المخدرات في السودان أقرب لظاهرة تتسع أخطارها عبر شبكات منظمة تنشط في عمليات تهريبها وترويجها وإنتاجها في ظل الحرب الدائرة منذ قرابة 42 شهراً بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، لتغرق البلاد في أصناف مختلفة تستهدف الشباب، لا سيما الولاية الشمالية التي تشهد تنامياً غير مسبوق لهذه الظاهرة على رغم ارتفاع أسعارها بسبب ظروف النزوح والفراغ والبطالة التي فاقمت الضغوط النفسية والاجتماعية، وسط تحذيرات رسمية من تحولها إلى تهديد مباشر لمستقبل الأمن القومي،

في وقت أضعفت فيه الحرب أجهزة الرقابة ومراكز العلاج المتخصصة. في المقابل نفذت السلطات الأمنية في الولاية الشمالية حملات مكثفة لمكافحة المخدرات لا ترتبط بانتشارها فحسب، وإنما أيضاً لناحية سهولة نقلها وتوزيعها وتعدد الجهات التي تنشط في ترويجها، ما يتطلب تشديد الرقابة على التجار والمهربين ووسائل النقل المستخدمة.

فوضى الحرب يقول المواطن محمد عبدالكريم أحد سكان مدينة مروي إن "الولاية الشمالية تأثرت إلى حد كبير بفوضى الحرب، لناحية التفلت الأمني الذي أسهم في تفشي تجارة المخدرات لتجد طريقها داخل الولاية نتيجة ضعف الرقابة على ضبط الحدود ومنع التهريب، مما جعل المخدرات جزءاً من اقتصاد الحرب تستهدف الشباب وتسهم في تدمير النسيج الاجتماعي وتفكك الأسر". وأضاف عبدالكريم أن "مناطق عدة في الولاية الشمالية استقبلت تدفقات النازحين من دارفور وكردفان والنيل الأزرق،

مما جعلها هدفاً لترويج المخدرات، إضافة إلى الفراغ والبطالة اللتين تعدان من أبرز الأسباب في تعاطي هذه الأفة بسبب الضغوط النفسية والاجتماعية وافتقارهم ممارسة أنشطة تملأ أوقات فراغهم، بما فيها الرياضية والثقافية، فضلاً عن مراكز التدريب المهني التي تعد بدائل مفيدة،

وفقدانها يجعل الشباب يقضون معظم أوقاتهم في الشوارع والتأثر بالأصدقاء والإصرار على خوض التجربة، بالتالي ينتقل التعاطي من شخص لآخر داخل المجموعة، ويصبح ما يراه غريباً سلوكاً عادياً بتكراره أمامه". وتابع المواطن قائلاً إن "الظاهرة تستدعي جهوداً مشتركة تحد من انتشارها بعدما أصبح الوضع مأسوياً امتد إلى أطفال قصر أعمارهم تراوح ما بين 13 و15 سنة".

نفذت السلطات الأمنية في الولاية الشمالية حملات مكثفة لمكافحة المخدرات​​​​​​​ (اندبندنت عربية - حسن حامد) نشاط واسع من جانبه عبر الناشط المجتمعي حيدر محجوب عن أسفه إزاء اتساع نطاق ترويج المخدرات وسط الشباب، مشيراً إلى أن الظاهرة لم تعد تقتصر على تعاطي "البنقو"، بل امتدت لتشمل أنواعاً أخرى من المخدرات المصنعة والمهربة عبر الحدود، مثل "الآيس" و"البنتاغون".

ورأى أن "المشكلة لا تقف عند التنوع فحسب، بل في سهولة التوزيع وإغراءات خفض أسعارها، مما جعلها في متناول الشباب". وأشار محجوب إلى أن "الانتشار الكبير للمخدرات في مناطق الولاية جاء نتيجة استغلال هشاشة أجهزة الرقابة،

إذ إن الكميات الكبيرة تأتي عن طرق التهريب عبر الحدود من الدبة في أقصى شمال البلاد والمثلث الحدودي، بينما تدخل الحبوب المخدرة والمصنعة من دول الجوار". ولفت الناشط المجتمعي إلى أن "قتامة المشهد أدت إلى تفعيل المبادرات المجتمعية لمواجهة الظاهرة وتوعية الشباب بأخطار المخدرات من خلال حملات تستهدف أماكن تجمعاتهم في المدارس والجامعات والأندية، إلى جانب توفير فرص عمل عبر التدريب المهني وتفعيل الأنشطة الرياضية،

فضلاً عن دعم أجهزة مكافحة المخدرات بمدهم بالمعلومات إثر تعقب مسارات التوزيع وأماكن التعاطي، علاوة على تشديد الرقابة على المنازل المهجورة ومصادرة الدراجات النارية التي تستغل في عملية التوزيع". جهود وتحديات ويرى محمد عباس المهتم بقضايا الشباب في الولاية الشمالية أن "تجارة المخدرات داخل الولاية تحصل بواسطة أجانب استقروا في الأطراف، إلى جانب أشخاص من مناطق مختلفة بهدف تحقيق مكاسب سريعة.

واللافت أن الولاية أصبحت تضم قوات عسكرية مختلفة التشكيلات حتى تلاشى الفارق بين العسكري النظامي والأشخاص الذين يرتدون الزي العسكري لاستخدامه في أغراض شخصية، لا سيما أن هذا التدهور حول الولاية إلى بؤرة ساخنة لتجارة المخدرات وإخفاق السلطات في السيطرة عليها". وأوضح عباس أن "توزيع هذه المخدرات يحصل ليلاً قبل طلوع الفجر باستخدام الدراجات البخارية، حيث أصبحت مصدر قلق ورعب للسكان،

إذ إن الموزعين ينطلقون من مناطق مختلفة للوصول إلى التجار ومنهم يجرى التوزيع إلى مناطق أخرى، وفي ظل هذا الواقع أصبحت مروي مصدراً رئيساً في تجارة المخدرات". ومضى الناشط والمهتم بقضايا الشباب قائلاً "هناك تحديات تواجه جهود مكافحة المخدرات تتمثل في عدم السيطرة على الدراجات النارية والبطاقات العسكرية التي يحملها أشخاص ليست لهم علاقة بأي قوات نظامية". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) أزمات ومغامرة في السياق قالت الاختصاصية الاجتماعية أحلام يوسف إن "تعاطي الشباب للمخدرات يرتبط بضغوط نفسية واجتماعية،

إلى جانب الظروف التي فرضتها الحرب من فراغ وبطالة ونزوح". وأردفت يوسف أن "مفهوم التعاطي لا يعني أن الشخص سيئ، لكن الأزمات أفرزت القلق والاكتئاب وعدم التوازن وضعف الثقة بالنفس، فضلاً عن التأثر بالأصدقاء وخوض مغامرة تناول المخدرات،

بخاصة من هم في سن المراهقة وعدم قدرتهم على تحمل الضغوط". وواصلت "الحرب عرضت الشباب لفقدان المساحات الآمنة والدراسة والعمل، والشعور بأن المستقبل قد ضاع، فيلجأ معظمهم للتعاطي للهرب من آلام النفس وأرق النوم في ظل فقدان الحماية والدعم الاجتماعي".

وشددت الاختصاصية الاجتماعية على "ضرورة التعامل مع ظاهرة تعاطي المخدرات من منظور أوسع، لا يقتصر على المكافحة وملاحقة المروجين، وإنما يشمل معالجة المشكلات النفسية والاجتماعية، وتعزيز دور الأسرة في احتواء المتعاطين ودعمهم،

والتخلص من الخوف من الوصمة الاجتماعية الذي يدفع بعض الأسر إلى إخفاء حالات الإدمان بدلاً من طلب المساعدة. ونوهت أيضاً بأهمية تفعيل الأنشطة والبرامج التي تساعد الشباب على تجاوز تداعيات الحرب والضغوط الناجمة عنها. آثار مدمرة المعالجة النفسية آلا فتح الرحمن أوضحت أن "هناك آثاراً صحية تنعكس على متعاطي المخدرات وتمتد إلى مختلف جوانب حياته تتمثل في تلف الكبد والدماغ وضعف القلب والمناعة والهزال الشديد، فضلاً عن القيء والرجفة والتعرق وآلام الجسم عندما يقرر المتعاطي التوقف،

لا سيما أن التعاطي عبر الحقن يزيد من أخطار الإصابة بالأمراض مثل الجلطات وفيروس نقص المناعة". وبينت فتح الرحمن أن "الأثر النفسي يظهر في الاكتئاب والميول إلى العدوانية والكوابيس ونوبات الهلع أثناء النوم التي قد تقود بدورها إلى الانتحار". وتابعت "أيضاً هناك آثار تظهر من خلال التسرب المدرسي والرسوب المتكرر نتيجة عدم التركيز، بينما تتحمل الأسرة جانباً من هذه الآثار تتمثل في العنف اللفظي والكذب والسرقة وانهيار الثقة وفقدان الاستقرار الأسري بعدما يتحول التعاطي إلى إدمان بزيادة الجرعة،

مما يجعل السيطرة في غاية الصعوبة، مما يستدعي تدخلاً طبياً ونفسياً في مراكز متخصصة". ولفتت إلى أن "خدمات الدعم النفسي بسبب الحرب أصبحت غير كافية، إذ إن المشكلة لا تقتصر على الولاية الشمالية فحسب،

بل تشمل معظم ولايات السودان، إلى جانب العاصمة الخرطوم، في حين أن الولاية الشمالية تفتقر بصورة ملحوظة إلى مراكز الدعم، فضلاً عن افتقارها إلى مراكز متخصصة لسحب السموم واستشاريين في الصحة النفسية والاجتماعية وبرامج إعادة الدمج لمساعدة المتعافين في العودة لحياتهم الطبيعية".

وبينت المعالجة النفسية في ختام حديثها أن "الأسرة تعد خط الدفاع الأول، مما يتطلب احتواء الأبناء وحمايتهم والحوار معهم بدلاً من اتباع أسلوب الضرب والتعنيف، إضافة إلى مراعاة دائرة الأصدقاء وملء أوقات الفراغ، علاوة على العلاج المبكر عند الشعور بسلوكيات غريبة".