كل ثلاثة أشهر، تكشف شركات التكنولوجيا الكبرى (بيغ تيك) عن مليارات الدولارات التي تنفقها على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، من مراكز البيانات إلى الرقائق ومعدات الحوسبة. لكن هذه الأرقام لا تعكس سوى جزء من فاتورة الإنفاق التي التزمت بها الشركات للمستقبل.

فخلف أرقام الإنفاق الرأسمالي المعلنة توجد التزامات مالية ضخمة لا تظهر في الميزانيات العمومية، وتشمل عقود إيجار مراكز بيانات لم تبدأ بعد، واتفاقات طويلة الأجل لشراء الرقائق ومعدات الحوسبة والطاقة اللازمة لتشغيلها. وبحسب تحليل أجرته «وول ستريت جورنال» للهوامش والإفصاحات الواردة في أحدث التقارير المالية لـ9 شركات تكنولوجية كبرى،

بلغت الالتزامات خارج الميزانية المرتبطة في معظمها بالذكاء الاصطناعي نحو 3 تريليونات دولار. ويمثل هذا الرقم تحولاً مهماً في فهم حجم الرهان الذي تخوضه شركات التكنولوجيا على مستقبل الذكاء الاصطناعي؛ إذ تنمو هذه الالتزامات بوتيرة أسرع بكثير من الإنفاق الرأسمالي التقليدي، الذي بلغ نحو 600 مليار دولار خلال آخر 12 شهراً لدى الشركات التي شملها التحليل. كما تبلغ الالتزامات خارج الميزانية نحو ثلاثة أمثال إجمالي ما تدين به هذه الشركات بموجب عقود الإيجار والديون طويلة الأجل القائمة.

الرهان على طلب لم يأتِ بعد تضع شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى هذه الرهانات الضخمة على افتراض أن الطلب على الحوسبة المخصصة للذكاء الاصطناعي سيواصل النمو بقوة خلال السنوات المقبلة، وأن المعروض من الرقائق ومراكز البيانات والطاقة سيكون كافياً لتلبية هذا الطلب. والرهان الأساسي هو أن الإيرادات المستقبلية الناتجة عن انتشار الذكاء الاصطناعي بين المستهلكين والشركات ستتيح لهذه الشركات الوفاء بالتزاماتها بسهولة. لكن الخطر يكمن في الجانب الآخر من المعادلة: ماذا لو تباطأ الطلب؟

أو أصبحت تقنيات الحوسبة أرخص وأوسع توفراً؟ أو ظهرت تقنيات أكثر كفاءة تقلل الحاجة إلى هذا الكم الهائل من مراكز البيانات والرقائق؟ عندها قد تتحول العقود التي أبرمتها الشركات اليوم لتأمين طاقة الحوسبة المستقبلية إلى عبء مالي ضخم على الشركات والمستثمرين. «ميتا» ومركز بيانات بحجم 1700 ملعب تقدم شركة «ميتا بلاتفورمز» مثالاً واضحاً على الطريقة التي يمكن أن تختفي بها الالتزامات الضخمة عن الميزانية العمومية.

فمشروعها العملاق «هايبرون» لمركز بيانات في ولاية لويزيانا يمتد على مساحة تعادل نحو 1700 ملعب كرة قدم، لكنه لا يظهر بالكامل في ميزانية «ميتا»، رغم أن الشركة هي المطور للمشروع. كما أن الدين البالغ 27 مليار دولار الذي يموِّل إنشاء المركز لا يظهر في ميزانية «ميتا»،

لأن غالبية المشروع مملوكة لمشروع مشترك تسيطر عليه صناديق تديرها شركة «بلو أول كابيتال». أما «ميتا»، فهي شريك أقلية ومستأجر للمركز، وستوفر مدفوعات الإيجار التدفقات النقدية التي تساعد المشروع المشترك على سداد مستحقات حاملي السندات.

وقد وافقت «ميتا» في البداية على استئجار «هايبرون» لمدة أربع سنوات تبدأ في 2029، مع خيارات لتمديد العقد لما يصل إلى 20 عاماً. كما ضمنت الشركة تعويض حاملي السندات إذا لم تستمر في المشروع طوال العقد البالغ عقدين. وبموجب قواعد المحاسبة،

لن تظهر التزامات إيجار «هايبرون» في ميزانية «ميتا» حتى تبدأ الشركة فعلياً في دفع الإيجار. وقدرت «ميتا» التزامها الأولي بموجب عقد الإيجار بنحو 12.3 مليار دولار، بينما كشفت في يونيو (حزيران) عن إجمالي التزامات بقيمة 347 مليار دولار لعقود إيجار لم يبدأ سريانها بعد، بما فيها التزامات «هايبرون».

شعار شركة «ميتا» (د.ب.أ) 1.2 تريليون دولار لإيجارات لم تبدأ وعبر الشركات التي حللها «وول ستريت جورنال»، بلغت الوعود بسداد مدفوعات بموجب عقود إيجار لم يبدأ سريانها بعد نحو 1.2 تريليون دولار، أي ما يقارب أربعة أمثال المستوى المعلن قبل عام. وشمل التحليل،

إلى جانب «ميتا»، كلاً من «ألفابت» و«أمازون» و«مايكروسوفت» و«أوراكل» و«إنفيديا» و«برودكوم» و«سبايس إكس» و«أدفانسد مايكرو ديفايسز». لكن مراكز البيانات لا تحتاج إلى مبانٍ ومساحات فحسب، بل إلى كميات هائلة من المعدات،

خصوصاً رقائق «إنفيديا» المستخدمة في تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب رقائق الذاكرة وغيرها من مكونات البنية التحتية. ولضمان توفر هذه المعدات، توقع الشركات اتفاقات شراء طويلة الأجل مع الموردين قبل سنوات من حاجتها الفعلية إليها.

وتبلغ قيمة هذه الالتزامات وغيرها من اتفاقات الشراء لدى الشركات التي شملها التحليل نحو 1.9 تريليون دولار. وبموجب قواعد المحاسبة، تبقى التزامات الشراء عادة خارج الميزانية إلى أن يتم تسليم المنتج أو الخدمة. «ألفابت» تكشف قفزة هائلة تبدو القفزة في التزامات «ألفابت»،

الشركة الأم لـ«غوغل»، لافتة بشكل خاص. فقد بلغت التزامات الشراء والالتزامات التعاقدية للشركة 811 مليار دولار حتى 30 يونيو، مقارنة مع 332 مليار دولار قبل ثلاثة أشهر فقط.

ولا توضح إفصاحات الشركة بالتحديد كل ما تعتزم شراءه، لكنها قالت إن الالتزامات تتعلق أساساً بـ«البنية التحتية التقنية والمخزون»، إلى جانب اتفاقات لتأمين الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات. كما تمتد بعض اتفاقات الطاقة إلى عام 2054.

ولا تقتصر الالتزامات خارج الميزانية على مراكز البيانات والرقائق، إذ تشمل لدى بعض الشركات اتفاقات لشراء حصص في شركات أخرى مستقبلاً أو ضمان عقود إيجار لمستأجرين آخرين. أما «إنفيديا»، فقد التزمت باستثمارات في الأسهم بقيمة 27 مليار دولار بين 26 أبريل (نيسان) ونهاية سنتها المالية في يناير (كانون الثاني) 2027.

هل تستطيع الإيرادات اللحاق بالإنفاق؟ هناك أسباب تدعو إلى الاعتقاد بأن شركات التكنولوجيا ستكون قادرة في نهاية المطاف على الوفاء بهذه الالتزامات. فالمتفائلون يرون أن القفزة الهائلة في الطلب على أدوات الذكاء الاصطناعي، والتي ساعدت في دفع سوق الأسهم،

وأدَّت إلى نقص في بعض المعدات الرئيسية، تؤكد أن الطلب سيظل قوياً لسنوات، وأن الإيرادات اللازمة لسداد هذه الفواتير ستتدفق تباعاً. لكن المستثمرين الأكثر حذراً يرون في تنامي الالتزامات مؤشراً مقلقاً،

خصوصاً أن بعض شركات التكنولوجيا التي كانت تتمتع بميزانيات عمومية شديدة القوة بدأت تلجأ بصورة متكررة إلى أسواق رأس المال. وقد أعلنت «ألفابت» و«أمازون» أخيراً نتائج أظهرت تدفقات نقدية حرة سالبة، أي أن الإنفاق الرأسمالي تجاوز الأموال النقدية التي حققتها الشركتان من أنشطتهما التشغيلية. وهذه المعادلة تصبح أكثر إثارة للقلق عند إضافة تريليونات الدولارات من الالتزامات خارج الميزانية.

العقود لا تختفي إذا تراجع الطلب المشكلة أن الالتزامات المستقبلية لا تختفي بالضرورة إذا تغيرت دورة الذكاء الاصطناعي. ففي معظم الحالات، لا يمكن إلغاء اتفاقات شراء الرقائق والمعدات أو عقود الإيجار الموقعة بسهولة، سواء وصلت الإيرادات المتوقعة أم لم تصل.

وإذا أخطأت الشركات في تقدير حجم الطلب المستقبلي، قد تجد نفسها تدفع مليارات الدولارات مقابل بنية تحتية لا تستطيع استخدامها بصورة مربحة. كما يمكن لهذه الالتزامات أن تدفع الشركات التي أصبحت أكثر مديونية إلى الاقتراض بصورة أكبر، مما يزيد الضغط على ميزانياتها.

وحذر محللو المحاسبة لدى «مورغان ستانلي» في أبريل من أن تزايد الالتزامات خارج الميزانية من حيث العدد والحجم والتعقيد يجعل من الصعب بصورة متزايدة على المستثمرين تقييم إجمالي الرفع المالي المحتمل للشركات. الاختبار الحقيقي يبدأ لاحقاً لا تكمن القضية إذن في مقدار ما تنفقه «بيغ تيك» على الذكاء الاصطناعي اليوم فحسب، بل في حجم ما التزمت بإنفاقه غداً. فالـ3 تريليونات دولار من الالتزامات خارج الميزانية تمثل رهاناً ضخماً على استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي،

وعلى قدرة الطلب المستقبلي على تحويل مراكز البيانات والرقائق والطاقة المحجوزة اليوم إلى إيرادات وأرباح غداً. وطالما استمر الطلب في النمو، قد تبدو هذه الالتزامات استثماراً ذكياً لتأمين موقع مبكر في الاقتصاد الجديد. لكن إذا تباطأت الطفرة أو تغيرت التكنولوجيا بسرعة،

فقد تتحول العقود التي صُممت لحماية عمالقة التكنولوجيا من نقص القدرة الحوسبية إلى أحد أكبر مصادر المخاطر في ميزانياتهم. وهنا تكمن المفارقة: قد لا تكون المشكلة في أن «بيغ تيك» تنفق أكثر مما تبدو عليه اليوم، بل في أنها التزمت بإنفاق تريليونات الدولارات على مستقبل لم يتضح بعد حجم الطلب عليه.