وضعت الهجمات التي تشنها مسيّرات "الدعم السريع" هذه الأيام على منشآت الكهرباء، من محطات التوليد والتحويل الكهربائي، في مناطق عدة من السودان، سلاسل تبريد وتخزين الغذاء والدواء أمام اختبار صعب،
مع اتساع انقطاع التيار ونقص الوقود وارتفاع كلفة التخزين، وسط مخاوف صحية واقتصادية متزايدة. وتشير تقديرات الوكالة إلى تراجع إنتاج الكهرباء من نحو 4400 ميغاوات قبل الحرب إلى قرابة 1100 ميغاوات، مما يفاقم المخاوف في شأن مصير الأغذية سريعة التلف،
والأدوية واللقاحات التي تتطلب تبريداً مستمراً، ويضع الأمن الغذائي والصحي للسودانيين أمام تحديات إضافية. هشاشة واختلالات وكشفت الهجمات المتكررة على محطات التوليد والتحويل الكهربائي في السودان عن حجم هشاشة البنية التحتية للطاقة، بعدما خرجت منشآت رئيسة عن الخدمة في عدد من الولايات،
ولم تقتصر تداعيات هذه الهجمات على انقطاع الكهرباء عن المنازل، بل امتدت إلى المستشفيات والمخابز والأنشطة التجارية ومخازن الأغذية، في وقت تواجه المؤسسات صعوبات متزايدة في توفير الوقود، وتشغيل المولدات الاحتياطية وإصلاح الأعطال.
ويقول المتخصص في قطاع الطاقة والكهرباء، محمد الباهي، إن "استهداف محطات التوليد والتحويل الكهربائي يترك تداعيات تتجاوز حجم الطاقة المفقودة، لأن الشبكة القومية تعمل وفق منظومة مترابطة،
تعتمد فيها الولايات والمناطق المختلفة على محطات التوليد والتحويل وخطوط النقل لتأمين حاجاتها من الكهرباء، وبالتالي فخروج محطة رئيسة عن الخدمة لا يعني فقط حرمان المنطقة من الإمداد، بل قد يؤدي إلى زيادة الأحمال على المحطات الأخرى، وإحداث اختلالات في توزيع الكهرباء،
خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً ضعف الإمدادات". ويرى الباهي أن "المشكلة الأكبر تكمن في طبيعة الأضرار التي تلحق بالمحولات ووحدات التوليد، إذ إن إعادة تشغيل هذه المنشآت لا تحصل بمجرد إصلاح الأعطال البسيطة، وإنما تتطلب معدات متخصصة وقطع غيار،
قد لا تكون متاحة داخل البلاد، إضافة إلى فرق فنية مؤهلة ووقت كافٍ لتنفيذ عمليات الصيانة والاختبارات الفنية، قبل إعادة المحطة للخدمة، واستمرار العمليات العسكرية قد يعرقل وصول الفرق الهندسية إلى المواقع المتضررة ويؤخر أعمال الإصلاح".
وتابع أن "خطورة الوضع تزداد مع محدودية البدائل المتاحة، فالمولدات الاحتياطية لا يمكن عدها بديلاً دائماً عن الشبكة القومية، نظراً إلى ارتفاع كلفة الوقود والصيانة، فضلاً عن محدودية قدرتها الإنتاجية مقارنة بحاجات المنشآت الكبيرة،
وكذلك فإن تشغيلها لفترات طويلة يتطلب إمدادات منتظمة من الديزل والزيوت وقطع الغيار، وهي حاجات يصعب تأمينها في ظل ظروف الحرب وتعطل طرق النقل والإمداد". أعلنت المنظمة الدولية للسكري في فبراير 2026 توفير 35 ثلاجة تعمل بالطاقة الشمسية في 25 مركزاً لرعاية مرضى السكري (أ ف ب) ولفت الباهي إلى أن "هذا الوضع ينعكس بصورة مباشرة على القطاعات التي تحتاج إلى كهرباء مستقرة، وفي مقدمها المؤسسات الصحية ومخازن الأدوية واللقاحات،
إضافة إلى مخازن الأغذية والمسالخ ومرافق إنتاج الألبان، فهذه المنشآت تعتمد على أنظمة تبريد تعمل بصورة متواصلة، وأي انقطاع طويل قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل وحدات التخزين، بما يهدد سلامة المنتجات الغذائية وفعالية بعض المستحضرات الطبية".
وختم المتخصص في قطاع الطاقة والكهرباء حديثه قائلاً "من الناحية الفنية فإن حماية المنشآت الحيوية وإعطاء الأولوية لإمدادها بالكهرباء يمثلان ضرورة لتقليل الخسائر، إضافة إلى التوسع في استخدام الطاقة الشمسية وأنظمة البطاريات، خصوصاً في المرافق الصحية ومراكز حفظ الأغذية والأدوية، لكن هذه الحلول تحتاج إلى تمويل وتجهيزات وصيانة مستمرة،
ولا يمكنها وحدها تعويض انهيار شبكة كهرباء واسعة، ولذلك فإن استمرار استهداف منشآت الطاقة لا يهدد استقرار الكهرباء وحسب، بل يضع قطاعات الغذاء والصحة أمام أخطار متراكمة، ويجعل إعادة تأهيل الشبكة وتأمين إمدادات مستقرة للمرافق الحيوية جزءاً أساسياً من جهود الحد من التداعيات الإنسانية والاقتصادية للحرب".
غذاء مهدد من المزرعة إلى الأسواق، تمر المنتجات الغذائية بمراحل متتابعة من النقل والتخزين والتبريد، تتطلب إمدادات كهربائية مستقرة للحفاظ على جودتها وسلامتها، لكن انقطاع التيار المتكرر في السودان يهدد هذه المنظومة،
خصوصاً اللحوم والأسماك والألبان التي تحتاج إلى درجات حرارة محددة لمنع تلفها، ومع ارتفاع كلفة الوقود وصعوبة تشغيل المولدات الاحتياطية، يواجه المنتجون والتجار تحديات متزايدة في حفظ بضائعهم، وسط مخاوف من خسائر اقتصادية وتراجع المعروض من الأغذية الطازجة في الأسواق.
ويؤكد الباحث في سلامة الغذاء، الهادي موسى، أن "سلاسل التبريد تعد من المكونات الأساسية لمنظومة الأمن الغذائي، لأنها تضمن المحافظة على سلامة المنتجات منذ إنتاجها وحتى وصولها إلى المستهلك،
وتعتمد هذه السلاسل على استمرار التحكم في درجات الحرارة خلال مراحل النقل والتخزين والعرض، وأي خلل في إحدى هذه المراحل قد يؤثر في جودة المنتجات ويزيد احتمالات تعرضها للتلف"، مضيفاً أن "اللحوم والأسماك ومنتجات الألبان تتأثر بانقطاع الكهرباء، نظراً إلى طبيعتها سريعة التلف وحاجتها إلى درجات حرارة منخفضة ومحددة،
فعندما تتوقف وحدات التبريد لفترات طويلة ترتفع درجات الحرارة داخل الثلاجات والمخازن، مما يزيد فرص نمو البكتيريا وأخطار التلوث الغذائي، وعودة الكهرباء لا تعني بالضرورة استعادة المنتجات صلاحيتها، إذ قد تكون تعرضت بالفعل لظروف تخزين غير آمنة".
وأوضح موسى أن "المشكلة تتضاعف في السودان بسبب ضعف البنية التحتية للتخزين المبرد في بعض المناطق، والمسافات الطويلة التي تقطعها المنتجات للوصول إلى الأسواق، فالألبان تحتاج إلى التبريد منذ جمعها من المزارع، بينما تتطلب اللحوم والأسماك ظروفاً دقيقة أثناء النقل والتخزين،
مما يجعل استمرار انقطاع الكهرباء تحدياً أمام المنتجين والتجار"، مبيناً أن "الخسائر لا تقتصر على قيمة المنتجات التالفة، بل تشمل كُلف تشغيل المولدات وشراء الوقود والصيانة، فضلاً عن اضطرار بعض التجار إلى تقليل مخزونهم أو تقليص نشاطهم،
وقد تنعكس هذه الأعباء على أسعار المنتجات، لتضاف إلى الضغوط المعيشية التي تواجه الأسر السودانية". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتابع "صغار المنتجين والتجار هم الأكثر عرضة للتأثر، بسبب محدودية إمكاناتهم المالية وعدم قدرتهم على توفير أنظمة تبريد بديلة،
أو تحمل الخسائر المتكررة، وهنا تبرز أخطار صحية مرتبطة باحتمال وصول منتجات تعرضت لسوء التخزين إلى المستهلكين، مما قد يسبب حالات تسمم وأمراضاً ناتجة من التلوث الغذائي". وخلص الباحث إلى القول إن "مواجهة هذه التداعيات تتطلب توفير مصادر طاقة بديلة لمنشآت التخزين والإنتاج،
والتوسع في استخدام أنظمة التبريد بالطاقة الشمسية، إضافة إلى تعزيز الرقابة على سلامة الأغذية ودرجات حرارة حفظها، فاستمرار سلاسل التبريد لم يعد مرتبطاً بجودة المنتجات وحسب، بل أصبح ضرورة لحماية الصحة العامة والحد من خسائر الغذاء".
حلول وتجهيزات وإذا كان تلف الأغذية يمثل خسارة اقتصادية وصحية، فإن تعطل سلاسل التبريد الطبية يحمل أخطاراً أكثر حساسية، لارتباطه بفعالية الأدوية وسلامة اللقاحات، وقد حذرت "منظمة إنقاذ الطفولة" في نيسان (أبريل) 2023 من تلف مخازن لقاحات ومخزون من الأنسولين،
وبعض المضادات الحيوية، بسبب انقطاع الكهرباء في بداية الحرب، وخلال النصف الأول من العام الحالي، واصلت "يونيسف" دعم سلاسل التبريد وتوفير نحو 42 مليون جرعة لقاح،
فيما أعلنت "المنظمة الدولية للسكري" في فبراير (شباط) الماضي توفير 35 ثلاجة تعمل بالطاقة الشمسية في 25 مركزاً لرعاية مرضى السكري. ويقول الصيدلي محمد مالك إن "الأدوية تختلف في حاجاتها التخزينية، لكن بعض المستحضرات الطبية، مثل الأنسولين وعدد من اللقاحات،
تتطلب درجات حرارة محددة للحفاظ على فعاليتها، وقد يؤدي تعرضها لدرجات حرارة غير مناسبة إلى تراجع فعاليتها أو فقدان صلاحيتها، من دون أن تظهر بالضرورة علامات تلف يمكن ملاحظتها بالعين". واستطرد مالك "تكمن خطورة انقطاع الكهرباء في أن المؤسسات الصحية لا تواجه فقط مشكلة توقف الثلاجات،
بل أيضاً صعوبة ضمان استقرار درجات الحرارة طوال فترة الانقطاع، فالمولدات الاحتياطية تحتاج إلى وقود وصيانة، وتعطل أجهزة التبريد أو غياب وسائل مراقبة الحرارة يجعل التأكد من سلامة المخزون الطبي أكثر صعوبة"، موضحاً أن "هذه الأخطار تزداد في المناطق التي تعاني ضعف الخدمات الصحية وصعوبة وصول الإمدادات،
إذ قد يؤدي تلف شحنة من اللقاحات أو الأدوية إلى تأخير برامج التطعيم والعلاج، خصوصاً في ظل محدودية البدائل". ونوه الصيدلي إلى أن "الثلاجات العاملة بالطاقة الشمسية تشكل أحد الحلول المهمة، لكنها تحتاج إلى تجهيزات مناسبة وصيانة ومتابعة فنية،
ونجاحها يتطلب تغطية عدد أكبر من المرافق الصحية، وتوفير أنظمة احتياطية تضمن استمرار التبريد عند تعطل أي مكون، ولذلك فإن حماية سلاسل التبريد الطبية لا تتعلق بتوفير الكهرباء وحدها، بل ببناء منظومة متكاملة تشمل التخزين والنقل ومراقبة درجات الحرارة،
وتأمين الوقود والطاقة البديلة". ارتفاع الكلفة ولا تقف تداعيات انهيار سلاسل التبريد عند تلف الأغذية أو تعطل حفظ الأدوية، بل تمتد إلى كُلف الإنتاج والتوزيع وقدرة الأسواق على توفير السلع الأساسية، ومع ارتفاع أسعار الوقود يصبح تشغيل المولدات عبئاً إضافياً على المنشآت التجارية الصغيرة،
فيما تظل أنظمة الطاقة الشمسية مكلفة بسبب حاجات التركيب والتخزين والصيانة. ويبين المحلل الاقتصادي، السر سليمان، أن "التبريد يمثل جزءاً أساسياً من البنية التشغيلية لقطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية والنقل والتجارة،
واستمرار انقطاع الكهرباء لا يؤدي فقط إلى تلف المنتجات، بل يرفع كلفة النشاط الاقتصادي في مختلف مراحل الإنتاج والتوزيع"، موضحاً أن "أصحاب المنشآت يضطرون إلى الاعتماد على المولدات لتشغيل الثلاجات والمخازن، وهو ما يضيف أعباء مرتبطة بالوقود والصيانة وقطع الغيار،
وتكون هذه الكُلف أكثر تأثيراً على المشاريع الصغيرة التي لا تمتلك احتياطيات مالية كافية لمواجهة الانقطاعات المتكررة، وقد تلجأ إلى تقليل الإنتاج أو المخزون لتجنب الخسائر". وأردف سليمان "على رغم أن الطاقة الشمسية توفر بديلاً مهماً على المدى الطويل، فإن تعميم استخدامها يحتاج إلى استثمارات أولية في الألواح والبطاريات وأجهزة التبريد،
إضافة إلى توفر الخبرات الفنية اللازمة للتركيب والصيانة، وهذا يجعل الاستفادة منها متفاوتة بين المنشآت بحسب قدرتها المالية وموقعها"، عاداً أن "هذه الأعباء تنعكس في نهاية المطاف على المستهلك، سواء من خلال ارتفاع أسعار بعض المنتجات أو تراجع توافرها في الأسواق،
وكذلك فإن تعطل سلاسل التبريد يضعف قدرة المنتجين على نقل بضائعهم مسافات طويلة، ويزيد احتمالات الخسائر خلال التخزين والتوزيع". ومضى المحلل الاقتصادي في القول إن "معالجة أزمة التبريد يفترض النظر إليها على أنها قضية اقتصادية وخدماتية متكاملة، لا مجرد مشكلة مرتبطة بانقطاع التيار،
فاستقرار الكهرباء وتأمين مصادر بديلة للطاقة يمثلان شرطاً لاستمرار قطاعات إنتاجية وتجارية واسعة، والحد من الخسائر الإضافية التي يتحملها الاقتصاد والمواطنون".