تهيمن الأجواء الكابوسية على المجموعة القصصية «ثلاث نساء في غرفة ضيقة»، للروائية والقاصة المصرية هناء متولي، فدائماً هناك حضور للأحلام والكوابيس والرؤى، لكن الكابوسية لا تقف عند ذلك فحسب،
بل تبدو كأسوار تؤطر عوالم البطلات، وشعورهن بالتيه والضياع والتمزق، الذي يصل ببعضهن أحياناً للانتحار، ما يحيل العالم برمته إلى كابوس مفزع لامرأة وحيدة منبتة التواصل مع من حولها.
يبرز ذلك بدءاً من القصة الأولى في المجموعة «سبب مفاجئ للنوم الطويل»، التي تجد فيها البطلة وحيدة وسط ميدان التحرير بالقاهرة، وقد اختفى كل البشر، ولا تجد أحداً تتواصل معه،
فهذا الشعور الكابوسي بالتيه يأخذ أشكالاً مختلفة على مدار بقية قصص المجموعة، ومنها قصة «رسائل الموتى» الحافلة أيضاً بالكابوسية، سواء في طابعها الحلمي، أو عموميتها الوجودية.
المجموعة الصادرة عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، معنية بالتجريب الفني، واللعب مع اللغة والعالم، وتتجلى ذروة هذا اللعب والتجريب في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها،
إذ إنها تجعل من الكاتب المصري الراحل محمد البساطي شخصية سردية وبطلاً داخل القصة، وصراعه مع ثلاث نساء «فردوس، وسعدية، وليلى»،
وهن بطلات أعماله الروائية: «فردوس» و«بيوت وراء الأشجار» و«ليال أخرى»، فالبطلات صرن شخصيات حقيقية، واصطدن الكاتب إلى غرفة فندق، ويحاكمنه على ما رسمه لهن من حيوات ومصائر في رواياته،
ويأمرنه بتغيير نهاياتها، وتحويل مصائرهن من فلاحات منحرفات إلى مصائر أخرى. سعدية تريد أن تصبح فنانة مشهورة، وليلى ترغب في أن تسافر خارج البلاد،
وفردوس تتمنى أن تصبح ثرية ومشهورة، تكفيراً عن ذنبه فيما صنعه لهن من مصائر، ويحاول هو الإفلات من ذلك، بحبسهن في رواية جديدة عنوانها «ثلاث نساء في غرفة ضيقة».
الكاتبة، في هذه القصة، كما في المجموعة كلها، تنطلق من دافع نسوي واضح،
إذ تحاول تفخيخ السردية الذكورية عن النساء، عبر انتقاء ثلاث شخصيات نسائية، مخلوقات من خيال رجل، وتمنح كل منهن صوتاً لتحاكم ذلك الخيال وصاحبه،
ومحاولة تغيير مصائرهن المشيدة من جانبه، وأن تملك كل منهن مصيرها وتصنعه بنفسها، رغماً عن الكاتب، الذي أصبح هو الآخر - بدوره - شخصية ورقية حبيسة داخل قصة الكاتبة المرأة،
وقد انتزعت منه سلطة الحكي، وأزاحته إلى موقع المحكي عنه، المصوغ من قبل مؤلفة العمل، وهو نفس الموقع الثقافي الذي عانت منه النساء الثلاثة.
تتكئ القصص كثيراً، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تقنيات المسرح، مستعيرة منه كثيراً من مفرداته وآلياته،
وذلك في أكثر من قصة، وربما كان أكثرها وضوحاً في قصة «دموع الكراميل»، التي يحضر فيها البناء المسرحي منذ بدايتها وبشكل معلن، تقول مخاطبة القراء الضمنيين: «قبل أن تقرأوا تخيَّلوا أنَّكم أمام خشبة المسرح،
الأحداث تدور هنا والآن وليس هناك وآنذاك»، ثم تبدأ بتقديم شخصيات النص، وعقب ذلك تقسم القصة بنائياً إلى خمسة مشاهد، تبدأ بمشهد امرأة تتلقى العزاء في وفاة زوجها،
ثم تعود المشاهد الأربعة عبر تقنية الاسترجاع إلى تفاصيل موته على يد زوجته، عقاباً له على استهزائه الدائم بها، وخصوصاً سخريته منها أمام أصدقائه من أنها فشلت في الإنجاب. وكان واضحاً في هذه القصة جعل الشخوص كلهم بلا أسماء،
بل مجرد صفات ووظائف، وكذا تعمية المكان والزمان، بل مجرد ديكور منزل على النمط الأوروبي، وهذه دوال على أن بنية الحكاية ذات طبيعة تكرارية،
عابرة للثقافات والبلاد والأزمنة، وما تعنيه المرأة بشكل عام من صلف ذكوري، قد يدفعها لانتقام عنيف لم تفكر فيه يوماً. كما يتكرر هذا اللجوء إلى التقنيات المسرحية في قصة «الخامسة مساء»،
ويكون الفضاء المسرحي/ السردي أيضاً منزل الزوجية. تعتمد كثير من قصص المجموعة على تقنية الرسائل، خاصة بين الأحياء والموتى، ففي قصة «رسائل الموتى» تنتظر أم رسائل من طفلها الذي مات،
وتظل تسأل عن رسائل أرسلها لها، حتى تأتيها إشاراته، وفي قصة أخرى ترسل امرأة رسائل لشقيقتها المتوفاة عن متاعبها مع الحمل والولادة، واكتئاب ما بعد الولادة،
حتى وصل بها الحال إلى قتل طفلتها الرضيعة بعد أربعين يوماً من ولادتها، حتى لا تقدم للعالم امرأة أخرى تعاني ما عانته هي مع الحياة. وفي قصة «فتار الباي بولار» تكتب البطلة الميتة رسائل عن معاناتها مع مرض «الاضطراب الوجداني ثنائي القطب» أثناء حياتها، وما دفعها للموت،
دون تحديد مرسل إليه بعينه، فليس مهماً من المقصود بالرسالة، وربما يكون العالم كله، فالأهم هو مضمونها المراد الإبلاغ عنه والتعريف به.
تدور كل قصص المجموعة، تقريباً، حول نساء وحيدات، يعانين الخذلان من الحبيب أو الزوج،
حتى لو كان إنساناً آلياً مبرمجاً بالذكاء الاصطناعي، كما فعلت بطلات إحدى القصص لتتفادى خيانة الرجل، لكن هذا الذكر الآلي خانها أيضاً مع جارتها. وتظل الأنثى تعاني،
حتى لو تحولت في حيوات أخرى إلى ضفدع أو عصفور، كما في قصة «أرواح قلقة لفتاة شفافة»، حيث تسعى البطلة مع كل حياة افتراضية جديدة إلى أن تتحول إلى كائن مختلف، لكنها في الآخر تظل أنثى،
لذا تظل فريسة للقهر. ولا فارق أيضاً إذا كانت مثقفة أو كاتبة، فهو نفس ما عانته بطلة قصة «أقراص المنوم الخمسة» التي راحت ضحية رهان مع كاتب رجل. الثيمة الأخرى المهيمنة على المجموعة هي الأمومة المجهضة بطرائق شتى،
سواء عبر عدم قدرة بعض البطلات طبياً على الحمل والإنجاب، أو إجهاضهن أثناء الحمل، أو في مرات أخرى عبر قتل الطفل عقب ولادته، لأنه يعاني أمراضاً غير قابلة للعلاج،
فضلاً عن حضور الموت بشكل كثيف، فبطلات المجموعة غالباً في حالة موت مادي، أو رمزي، مما يجعل الموت مصيراً نهائياً تواجهنه المجموعة،
بعد فشل كل محاولاتهن لمجابهة العالم ومقاومة قسوته. يعانين الخذلان من الحبيب أو الزوج، حتى لو كان إنساناً آلياً مبرمجاً بالذكاء الاصطناعي