كشفت صور أقمار صناعية عالية الدقة، حللتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة، عن طوق من التحصينات الدفاعية الأرضية يحيط بمدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان غربي السودان.
وتتطابق هذه المعطيات البصرية مع تقرير حديث صادر عن مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل الأمريكية، وثّق طبيعة التموضع العسكري في محيط المدينة، محذرا من التبعات الكارثية للحصار الذي تحاول قوات الدعم السريع فرضه على المدنيين والأعيان الحيوية في ظل عمليات قصف مستمرة بالطائرات المسيّرة. طوق دفاعي بري وتظهر صور الأقمار الصناعية أن الجيش السوداني أنشأ شبكة واسعة ومترابطة من السواتر،
والخنادق، والحواجز الترابية الدفاعية لحماية الأبيّض، ويبلغ طول هذا الحزام الإجمالي نحو 51 كيلومترا. ووفق تقرير المختبر،
فإن هذا الموقف يحمل طابعا دفاعيا متسقا مع توقعات الجيش بمواجهة حصار طويل ومستمر متعدد الاتجاهات من قبل قوات الدعم السريع على تخوم المدينة. وتقدم صور الأقمار الصناعية الملتقطة في أبريل/نيسان الماضي، التي حللتها وحدة المصادر المفتوحة، أدلة بصرية على السواتر الترابية،
حيث تظهر الصور الفضائية تبدلا كاملا في المنطقة بعد شق شبكة من الخنادق الترابية. وعلى مستوى الضواحي المأهولة بالسكان، توثق الصور الفضائية اقتراب شبكة السواتر والخنادق من حواف الأحياء والكتل العمرانية، لتشكل جدارا بريا عازلا يعطل تسلل وتوغل المركبات القتالية أو الدروع نحو عمق المربعات السكنية.
تحذيرات من تداعيات محتملة إزاء ما سبق، حذر تقرير مختبر جامعة ييل من أن إطباق حصار قوات الدعم السريع على الأبيض سيؤدي حتما إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وزيادة في خسائر الأرواح والممتلكات بين المدنيين، خاصة في صفوف النازحين الأكثر هشاشة القابعين في مراكز الإيواء. وأوضح المختبر أن تكتيكات الحصار الميداني تؤدي مباشرة إلى شح حاد في إمدادات الغذاء والمياه المحدودة أصلا،
مما يعرض المدنيين لأخطار ثلاثية متداخلة؛ إذ يواجهون القتل، أو الإصابة جراء الأوبئة والأمراض المتفشية، أو الوقوع في شرك النيران المتبادلة والقصف الجوي والمدفعي المستمر. خريطة توضح مسار الطوق الترابي ومواقع استهداف محطات الوقود والمنشآت الحيوية بمدينة الأبيض،
23 يونيو/حزيران 2026 (مختبر أبحاث جامعة ييل) استهداف المنشآت المدنية ومع عدم قدرتها على شن هجمات برية مباشرة، ركزت قوات الدعم السريع على سلاح الطائرات المسيرة وجعلته بديلا جويا يتخطى الجدار الأرضي ويسعى لعزل المدينة خدميًّا. وكانت وحدة المصادر المفتوحة قد رصدت في تقرير سابق استهداف منشآت مدنية وحيوية في الأبيض بالقصف المباشر عبر المسيّرات منذ مطلع العام الجاري. وشملت المواقع المرصودة منشآت في القطاع الصحي،
بينها الصندوق القومي للإمدادات الطبية، ومركز كردفان لعلاج الأورام، والمستوصف البريطاني. كما امتد الاستهداف إلى القطاع التعليمي عبر جامعة كردفان،
وسكن داخلي للطلاب، ومدارس ابتدائية. وفي القطاع الخدمي، برزت محطة كهرباء الأبيض التحويلية ومحطات وقود ومنشآت إنتاجية ضمن المواقع المتضررة،
إلى جانب مقار إعلامية وحكومية ومناطق صناعية. ضغوط دولية في غضون ذلك، قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عقد جلسة طارئة يوم الجمعة المقبل لبحث الوضع في مدينة الأبيض في السودان، حيث يُخشى وقوع فظائع على نطاق واسع،
على غرار الانتهاكات التي شهدتها مدينة الفاشر سابقا، والتي لا تزال آثارها مستمرة وسط مخاوف بشأن مصير 20 طبيبا وطبيبة محتجزين. وأعلن مجلس حقوق الإنسان، الثلاثاء،
في بيان أنه سيعقد هذه الجلسة الطارئة لمناقشة "وضع حقوق الإنسان في الأبيض ومحيطها بشمال كردفان في ظل النزاع الجاري في السودان". محور الصراع.. لماذا تشكل مدينة الأبيض مفتاح السيطرة على غرب السودان؟#تقرير: أسامة محمدقراءة: علي نشوان pic.twitter.com/pqhJaOwn9l — قناة الجزيرة (@AJArabic) June 27, 2026 وتأتي هذه الخطوة بعدما خاطبت بريطانيا بدعم من ألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج مجلس حقوق الإنسان الملتئم حاليا في جلسة دورية حتى الأسبوع المقبل لمطالبته بعقد نقاش طارئ بهذا الشأن. وتعتزم هذه الدول أن تقدم للمجلس وأعضائه الـ47 مشروع قرار للمطالبة بـ"خفض التصعيد فورا".
وحذرت هذه الدول من أن "حوالي 500 ألف مدني قد يقاسون فظائع على نطاق واسع" في الأبيض المحاصرة منذ أشهر من قبل قوات الدعم السريع التي تخوض حربا ضد الجيش السوداني منذ أبريل/نيسان 2023. نفي الحصار وفي سياق الرد على تقارير العزل الميداني، نفى والي شمال كردفان، عبد الخالق عبد اللطيف،
وجود أي حصار بري عسكري مطبق على المدينة من قبل الدعم السريع، مؤكدا أن أقرب نقطة يوجدون بها هي مدينة "بارا" التي تبعد 57 كيلومترا عن الأبيض. 🔴والي شمال كردفان عبد الخالق عبد اللطيف ينفي الشائعات ويؤكد عدم وجود حصار بري على الأبيض pic.twitter.com/HEvM3Js45I — هاشتاق السودان (@hashsudan) June 28, 2026 وأوضح الوالي أن القوات المسلحة تتعامل مع هذه الحشود باحترافية وتضربها بعيدا عن تخوم الأبيض، بحسب تعبيره،
مشيرا إلى أن تشبيه وضع الأبيض بوضع الفاشر غير دقيق، ومنتقدا في الوقت ذاته المواقف الدولية بالقول إن الأمم المتحدة مطالبة بالتدخل الفعلي لمنع الانتهاكات وجرائم الحرب ضد المدنيين بدلا من الاكتفاء بالتحذيرات اللفظية. وأسفر النزاع في السودان الذي دخل عامه الرابع عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 12 مليون شخص، فضلا عن تسببه في أسوأ أزمة نزوح وجوع في العالم بحسب الأمم المتحدة.
واشتدت حدة المعارك خلال الأشهر الأخيرة في إقليم كردفان وولاية النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية، لا سيما بعد سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، آخر معاقل الجيش الرئيسية في غرب دارفور.