دفع التفشي الهائل للمخدرات الذي لامس العصب الحي للمجتمع السوداني وسط الشباب من الجنسين، إلى تنفيذ مبادرات توعوية بأخطار المخدرات في عدد من مدن البلاد تستهدف الحد من انتشارها، بخاصة في أعقاب التزايد اللافت لظاهرة التعاطي، كذلك كشفت حملات الأجهزة الأمنية عن قفزات كبيرة في حجم المضبوطات خلال الفترة الماضية.

ودخل دراميون وفنانون على خط مواجهة آفة المخدرات والحد من انتشارها من خلال توظيف المسرح والأعمال الفنية في تقديم رسائل تستهدف رفع الوعي بأخطار الإدمان وتفعيل دور الأسر والمجتمع في الوقاية منها، إذ شهدت مدن الدامر وعطبرة والكاملين وعدد من المناطق في ولاية الجزيرة أنشطة مكثفة لتعزيز دور الفنون في الحد من أخطار إدمان المخدرات وسط الشباب. ويشارك في مبادرة "وعينا يحمينا" نجوم الدراما والكوميديا، عبدالرحمن الشبلي وطارق البحر وإبراهيم كوميك ومحمد صديق وطارق جيبو وخوجلي هاشم وعبدالعظيم عبدالباسط وجعفر الباشا،

والمخرج الطيب صديق والشاعر قاسم أبوزيد والفنان الخير أحمد آدم. حراك مجتمعي في السياق يقول المخرج الطيب صديق إن "المبادرة تهدف إلى إطلاق حراك مجتمعي لتعزيز الوعي بأخطار المخدرات، وتفعيل دور الأسرة والمجتمع في الوقاية منها عبر رسائل توعوية تقدم من خلال أنشطة فنية وثقافية وتفاعلية تستهدف الشباب والأسر"، وأضاف "صممنا برنامجاً توعوياً ليكون قريباً من الناس في الأسواق والميادين والأندية،

إذ نمزج بين الفن المسرحي والغناء والأنشطة الرياضية، إلى جانب المحاضرات الطبية التي تقدم للجمهور نماذج للتعريف بالمخدرات الوافدة حديثاً على المجتمع بمشاركة أطباء وفنانين ورموز مجتمعية". وأوضح صديق أن "القائمين على المبادرة يأملون في أن تسهم في حماية الشباب، وتمثل بداية لعمل مجتمعي مستدام للحد من انتشار المخدرات في مدن ومناطق السودان كافة".

تجربة قاسية اشتملت الفعاليات على شهادات حية لامست مشاعر الحاضرين، إذ روى أحد المتعافين من الإدمان تجربته القاسية أمام الجمهور قائلاً "خضت تجربة مريرة مع مخدر ’الآيس‘، وعشت فترات مظلمة، وعانيت خسارات فادحة أسرياً ومهنياً واجتماعياً".

وأشار الشاب الذي تعافي من الإدمان إلى أنه "فقد الثقة في نفسه، وبات يراوده شعور قاسٍ يمنعه من النظر في وجوه الآخرين، فضلاً عن المعاناة المستمرة فترة طويلة". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ووجه رسالة للأسر قائلاً "الخطأ قد يحدث،

لكن من يقع في هذا الفخ يحتاج إلى من يقف معه ويساعده للتعافي من الإدمان، وكلما بدأ الشخص العلاج مبكراً تزايدت فرص التعافي والعودة إلى الحياة الطبيعية". وواصل "علاج الإدمان مكلف ومرهق للأسر، مما يتطلب تدخلاً داعماً بإنشاء صناديق للدعم على أيدي اختصاصيين واستشاريين بعيداً من كثير من المراكز الطوعية التي تعمل وفق نظرة النوعية من دون تخصص أو مراعاة للخصوصية والجوانب العلاجية الطبية،

لأن حسن النيات وحده لا يكفي لعلاج الإدمان". تنامي الوعي على صعيد متصل أشار الدرامي عبدالرحمن يونس إلى أن "مواجهة خطر المخدرات لا يمكن أن يقتصر على الحملات الأمنية فحسب، بل يتطلب شراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني". ولفت إلى أهمية "بناء وعي مجتمعي راسخ يمثل خط الدفاع الأول في حماية الشباب من الوقوع في خطر الإدمان،

وذلك من خلال تضافر الجهود بين مكونات المجتمع كافة". ونوه يونس بأن "هذه المبادرة تعكس تنامي الوعي الشعبي في السودان بأخطار انتشار المخدرات، وتؤكد أن المجتمع المحلي بات أكثر استعداداً للانتقال من مرحلة التحذير إلى العمل الميداني المنظم، أملاً في أن تتحول إلى برنامج مستدام يسهم في حماية الأجيال".

بديل نفسي على نحو متصل، رأى الفنان أباذر حامد أن "الأنشطة الثقافية والفنية لا تكتفي بالتحذير من خطر المخدرات بل تقدم بديلاً نفسياً واجتماعياً يساعد الشباب على اختيار حياة أكثر أماناً، لا سيما أن الرسائل ستكون أكثر تأثيراً وقرباً من الجمهور". ونوه بأن "المسرح يقدم قصصاً واقعية عن آثار الإدمان في الفرد والأسرة والمجتمع،

ويشجع على طلب العلاج، إضافة إلى نماذج النجاة والتعافي، كذلك أن الغناء يحمل رسائل توعوية بلغة قريبة من الشباب، ويدعم قيم الأمل والابتعاد عن الإدمان".

وبين حامد أن "الفنون التشكيلية تحول ظاهرة تفشي المخدرات إلى صور ورموز بصرية مؤثرة يمكن عرضها في المدارس والجامعات والأماكن العامة، إلى جانب إشراك الشباب في مجال التشكيل، مما يمنحهم مساحات للتعبير واستثمار أوقاتهم بعيداً من السلوكيات الخطرة". قضايا المرأة في هذا الوقت،

شهدت مراكز إيواء النازحين في مدن كسلا وحلفا والقضارف مبادرة نظمها ممثلون سودانيون، قدموا خلالها مسرحيات وأعمالاً فنية ناقشت قضايا زواج القاصرات وتعليم البنات والمرأة، وكذلك تفشي خطاب الكراهية بسبب الحرب ومشكلات دور النزوح والثقافة البيئية، إضافة إلى التحرش والأمراض النفسية والأوبئة الناتجة من تداعيات الصراع المسلح.

ورأى المخرج هيثم عبادي أن "المسرح التفاعلي واحد من أدوات المقاومة التي تستخدمها الجماهير في التنوير، فضلاً عن توظيف فن الحوار في مواجهة العنف الاجتماعي، وقد عملنا على تقديم أعمال عدة حول واقع النساء والفتيات وهمومهن وأزماتهن وأمنياتهن على خشبة المسرح"، وقال "ركزنا من خلال العروض على قضايا تعليم البنات وزواج القاصرات،

وكذلك مشاركة النساء في المجتمع، ونهدف من خلال هذا الطرح على خشبة المسرح إلى تحويل هذه المشكلات الصامتة إلى مواضيع للنقاش المجتمعي الجاد، كذلك يمنح المسرح النساء أنفسهن منصة للتعبير عن تجاربهن، ويعزز وعي الجمهور بحقوق المرأة ودورها المحوري في التنمية".

وأضاف عبادي أن "المسرح يقدم الأعمال بصورة مباشرة أو رمزية، مما يجعل الجمهور أكثر وعياً بهذه التحديات، خصوصاً عندما يشاهد المتلقي معاناة المرأة على الخشبة، إذ يتأثر وجدانياً وعقلياً،

مما يساعد على تغيير السلوكيات المجتمعية".