لم تعد الجزر الرملية التي بدأت تظهر في مجاري النيل بالسودان مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل تحولت إلى مصدر قلق متزايد يهدد وصول المياه إلى الأراضي الزراعية، ويضع الموسم الشتوي في عدد من المناطق أمام تحديات خطيرة. فمع تراجع مناسيب المياه وابتعاد التيارات عن مآخذ الري،

تتزايد مخاوف المزارعين من خسارة محاصيل يعتمد عليها مئات الآلاف من السكان لتأمين الغذاء ومصادر الدخل، في بلد أنهكت الحرب اقتصاده وفاقمت أزماته المعيشية. وتتجلى الأزمة بوضوح في منطقتي أقجة ومراغة بمدينة دنقلا في الولاية الشمالية، الواقعة على بعد نحو 530 كيلومتراً شمال الخرطوم،

حيث باتت الرمال تعترض مسارات المياه وتعيق وصولها إلى عدد من الأراضي الزراعية. ويثير هذا الوضع مخاوف من انعكاساته على الموسم الشتوي، ولا سيما زراعة القمح والفول السوداني، باعتبارهما من المحاصيل ذات الأهمية الاقتصادية والغذائية لسكان المنطقة.

ولا تقتصر مظاهر انحسار المياه على الولاية الشمالية، إذ سُجل تراجع لافت في منسوب النيل قبالة مدينة المتمة بولاية نهر النيل، الواقعة على بعد نحو 180 كيلومتراً شمال الخرطوم، وسط مخاوف من تهديد المحاصيل الزراعية في المناطق المحيطة بها.

كما ظهرت جزر وكثبان رملية في مجرى النيل الأزرق قبالة مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، التي تبعد نحو 186 كيلومتراً جنوب شرقي الخرطوم، بالتزامن مع تراجع مناسيب المياه. تأتي هذه التطورات امتداداً لمشاهدات سُجلت في مناطق سودانية عدة قبل أشهر،

تمثلت في تراجع مناسيب المياه وظهور جزر وكثبان رملية داخل مجاري النيل، وهي ظواهر لا تزال تداعياتها حاضرة حتى الآن. وأعادت هذه المشاهد إلى الواجهة التساؤلات بشأن التأثيرات المحتملة لسد النهضة الإثيوبي على تدفقات المياه إلى السودان، إلى جانب عوامل أخرى ترتبط بالتغيرات المناخية والطبيعية في حركة النهر وتراكم الرواسب.

الرمال تقطع الطريق إلى المياه في دنقلا، دفعت الأزمة السلطات المحلية إلى التحرك لفتح مجرى المياه ومحاولة تأمين وصولها إلى الأراضي الزراعية المتضررة، بمشاركة الأهالي الذين ساهموا في توفير الوقود اللازم لتشغيل الحفار المستخدم في الأعمال الجارية. وتعكس هذه المشاركة حجم القلق الشعبي من احتمال تعثر الموسم الزراعي،

خصوصاً في منطقة يعتمد سكانها بدرجة كبيرة على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش. بدورهم، حذر مواطنون في الولاية الشمالية من اقتراب كارثة زراعية وإنسانية، في ظل استمرار الانحسار الحاد لمياه النيل واتساع رقعة الجزر الرملية.

وأكدوا ل"العربية/.نت" أن الأزمة لم تعد تقتصر على تهديد مآخذ الري، بل بدأت تنعكس بصورة مباشرة على الإنتاج الزراعي، بعدما عجزت مضخات عن سحب المياه، وجفت آبار،

وتعرضت مساحات من البساتين والمحاصيل للتلف. وأشار المواطنون إلى أن استمرار تراجع المياه يضع الموسم الشتوي، الذي يمثل شريان حياة لمزارعي الولاية ويعتمدون عليه في زراعة القمح والخضروات، أمام خطر حقيقي،

محذرين من تكبد خسائر واسعة ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لمعالجة الأزمة. كما حمّلوا حكومة الولاية مسؤولية تفاقم الوضع، متهمين إياها بالتقاعس عن توفير مضخات بديلة أو حفر آبار ارتوازية يمكن أن توفر مصادر مياه إضافية، وتحد من اعتماد المناطق المتضررة على المآخذ التي تأثرت بانحسار النهر.

3 عوامل رئيسية من جانبه، يوضح البروفيسور طلعت دفع الله عبد الماجد، الخبير الزراعي والبيئي، لـ"العربية/الحدث.نت"،

أن ظهور الرمال فوق سطح النيل لا يعني بالضرورة أنها ترسبت حديثاً، إذ قد تكون رواسب قديمة انكشفت بفعل انخفاض منسوب المياه، أو رواسب حديثة تراكمت نتيجة ضعف التيار المائي، أو بسبب انتقال مسار المياه الأكثر عمقاً بعيداً عن الضفاف ومآخذ الري.

وأشار إلى أن هذه الاحتمالات قد تتداخل، ما يستدعي التمييز بين ثلاثة عوامل رئيسية عند التعامل مع الأزمة: انخفاض منسوب النيل بصورة عامة، وابتعاد التيار المائي عن مآخذ الري، وانسداد القنوات التي تربط تلك المآخذ بالمجرى الرئيسي.

ويوضح أن لكل حالة من هذه الحالات معالجة فنية مختلفة، ولا يمكن اعتماد حل واحد لجميع المواقع المتضررة. في حين، أوضح أن الوصول إلى تشخيص دقيق يتطلب إجراء فحوص ميدانية لأعماق النهر وحركة المياه،

ومعاينة مآخذ الري والقنوات المغذية لها، ومقارنة مناسيب النيل وكميات التصريف بالسنوات السابقة، إلى جانب الاستعانة بصور الأقمار الصناعية لرصد التغيرات التي طرأت على المجرى النهري ومواقع الجزر الرملية. الرمال القادمة من اليابسة..

عامل إضافي في الأزمة ولا تقتصر المخاوف على الرواسب التي تتشكل داخل مجرى النهر، إذ يلفت الخبير الزراعي والبيئي إلى ضرورة التمييز بين الرمال النهرية التي تتراكم بفعل حركة المياه، والرمال التي تحملها الرياح من اليابسة، خصوصاً في المناطق القريبة من الأراضي الصحراوية.

وأشار إلى تقرير صادر عن مبادرة حوض النيل عام 2007، وثّق زحف كثبان رملية باتجاه الأراضي المروية ومجرى النيل في قطاع دنقلا. لكن وجود هذه الظاهرة، وفقاً للخبير،

لا يكفي وحده لإثبات أنها السبب المباشر للأزمة الحالية، ما لم تؤكد المعاينات الميدانية مساهمتها الفعلية في تراكم الرمال أو إعاقة وصول المياه إلى الأراضي الزراعية. هل يعود سد النهضة إلى دائرة الاتهامات؟ مع ظهور مؤشرات انحسار المياه في أكثر من موقع سوداني،

عاد سد النهضة الإثيوبي إلى واجهة النقاش بشأن تأثيراته المحتملة على تدفقات المياه إلى السودان، خصوصاً أن التغيرات التي شهدتها مناسيب النيل خلال الأشهر الماضية لا تزال تثير قلق السكان والمزارعين في عدد من المناطق. ويربط خبراء ومختصون تراجع مناسيب المياه بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها انخفاض معدلات الأمطار هذا العام في الهضبة الإثيوبية ومنابع النيل،

والتخزين الأحادي للمياه في سد النهضة الإثيوبي، إلى جانب إغلاق بوابات خزاني الروصيرص ومروي. ويرون أن تضافر هذه العوامل قد يكون أسهم في انخفاض مناسيب المياه بصورة غير معتادة في هذا التوقيت من العام، فضلاً عن تراكم الترسبات الطميية والرملية في بعض المواقع.

غير أن تحديد مدى ارتباط هذه التطورات بتشغيل سد النهضة لا يمكن أن يستند إلى مجرد ظهور الجزر الرملية أو ملاحظة انخفاض المياه. فإثبات وجود علاقة مباشرة يتطلب مقارنة بيانات التصريف والمناسيب قبل تشغيل السد وبعده، وتحليل أنماط تدفق المياه خلال الفترات المختلفة، مع الأخذ في الاعتبار تأثير التغيرات المناخية والعوامل المحلية وحركة الرواسب داخل مجرى النهر.

في هذا السياق، يرى مختصون أن تزامن مشاهدات انحسار المياه وظهور الجزر الرملية في مناطق سودانية متباعدة يستدعي إجراء دراسة هيدرولوجية شاملة، بدلاً من التعامل مع كل حالة باعتبارها مشكلة محلية منفصلة، أو تحميل عامل واحد مسؤولية جميع التغيرات من دون الاستناد إلى أدلة وبيانات علمية.

حلول عاجلة وأخرى طويلة الأجل في مواجهة الأزمة، يقترح البروفيسور طلعت دفع الله إجراء معاينة ميدانية مشتركة، تضم مختصين في مجالات الري والهيدروليكا والزراعة، إلى جانب ممثلين عن المزارعين،

بهدف تحديد مآخذ المياه المتضررة، ورصد أقرب المواقع التي يتوافر فيها عمق مناسب للمياه، فضلاً عن فحص المضخات والقنوات التي تغذي الأراضي الزراعية. ويشدد على أهمية الاستفادة من خبرات المزارعين والأهالي ومعرفتهم بطبيعة النهر وتغيرات مجراه،

باعتبارهم الأكثر متابعة للتحولات التي تشهدها مناطقهم على مدار السنوات، والأقدر على رصد التغيرات التي قد لا تظهر بوضوح في المعاينات المحدودة. وتشمل الحلول الفنية العاجلة تنظيف مآخذ المياه وقنوات التغذية، أو تنفيذ عمليات تكريك محدودة لإعادة توجيه التيار المائي،

أو نقل بعض المآخذ إلى مواقع أكثر ملاءمة من حيث العمق وتدفق المياه. كما يمكن دراسة إمكانية استخدام مآخذ عائمة أو قابلة للتحريك، إذا أثبتت المعاينات الفنية جدواها وملاءمتها لطبيعة كل منطقة. أما على المدى الطويل،

فيوصي الخبير بإعداد خرائط دورية ترصد التغيرات التي تطرأ على مجرى النهر والجزر الرملية ومواقع مآخذ الري، بالاستعانة بصور الأقمار الصناعية وعمليات الرفع الميداني، بما يساعد على توقع المشكلات قبل تفاقمها ووصولها إلى مرحلة تهدد الموسم الزراعي. ولا يستبعد الخبير أيضاً الحاجة إلى اتخاذ تدابير للحد من زحف الرمال القادمة من اليابسة،

إذا أثبتت المعاينات الميدانية مساهمتها في تفاقم الأزمة. وتشمل هذه التدابير إقامة حواجز للرياح باستخدام مواد محلية، والعمل على تثبيت الكثبان الرملية من خلال زراعة الغطاء النباتي الملائم لطبيعة المنطقة. لكنه يؤكد أن هذه الإجراءات تظل حلولاً وقائية طويلة الأجل،

ولا يمكن أن تحل محل التدخلات الهندسية العاجلة اللازمة لضمان وصول المياه إلى الأراضي الزراعية وحماية المحاصيل القائمة. موسم زراعي على حافة الخطر تتضاعف خطورة الأزمة بسبب توقيتها، إذ يمثل الموسم الشتوي شريان حياة لمئات الآلاف من سكان الولاية الشمالية، الذين يعتمدون بصورة أساسية على الزراعة في تأمين احتياجاتهم الغذائية ومصادر دخلهم.

وبالتالي، فإن أي تعثر في وصول المياه إلى الحقول قد ينعكس مباشرة على إنتاج محاصيل رئيسية، في وقت يعاني فيه السودان أصلاً من تداعيات الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي وتفاقم الأوضاع المعيشية. كما تكتسب المؤشرات الواردة من المتمة وود مدني أهمية إضافية،

لأنها تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن طبيعة التغيرات التي تشهدها مجاري النيل في السودان، ومدى قدرة البنية التحتية لمنظومة الري على التعامل معها، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على مآخذ مباشرة من النهر. لكن تحديد ما إذا كانت هذه الحالات تعكس نمطاً هيدرولوجياً مشتركاً يمتد إلى مناطق متعددة،

أو أنها ناجمة عن مشكلات محلية تختلف من موقع إلى آخر، يظل مرهوناً بالقياسات الميدانية والبيانات الفنية والدراسات العلمية المتخصصة. وبينما تتواصل محاولات فتح المجاري وتأمين وصول المياه إلى الأراضي المتضررة، يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من المعالجات المؤقتة إلى فهم علمي دقيق لما يحدث في مجرى النيل،

ووضع حلول مستدامة تحمي الأراضي الزراعية من تكرار الأزمة وتضمن استقرار مواسم الإنتاج المقبلة. فالنهر لا يزال يجري، لكن الرمال باتت تعترض طريق مياهه إلى بعض الحقول، فيما ينتظر المزارعون تدخلاً عاجلاً يعيد المياه إلى أراضيهم.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تصل المياه في الوقت المناسب لإنقاذ الموسم الزراعي، أم تسبق الرمالُ المياهَ إلى الحقول؟.