلاً من أن يكون مجرد أداة لتحليل الصور الطبية،

أصبح وسيلة تساعد على إدارة الموارد الصحية، وتحديد أولويات الرعاية. فليس من الضروري أن ينتظر جميع المرضى المدة نفسها. وعندما تستطيع الخوارزمية تحديد الحالات الأكثر عرضة للإصابة بدقة،

يمكن للأنظمة الصحية منحها أولوية التقييم، والفحوص التشخيصية، بينما تستمر متابعة الحالات الأقل خطورة وفق المسار المعتاد. وهكذا لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تحسين التشخيص،

بل يمتد إلى تنظيم رحلة المريضة، وتقليل فترات الانتظار، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الصحية. ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في العالم العربي، حيث لا يزال سرطان الثدي أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء. وتشير تقديرات الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC - GLOBOCAN 2022) إلى تسجيل أكثر من 81 ألف حالة جديدة، و35 ألف وفاة بسرطان الثدي سنوياً في دول إقليم شرق المتوسط،

الذي يضم معظم الدول العربية. وفي الوقت نفسه، تستثمر دول عربية عديدة في برامج الكشف المبكر، وبالتوازي مع توسعها في تطبيقات الذكاء الاصطناعي،

والتحول الرقمي في القطاع الصحي. وإذا أثبتت هذه النتائج فعاليتها في دراسات أوسع، وفي بيئات صحية مختلفة، فقد تتيح بناء برامج أكثر كفاءة،

وتمنح الأولوية للحالات الأكثر احتياجاً دون الحاجة إلى زيادة كبيرة في أعداد الكوادر الطبية، أو الأجهزة. ويبقى القرار النهائي بيد الطبيب، لكن الذكاء الاصطناعي قد يساعده على الوصول إلى المريضة التي تحتاج إلى التدخل العاجل في الوقت المناسب.

مستقبل يقاس بتجربة المريضة ظل السؤال الذي شغل الباحثين خلال السنوات الماضية هو: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف سرطان الثدي بدقة أعلى؟ أما هذه الدراسة فتطرح سؤالاً مختلفاً: هل يستطيع أن يجعل رحلة التشخيص أكثر سرعة وأقل قلقاً؟ وربما يكمن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الطب في هذا التحول تحديداً؛ فنجاحه لن يُقاس بقدرته على اكتشاف المرض فحسب، بل أيضاً بقدرته على إعادة تصميم مسار الرعاية الصحية،

بحيث يصل المريض إلى التشخيص والعلاج في الوقت المناسب. وفي نهاية المطاف، قد لا يكون أعظم ما يقدمه الذكاء الاصطناعي أنه يرى الورم قبل الطبيب، بل إنه يختصر الزمن بين الشك واليقين،

ويمنح المريضة فرصة لبدء العلاج في وقت قد يصنع كل الفرق.