افتتح كيفين وارش ولايته رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بإحداث تغيير جذري في أسلوب عمل البنك المركزي وطريقة تواصله مع الأسواق، واضعاً بصمته منذ الاجتماع الأول للجنة السوق المفتوحة، في خطوة تمثل بداية مرحلة جديدة في السياسة النقدية الأميركية.وأجرى وارش تعديلات واسعة على بيان السياسة النقدية، إذ اختصر صياغته وامتنع عن تقديم توقعاته الشخصية لمسار أسعار الفائدة،
وأعلن تشكيل خمس مجموعات عمل لمراجعة آليات عمل الاحتياطي الفيدرالي، تشمل أساليب التواصل ومنهجيات تحليل الاقتصاد وإعداد التوقعات. لكنه ترك الأسواق من دون إجابات واضحة عن السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يقرأ رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد الاقتصاد الأميركي، وما المسار الذي سيتبعه في تحديد أسعار الفائدة؟غياب الإجابات عن مستقبل السياسة النقديةخلال المؤتمر الصحافي،
تجنب وارش مراراً الإجابة عن أسئلة تتعلق بمستقبل السياسة النقدية، وما إذا كانت أسعار الفائدة الحالية مقيدة للنشاط الاقتصادي، أو مصير مخطط النقاط الذي يعكس توقعات أعضاء البنك المركزي، مكتفياً بالقول إن مجموعة عمل ستدرس ذلك.
لكنه كان حاسماً في نقطة واحدة: مكافحة التضخم ستكون الأولوية المطلقة، مؤكداً أن الأعضاء ملتزمون بإجماع واضح بإعادة التضخم إلى مستهدف 2%. وعندما سئل مباشرة عن رفع الفائدة، اكتفى بالقول إن الاجتماع المقبل سيكون بعد ستة أسابيع.ويعد قرار إلغاء التوجيه المستقبلي،
الذي كان يوفر إشارات للأسواق حول الاتجاه المحتمل للسياسة النقدية، أحد أبرز التحولات. وامتنع وارش عن تقديم توقعاته الشخصية ضمن التقديرات الاقتصادية، مما ألغى أداة استخدمها الرؤساء السابقون لتوجيه توقعات المستثمرين.زيادة حالة عدم اليقينأدى هذا النهج إلى زيادة عدم اليقين،
خاصة مع انقسام أعضاء اللجنة حول مسار أسعار الفائدة: نصفهم يرى ضرورة الإبقاء على المستويات الحالية حتى نهاية العام، بينما يؤيد النصف الآخر رفعها. وسارعت الأسواق إلى تفسير رسائل وارش على أنها تميل إلى التشدد في مواجهة التضخم، لترتفع احتمالات رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى أكثر من 50%،
مقارنة بنحو 30% قبل الاجتماع.ويرى محللون أن رفض تقديم وعود مسبقة أمر مفهوم، لكن الأسواق تحتاج إلى فهم الإطار الفكري الذي يستند إليه البنك المركزي عند اتخاذ قراراته، وهو ما لا يتعلق بإعطاء إشارات مسبقة بل بتوضيح منهجية التفكير. ويشير مراقبون إلى أن البنوك المركزية الكبرى الأخرى تشرح بشكل مفصل الأسس التي تبني عليها قراراتها،
وهو النهج الذي اتبعه الرؤساء الثلاثة السابقون للاحتياطي الفيدرالي.تبسيط لغة البنك المركزيفي المقابل، رأى بعض المحللين أن وارش نجح في تبسيط لغة البنك المركزي، بعد أن أصبحت البيانات السابقة مليئة بالعبارات المتكررة. ووصف أحد مسؤولي الاستثمار الاجتماع بأنه يمثل بداية عصر جديد للسياسة النقدية،
معتبراً أن تقليل حجم الرسائل قد يسهم في خفض تقلبات الأسواق إذا عزز ثقة المستثمرين في التزام الاحتياطي الفيدرالي بمهمته الأساسية.ومع ذلك، لا يزال كثير من الاقتصاديين غير قادرين على تصنيف وارش بوضوح؛ فعضوياً عُرف بتشدده في مكافحة التضخم، بينما دعا العام الماضي إلى خفض أسعار الفائدة، مما يترك الأسواق في حيرة.
ويرى بعضهم أن المفاجأة قد تكون في تشدد أكبر مقارنة بسلفه، متوقعاً بدء دورة جديدة من رفع الفائدة اعتباراً من ديسمبر المقبل. ويعتقد آخرون أن تأثير رئيس الاحتياطي الفيدرالي يبقى محدوداً أمام لجنة ذات حقوق تصويت مستقلة, وأن وارش سيحتاج إلى بناء توافق داخلي قبل فرض رؤيته بالكامل.ويتمثل التحدي الحقيقي أمام وارش في تحويل الوعود التي أطلقها قبل توليه المنصب إلى سياسة نقدية تحظى بثقة أعضاء اللجنة وتحافظ على استقلالية البنك المركزي، إذ لا يستطيع فرض قراراته منفرداً بل عليه إقناع الأعضاء تدريجياً.
يظهر المؤتمر الصحافي لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» على شاشة في بورصة نيويورك (أ.ب)