في مؤتمر تقني عالمي اختتم فعالياته مؤخرًا، بدا جليًا أن المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي المؤسسي لن تُحسم بمن يملك أكبر عدد من النماذج، بل بمن يستطيع تشغيل الذكاء الاصطناعي فعليًا داخل الأعمال. وقدم مسؤولون تنفيذيون صورة عن انتقال الشركات من مرحلة التجارب إلى مرحلة أكثر تعقيدًا،
يصفونها بإعادة تصميم سير العمل، وتنظيم البيانات والسياق، وإدارة القوى العاملة الرقمية، وبناء الحوكمة والأمن اللازمين لإبقاء الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة حين يبدأ التأثير في العمليات الفعلية.ما بعد التجارب: إعادة هندسة العملياتأوضح محمد علي،
نائب الرئيس الأول ورئيس قسم الاستشارات، أن كثيرًا من المؤسسات لم تعد تتعثر بسبب نقص الأدوات، بل بسبب عدم تغيير طريقة تنظيم العمل داخلها. وأشار إلى أن التحدي الأكبر الذي يراه لدى العملاء هو كيفية إعادة هندسة العمليات فعليًا لتحقيق قيمة أفضل للأعمال.
وذكر أن المرحلة الأولى من الذكاء الاصطناعي كانت تدور حول مهام محددة لوكلاء يؤدون أعمالًا بسيطة فقط، في حين تتطلب المرحلة التالية أن تجمع المؤسسات هؤلاء الوكلاء بطريقة آمنة ومحكومة، مما يتيح تحويلهم إلى قيمة أعمال حقيقية داخل سير العمل الجديد.وأوضح أن إحدى أكثر المشكلات شيوعًا هي أن الطموحات الأولى تكون واسعة أكثر من اللازم، حيث يُوعَد الذكاء الاصطناعي بالقيام بأشياء كثيرة بينما يكون النطاق الأولي واسعًا أكثر مما ينبغي.
وبدأت المؤسسات الناجحة بحالات استخدام أضيق وأكثر ارتباطًا بالقيمة، ثم ربطتها لاحقًا داخل سير عمل أوسع. وأشار أيضًا إلى مشكلة متكررة تتمثل في عدم التفكير بشكل منهجي في الحوكمة عند نقل الذكاء الاصطناعي إلى الإنتاج، فضلًا عن ظهور ما يسمى بـ"الذكاء الاصطناعي الظلّي" حيث تتبنى بعض أجزاء المؤسسة أدوات أو وكلاء بشكل منفصل دون رؤية كاملة لكيفية إعادة تصميم العملية المؤسسية الأوسع،
مما يؤدي غالبًا إلى تدمير القيمة بدلاً من خلقها.نموذج تشغيل جديدالرسالة الأوسع التي تُطرح هذا العام تدور حول ما يسمى "نموذج تشغيل الذكاء الاصطناعي"، حيث الفكرة ليست أن المؤسسات تحتاج إلى مزيد من الذكاء الاصطناعي، بل أن تتوقف عن التعامل معه على أنه مجموعة تجارب منفصلة، وأن تبدأ بدمجه في كيفية عمل المؤسسة نفسها.
وأوضح المسؤول أن نضج الذكاء الاصطناعي جعل حالات الاستخدام الفردية تُربط الآن بطريقة عاملية تسمح للمؤسسات بإعادة هندسة طريقة إنجاز العمل على مستوى تأسيسي. وهنا يكمن الخط الفاصل الحقيقي بين الشركات التي لا تزال تختبر الأدوات وتلك التي بدأت تحول الذكاء الاصطناعي إلى قدرة تشغيلية.وضرب مثالًا داخليًا من الشركة نفسها، حيث بدأت قبل 3 سنوات في نشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع داخل أعمالها، عبر تفكيك المؤسسة إلى 490 سير عمل،
واختيار أهم 70 منها، وبناء 220 عاملًا رقميًا عبر تلك المسارات. وكان الهدف إعادة تصميم مجالات مثل الموارد البشرية والمالية وسلسلة الإمداد لتصبح بشرية ورقمية. والنتيجة كانت تخفيض إنفاق كان يقارب 25 مليار دولار في 2022 إلى مستوى أقرب من 20 مليار دولار بحلول 2025،
بما يعادل نحو 4.5 مليار دولار من الوفورات. وأضاف أن هذا لا يحدث إلا عندما يجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من نموذج التشغيل.وقدمت شركة طيران ناشئة مثالًا على بناء الذكاء الاصطناعي داخل نموذج التشغيل منذ اليوم الأول بدلاً من إضافته لاحقًا. وأشار المسؤول إلى أن أهمية هذا المثال لا تعود فقط إلى كونها شركة طيران جديدة، بل إلى أنها تُبنى من دون ثقل الأنظمة القديمة التي تقيد كثيرًا من الشركات القائمة.
بدأ العمل ليس من الاستخدامات البراقة الموجهة للعميل، بل من العمليات المالية والداخلية، بإعادة تصميم هذه المسارات أولاً، حتى يمكن لاحقًا توجيه مزيد من الموارد نحو الخدمة وتجربة العميل،
مما يسمح باستخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي عبر رحلة العميل كلها.التغيير قبل التقنيةكرر المسؤولون أن المسألة ليست ما إذا كانت الشركة تنشر الذكاء الاصطناعي أم لا، بل ما إذا كانت تغير طريقة عملها. واعتبروا أن أصعب حديث مع العملاء الآن لم يعد يتعلق فقط بما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، ولا حتى بمن يتحمل المسؤولية،
بل بشيء أكثر جوهرية: كيف تغيير نموذج التشغيل؟ وكيف يمكن دعمهم في إدارة هذا التغيير؟ ونقلوا عن أحد العملاء تلخيصه للمسألة بأن 30 في المائة منها تقنية، و70 في المائة منها تتعلق بتحقيق التبني وتغيير سير العمل وكيفية إنجاز الناس للعمل.وأكد المسؤولون أن الذكاء الاصطناعي سيغير سوق العمل بدلاً من أن يلغيها ببساطة،
معتبرين أن هناك مجموعة كاملة من الوظائف التي ستنشأ بسبب وجود الذكاء الاصطناعي، وأن الذين يتبنونه ويستخدمونه أداة سيتفوقون. كما أشاروا إلى أن وجود راعٍ رفيع المستوى داخل المؤسسة يبقى غالبًا شرطًا لا غنى عنه لنجاح التغيير واسع النطاق.الوكلاء تحت السيطرة: الحوكمة والأمنشرح مارك هيوز، الشريك الإداري العالمي لخدمات الأمن السيبراني،
ما يحدث حين تبدأ الشركات فعليًا في التوسع. فأكد أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي يصبح أكثر صعوبة وأكثر حساسية حين ينتقل من استخدامات ضيقة إلى عدد كبير من الوكلاء المزروعين في سير العمل والتطبيقات واتخاذ القرار. القضية لم تعد فقط ما إذا كانت أداة الذكاء الاصطناعي تعمل، بل ما إذا كان نشرها محكومًا،
مشيرًا إلى ضرورة وجود ضوابط تتعلق بالتشفير والهوية والوصول والصلاحيات والبيانات والمراقبة وقت التشغيل. ومن دون هذا الغلاف، فإن خطر عدم القيام بذلك كبير.ورأى أن الفرق بين جهود التوسع الناجحة والفاشلة لا يكمن غالبًا في النموذج نفسه، بل في انضباط النشر.
بعض المؤسسات لا تفهم جيدًا ما الذي يفعله الوكلاء وكيف يؤدون، مما يضغط على فرامل تنفيذ الذكاء الاصطناعي لديها. المؤسسات التي تنجح هي تلك التي تفكر بشكل أكثر منهجية في كيفية إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الإنتاج وتبني الحوكمة حوله. وأكد أن الذكاء الاصطناعي غير المحكوم هو الذي يخلق الخطر،
وليس الذكاء الاصطناعي بحد ذاته.إدارة الوكلاء الرقميين والبياناتتزداد هذه المسألة إلحاحًا مع انتقال الشركات من عدد محدود من المساعدين إلى أعداد كبيرة من الوكلاء داخل سير العمل الحقيقي. أول مشكلة تحكم تظهر عادة هي الرؤية، حيث تجد المؤسسات نفسها أمام وكلاء مختلفين من مزودين ومنصات مختلفة دون رؤية موحدة لما يفعله كل هؤلاء الوكلاء. المشكلة الإدارية الناشئة لا تتمثل فقط في إدارة العمال البشريين،
بل أيضًا في إدارة عمال رقميين ينبغي فهم سلوكهم ومراقبته وضبطه. مدير الغد سيتعين عليه أن يعرف كيف يدير عمالًا بشريين ورقميين، وهي مهارة لا يوجد تخطيط لها اليوم.تقع البيانات في قلب الطرح، حيث أكد المسؤولون أن البيانات أساسية جدًا،
وأن النماذج نفسها جيدة جدًا، لكن ما يصنع النتيجة هو خط أنابيب البيانات والسياق والعملية الذي يستفيد من النماذج. لا يكفي امتلاك البيانات، بل يجب معالجتها على نحو يسمح للوكلاء بالعمل جيدًا حتى عندما تكون البيانات المؤسسية الخام غير مكتملة أو غير مرتبة.
وفيما يخص الحوكمة، لا يمكن فصل الحوكمة حول البيانات عن الحوكمة حول الوكلاء، خاصة في القطاعات الأكثر تنظيمًا. وأشاروا إلى ضرورة وجود ضوابط ما قبل الإنتاج وضوابط وقت التشغيل،
حتى تتمكن المؤسسات من مراقبة سلوك الوكلاء بعد دخولهم الخدمة.الأمن والمساءلةلم يعد الأمن مجرد طبقة تضاف بعد نشر الذكاء الاصطناعي، بل أصبح جزءًا من نموذج التشغيل نفسه. الذكاء الاصطناعي يوسع سطح الهجوم بسبب زيادة عدد الأنظمة والوكلاء والعمليات الذاتية، مع توقعات بنشر 1.5 مليار وكيل داخل البيئات المؤسسية بحلول 2028.
وفي المقابل، يمنح الذكاء الاصطناعي المؤسسات فرصة لإدارة الأمن بصورة أسرع وأكثر ذاتية. التحول نفسه الذي يغير سير العمل والعمليات يفرض أيضًا إعادة تصميم الأمن نفسه.عودة إلى مسألة المساءلة، فإذا ولدت قرارات الذكاء الاصطناعي خطرًا،
فإن المسؤولية يجب أن تبقى في مكان واضح. كما أن للتطبيقات مالكين محددين، ينبغي أن يكون للوكلاء أيضًا مالكون واضحون، مع وجود خطة تحدد الجهة التي وفرتهم والجهة التي تظل مسؤولة عنهم.
قد تتوسع الأتمتة، لكن المسؤولية لا يمكن أن تختفي. في هذا السياق، لم تعد قيمة الذكاء الاصطناعي في المؤسسات تقاس بعدد المبادرات التي تعلن أو بسرعة إطلاق التجارب،
بل بقدرته على الدخول إلى العمليات الفعلية، والعمل داخلها بصورة منضبطة، وتحقيق أثر يمكن قياسه. محمد علي نائب الرئيس الأول ورئيس «IBM Consulting» يقدم «طيران الرياض» مثالاً على بناء الذكاء الاصطناعي داخل نموذج التشغيل منذ اليوم الأول لا بوصفه طبقة تُضاف لاحقاً (الشركة) مارك هيوز الشريك الإداري العالمي لخدمات الأمن السيبراني في «IBM Consulting» تعتبر «آي بي إم» أن الانتقال من التجارب إلى الإنتاج يبدأ من حالات استخدام ضيقة وواضحة القيمة لا من وعود واسعة أكثر من اللازم (غيتي)