مريم الصادق المهدي تكشف خلافات القوى المدنية بشأن حرب السودان في حلقة جديدة من برنامج «قابل للجدل»، تستضيف الإعلامي نايف الأحمري وزيرة الخارجية السودانية السابقة مريم الصادق المهدي، في حوار يتناول مسؤولية القوى المدنية والعسكرية عن الحرب المستمرة في السودان، والخلافات التي تعصف بحزب الأمة القومي،

ومستقبل الحوار الذي دعا إليه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، قبل أن تنفي اتهامًا وجهه إليها بشأن محاولة التوصل إلى اتفاق سياسي يتيح لقوى مدنية البقاء في السلطة عشر سنوات، وتتحدث عن موقفها من التطبيع مع إسرائيل والانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر ومناطق أخرى. وتحذر المهدي من أن استمرار الحرب يهدد وجود السودان دولة موحدة،

ويجعل قراراته أكثر عرضة لتدخل القوى الإقليمية والدولية، معتبرة أن مسؤولية إنقاذ البلاد تقع على السودانيين أنفسهم، من خلال مراجعة أخطاء المرحلة الانتقالية والتوصل إلى تسوية تعيد الاعتبار للمؤسسات المدنية. وتقول: «الأوضاع تسوء من يوم إلى آخر،

لكن إمكانية العودة والمراجعة والاستفادة من هذه الفترة الشديدة الألم والدمار ما زالت قائمة. الأمر بأيدينا نحن السودانيين، فإما أن نستعيد المبادرة، وإما أن تستمر الأحوال على نحو يهدد بقاء السودان بلدًا ودولة،

ويجعل القرارات المتعلقة بمستقبله في أيدي الآخرين» من أشعل الحرب؟ والخلاف حول الحوار السوداني تعود المهدي إلى الشراكة التي نشأت بين المدنيين والعسكريين بعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019، وما أعقبها من توقيع الوثيقة الدستورية، قبل أن تتعرض تلك الشراكة للانهيار إثر إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 التي اتخذها البرهان وحميدتي.

وترى أن الاستقطاب بين القوى المدنية والعسكرية، والخلافات داخل كل معسكر، أسهما في تهيئة الظروف لاندلاع الحرب في أبريل 2023، إلى جانب تراكمات تعود إلى سنوات حكم البشير والمرحلة الانتقالية.

وعندما يسألها الأحمري مباشرة عن الطرف الذي بدأ الحرب، تمتنع عن تحديد المسؤول عن إطلاق شرارتها، معتبرة أن الأولوية الحالية ينبغي أن تكون لوقف القتال، مع ضرورة إجراء تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات.

وتقول: «لدي رأيي ومعلوماتي بشأن من بدأ الحرب، لكنني لا أرى فائدة في طرح ذلك الآن قبل العمل على وقفها. نحن بحاجة إلى تقصٍّ موضوعي يحدد كيف اندلعت، ويحمل الأطراف مسؤولياتها بصورة متوازنة،

لأن الجميع يتحمل جانبًا من المسؤولية، وإن كانت مسؤولية بعض الجهات أكبر من غيرها» وفي ما يتعلق بالحوار السوداني الذي دعا إليه البرهان، تنفي المهدي تلقيها دعوة رسمية للمشاركة فيه، كما تنفي أن تكون قد وافقت على الحضور ثم تراجعت،

مؤكدة أنها من الداعين إلى الحوار السياسي، لكنها ترى أن نجاحه يتطلب توفير شروط مختلفة عن تلك التي سادت خلال المحاولات السابقة. وتقول: «لم أتلقَّ أي دعوة للمشاركة في الحوار، وما قيل عن موافقتي ثم تراجعي مجرد شائعات.

نحن نرى في الحوار فرصة أساسية لإنهاء الحرب، لكن العملية السياسية يجب أن تبدأ بوقف القتال وحماية المدنيين وإيصال الإغاثة، ثم بناء الثقة بين الأطراف، حتى لا يتحول الحوار إلى تكريس لواقع الحرب أو مجرد توزيع للمناصب» ويواجهها الأحمري بتراجع الثقة الشعبية في القوى المدنية،

وباتهامات لبعض الأحزاب والتحالفات بالانحياز إلى أحد طرفي الحرب وتجاهل الانتهاكات التي يرتكبها الطرف الذي تؤيده. وتقر المهدي بوجود هذه المشكلة، موضحة أن بعض المدنيين انخرطوا في الاستقطاب العسكري، لكنها تحذر من تعميم الاتهامات على جميع القوى المدنية،

مشيرة إلى أن مجموعات سياسية ما زالت تعمل على التواصل مع الطرفين لوقف الحرب. وتضيف: «هناك مدنيون انزلقوا بالفعل إلى التبعية لأحد طرفي الحرب، وهذا صحيح، لكن هناك أيضًا مجموعات مدنية ترفض الحرب وتعمل على إنهائها.

والمشكلة الكبرى أن الفعل المدني يتضاءل يومًا بعد يوم لصالح الفعل العسكري، حتى أصبح من الصعب على الإنسان أن يتحدث في السياسة من دون حماية عسكرية» حزب الأمة بين «تأسيس» و«صمود»... ونفي اتهام البرهان تنتقل الحلقة إلى الانقسامات التي شهدها حزب الأمة القومي بعد وفاة زعيمه الصادق المهدي، وخصوصًا تباين مواقف قياداته من الجيش وقوات الدعم السريع والتحالفات السياسية التي ظهرت خلال الحرب.

وترفض المهدي وصف ما يجري داخل الحزب بأنه انقسام نهائي، معتبرة أنه خلاف سياسي وتنظيمي تفاقم بفعل الاستقطاب، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لإعادة بناء مؤسسات الحزب وتوحيد آليات اتخاذ القرار. وتوضح أن فضل الله برمة ناصر كان قد تولى رئاسة الحزب بالتكليف بعد وفاة الصادق المهدي،

لكن انضمامه إلى تحالف «تأسيس»، المرتبط بقوات الدعم السريع، من دون موافقة مؤسسات الحزب أدى إلى خلافات داخلية، وإعلان تكليف محمد عبد الله الدومة بالرئاسة،

وهو أمر تقول إنه ما زال محل نقاش تنظيمي. وتقول: «نحن نعترف بوجود تباينات سياسية داخل حزب الأمة، لكننا لا نريد أن تتحول إلى انقسام دائم. لدينا قيادات في تأسيس،

وأخرى في صمود، وقيادات تدعم الجيش، غير أن هذه المواقف لم تُتخذ بصورة مؤسسية متفق عليها، ولذلك نعمل على إعادة الجميع إلى مؤسسات الحزب» وعندما يسألها الأحمري عن موقفها من تحالف «صمود»،

الذي يتهمه بعض السودانيين بأنه يمثل واجهة سياسية للدعم السريع، ترفض تبني الاتهام، مشيرة إلى أن التحالف يقدم نفسه بوصفه تجمعًا مدنيًا مستقلًا عن طرفي الحرب، وأنها تفضل مناقشة خلافاتها مع قياداته بصورة مباشرة بدل تحويلها إلى سجال إعلامي.

وتقول: «صمود يقول إنه تحالف مدني لا ينضم إلى أي من طرفي الحرب، وأنا أتعامل معه وفق ما يعلنه عن نفسه. لدي ملاحظات سياسية ناقشتها مع قياداته، لكنني أرفض تحويل هذه الخلافات إلى وسيلة لتجريم الآخرين أو تخوينهم في ظل الاستقطاب الحالي» أما أكثر محطات الحوار إثارة فتأتي عندما يواجهها الأحمري بتصريحات للبرهان قال فيها إن مريم الصادق المهدي،

إلى جانب خالد عمر يوسف وبابكر فيصل، حاولوا إقناعه باتفاق سياسي بديل عن الاتفاق الإطاري، يسمح لقوى مدنية بالسيطرة على الجهاز التنفيذي والاستمرار في الحكم عشر سنوات. وتنفي المهدي مشاركتها في أي محادثات من هذا النوع،

مؤكدة أنها لم تكن ضمن المجموعة التي تولت الاتصالات المباشرة مع القيادات العسكرية، وأن موقف حزب الأمة كان يقوم على ضرورة العودة إلى الانتخابات ومنح المواطنين حق اختيار ممثليهم. وتضيف أن استمرار القوى السياسية في الحكم من دون تفويض انتخابي يتعارض مع المبادئ التي يدافع عنها حزبها، متسائلة عن مشروعية ادعاء تمثيل الشعب السوداني بعد سنوات من غياب الانتخابات.

التطبيع مع إسرائيل وانتهاكات الفاشر وفي الجزء الأخير من الحلقة، تستعيد المهدي تجربتها وزيرة للخارجية خلال المرحلة الانتقالية، موضحة أنها لم تسعَ إلى تولي المنصب، وأن حزب الأمة رشحها ضمن ثلاثة أسماء قبل أن يقرر اختيارها للحقيبة،

رغم تفضيلها العمل في المؤسسة التشريعية. كما تتناول الانتقادات التي تعرضت لها بسبب تصريحات أدلت بها خلال لقاء مع وزير الخارجية المصري الأسبق سامح شكري، رافضة تفسير حديثها عن احترام خبرته الدبلوماسية بوصفه اعترافًا بنقص مؤهلاتها. وتقول: «الحديث باحترام مع الآخرين لا يعني أنني أفتقر إلى المؤهلات.

أنا طبيبة وخريجة قانون، وعملت في ملفات العلاقات الخارجية بحزب الأمة منذ عام 2003، ولدي خبرتي السياسية، لكنني أحترم من هم أكبر مني سنًا وأكثر خبرة في العمل الدبلوماسي» وتوضح كذلك أن احتفاظها بجواز سفر دبلوماسي بعد مغادرتها الوزارة يستند،

بحسب قولها، إلى القوانين السودانية التي تمنح وزراء الخارجية السابقين هذا الحق، مؤكدة أنها تسلمت الجواز من وزارة الخارجية بعد استقالتها ولم تطلب تجديده منذ ذلك الحين. وفي ملف العلاقات مع إسرائيل،

تؤكد المهدي رفضها ربط رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بالتطبيع، معتبرة أن الشعب السوداني استحق الخروج من القائمة بعد إسقاط نظام البشير، وأن اشتراط التطبيع حمّله تبعات إضافية عن سياسات نظام سابق. وتقول: «لم أكن موافقة على التطبيع بهذه الطريقة،

لأنه فُرض على السودان في ظل غياب الشفافية ومن جهات غير منتخبة، وبأسلوب يقوم على الابتزاز السياسي. السودان استحق رفع اسمه من قائمة الإرهاب بعدما ثار شعبه على النظام الذي أدخله في هذه القائمة، ولا يجوز معاقبة السودانيين مرتين».

وتشدد على أن أي سلام في المنطقة ينبغي أن يحفظ حقوق الفلسطينيين، وفي مقدمتها حقهم في إقامة دولتهم، وأن العلاقات بين الدول لا ينبغي أن تُبنى على فرض الشروط السياسية مقابل الحصول على حقوق مستحقة. وفي ختام الحوار،

يواجهها الأحمري بسؤال عن موقفها من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر ودارفور وكردفان، وما إذا كانت قد أدانتها بصورة واضحة. وتؤكد المهدي أنها أدانت تلك الجرائم مرارًا، وأن تراجع ظهورها الإعلامي لا يعني تجاهل الانتهاكات،

موضحة أنها تركز في المرحلة الحالية على العمل السياسي وتوثيق الجرائم والمساهمة في الجهود الرامية إلى وقف الحرب. وتقول: «ما قامت به قوات الدعم السريع في الفاشر والجزيرة وكردفان ومناطق أخرى من السودان مدان ومستنكر، وقد أدنت هذه الانتهاكات مرات عديدة. وهناك أيضًا انتهاكات ارتكبتها أطراف أخرى في الحرب،

وكلها مدانة، ونحن بحاجة إلى توثيقها والعمل على وقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عنها»