يواجه السودان تحديات مناخية متصاعدة، تتسم بشح الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، وتعزى هذه التحديات إلى ظاهرة "النينيو" التي تتفاقم حدتها في ظل الحرب الدائرة والأزمة الإنسانية الراهنة، مما ألحق أضراراً جسيمة بالاقتصاد الوطني والمؤسسات العامة،
وأضعف قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات. وتزيد هذه الظروف من أخطار الجفاف، وتراجع الإنتاج الزراعي، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي،
وفي يونيو (حزيران) 2023 أعلنت "المنظمة العالمية للأرصاد الجوية" عن بدء "النينيو"، وهو مصطلح إسباني يعني "المولود الجديد"، أطلقه صيادون في أميركا الجنوبية لاحظوا أن هذه الظاهرة تبلغ ذروتها عادة خلال فترة أعياد الميلاد (ديسمبر/ كانون الأول)، وتنجم عن تقلبات جوية فوق المحيط الهادئ قرب خط الاستواء.
ويعدّ السودان من بين أكثر الدول تأثراً بالتغير المناخي، وتشير المؤشرات كافة إلى أن موسم الأمطار الحالي الذي يبدأ عادة في يوليو (تموز) كل عام، يشهد معدلات هطول أقل بكثير من المتوسط السنوي، فقد سُجل تأخر هطول الأمطار في مناطق الزراعة الآلية شرق السودان،
وتحديداً في ولاية القضارف، وكذلك لوحظ انخفاض مماثل في ولايتي النيل الأزرق وسنار، وكذلك في ولايات كردفان ودارفور غرباً. وتثير هذه الظروف مخاوف حول فشل المحاصيل وتراجع قدرة المزارعين على تأمين سبل عيشهم،
وتتطابق هذه المعطيات مع تقارير دولية توثق عجز الأمطار وتأثيره في الموسم الزراعي في السودان، فيما يهدد ضعف الإنتاج الزراعي بتفاقم انعدام الأمن الغذائي في مناطق تعاني بالفعل تبعات الحرب والنزوح وارتفاع أسعار الغذاء. وفي الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ذكرت "المنظمة العالمية للأرصاد الجوية" أن الظاهرة تزداد حدة،
مع احتمال حدوث تغيرات في أنماط هطول الأمطار، وتزايد أخطار الجفاف والفيضانات في مناطق مختلفة، وكذلك حذرت مبادرة "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، المدعومة من الأمم المتحدة،
من أن الجفاف الناجم عن "النينيو" يتفاعل بصورة كارثية مع تداعيات النزاع المستمر في السودان، مما يسرع خطر حدوث مجاعة مع تدمير سبل العيش. تداعيات واسعة تشير بيانات "هيئة المساحة الجيولوجية" الأميركية إلى أن موسم الأمطار الأخير في السودان شهد أدنى مستويات للهطول منذ نحو ثلاثة عقود، إذ يعد الأسوأ منذ عام 1984 في ولاية شمال دارفور،
والأدنى منذ تسعينيات القرن الماضي في ولايتي شمال كردفان والقضارف، وقد أبدت ظواهر "النينيو" القوية التي حدثت في الماضي، ولا سيما في عامي 1997-1998 و 2023-2024، كيف يمكن للتقلبات المناخية أن تؤثر بصورة سريعة في أنماط هطول الأمطار،
والإنتاج الزراعي، والموارد المائية، والأمن الغذائي في شرق أفريقيا، وهي المنطقة التي يقع ضمنها السودان.
وتسببت "النينيو" هذا العام بآثار سلبية في قطاعات حيوية في الاقتصاد والمجتمع السوداني، وهو وضع يزداد تعقيداً بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث أعوام، وما ترتب عليها من تداعيات واسعة. ومن العوامل الأخرى المؤثرة بصورة كبيرة في تقلبات منسوب المياه مع بداية موسم الأمطار خلال الأعوام الأخيرة،
إدارة المياه في "سد النهضة" الإثيوبي، بما في ذلك عمليات ملء الخزان وتشغيل توربينات توليد الطاقة، فأي احتجاز للمياه أو تعديل في بوابات السد يؤدي إلى انخفاض فوري في التدفق اليومي نحو النيل الأزرق، الرافد الرئيس لنهر النيل،
قبل أن تفتح البوابات مرة أخرى للسماح بمرور مياه الفيضان. وعلى رغم أن "النينيو" تؤثر في مناطق شاسعة حول العالم، لكن حدة هذا التأثير تتفاوت من منطقة إلى أخرى، وغالباً ما تتحمل الدول الأكثر فقراً التي تمتلك أقل قدرة على التكيف مع التغير المناخي،
الضرر الأكبر، ويعد السودان واحداً من أكثر 10 دول عرضة للتغير المناخي، إذ يحتل المرتبة السادسة عالمياً، وفقاً لأبحاث أجرتها "جامعة نوتردام".
وكذلك لفتت "منظمة الأغذية والزراعة" (الفاو) إلى أن الخرائط تظهر وجود حزام واسع من الجفاف الزراعي يمتد من السنغال وجنوب موريتانيا، مروراً بساحل العاج وغانا وتوغو وبنين ونيجيريا، وصولاً إلى السودان وإثيوبيا في الشرق. حثّ وزير المالية السوداني،
جبريل إبراهيم، على اتخاذ إجراءات دولية عاجلة لتعزيز التمويل المناخي، وإجراء تقييم شامل لتداعيات "النينيو" وشح الأمطار في السودان (اندبندنت عربية - حسن حامد) آثار التقلبات ووفقاً لتقارير "مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، يتزايد عدد النازحين في السودان بمعدل ينذر بالخطر جراء الصراع المستمر،
وتشهد الولايات السودانية، التي تعد آمنة نسبياً، تكدساً سكانياً كبيراً بسبب تدفق الفارين من المناطق التي مزقتها الحرب، وتتزايد المخاوف في ظل موسم أمطار شحيح ونقص حاد في الإمدادات الإنسانية.
ويواجه السودان خطر الانزلاق نحو مستويات أعمق من الجوع، مدفوعاً باستمرار الحرب وخفض تمويل المساعدات، وارتفاع الكُلف الزراعية المرتبطة بالاضطرابات قرب مضيق هرمز، وبحسب نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي،
كارل سكاو، فإن هذا الوضع يهدد بتقويض التقدم الذي أحرز في احتواء المجاعة التي ضربت أجزاء من البلاد سابقاً. وأفادت "الفاو" بأن نحو 26 مليون شخص يواجهون خطر المجاعة، منهم 775 ألفاً يعانون بالفعل مستويات كارثية من الجوع الحاد،
إضافة إلى أن "النينيو" تترك آثاراً بالغة القسوة في الأنظمة الصحية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية في السودان، وفي ظل اكتظاظ مراكز الإيواء بالنازحين في بلدات وقرى تعاني أصلاً ضعف البنية التحتية، مثل غياب الصرف الصحي الملائم، ومحدودية الوصول إلى مياه الشرب،
ونقص مرافق الطهي والتخزين، تأتي "النينيو" لتضاعف معاناة المتضررين من الحرب. وكذلك فإن سوء تصريف المياه الراكدة يخلق بيئة خصبة لتكاثر نواقل الأمراض، مثل البعوض،
مما يزيد احتمال تفشي الكوليرا والملاريا وحمى الضنك، وقد تسهم الظروف المناخية أيضاً في انتشار الجراد الصحراوي الذي قد يقضي بدوره على ما بقي من المحاصيل الزراعية. وفي السياق، وضمن صفحة الصحة والسلامة والبيئة في صحيفة "ذي سيتيزن"،
قال عضو "جمعية مهندسي البيئة" في المملكة المتحدة، عبدالرحمن محمد زين، إن "السودان الذي يواجه بالفعل تحديات الصراع، والضغوط الاقتصادية،
وتزايد الهشاشة المناخية، لم يعد السؤال فيه يدور حول ما إذا كانت التقلبات المناخية ستترك أثراً، بل حول مدى استعداد البلاد للتخفيف من حدة تلك الآثار"، مضيفاً أن "القطاع الزراعي في السودان يعتمد بصورة كبيرة على الأمطار الموسمية،
لذا فإن أي انخفاض ملموس في معدلات الهطول قد يؤدي إلى ضعف المحاصيل، وتدهور المراعي، ونفوق الماشية، وزيادة الضغط على الموارد المائية المحدودة أصلاً".
ضغوط إضافية لا تقتصر آثار ظاهرة "النينيو" على تغيير أنماط هطول الأمطار وحسب، بل تمتد لتشمل تغييراً في درجات الحرارة، وتشير النماذج المناخية إلى احتمال كبير بأن تتجاوز درجات الحرارة المعدلات الموسمية في أجزاء واسعة من منطقة القرن الأفريقي وتمتد إلى السودان، ومن المتوقع أن يؤدي ذلك،
مقترناً بظاهرة الاحتباس الحراري، إلى تفاقم الإجهاد الحراري على البشر والماشية، وتسريع تبخر المياه، وتقليل رطوبة التربة،
مما يضع ضغوطاً إضافية على الإنتاج الزراعي والنظم البيئية، ولا تقتصر هذه التبعات على القطاع الزراعي وحسب، بل تمتد لتؤثر في الصحة العامة، وإدارة الموارد المائية،
والإنتاجية الاقتصادية بصورة عامة. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويسعى المزارعون في السودان جاهدين إلى ابتكار طرق لري حقولهم، لكن كثيراً اضطروا إلى هجر أراضيهم، حيث أصبحت نحو 65 في المئة من المساحات الزراعية الشاسعة غير صالحة للزراعة،
ويشير الحاج عمران، وهو مزارع في منطقة شرق النيل، إلى تكبده خسائر فادحة بعد زرع محصول الذرة الرفيعة الذي يعتمد عليه في دخله السنوي، وتوفير الغذاء لأسرته،
ومشاركة أقاربه، موضحاً أنه استثمر كل مدخراته في تجهيز التربة وتغطية كُلف الزراعة، بما في ذلك أجور العمالة، لكن الأمطار المتوقعة لم تهطل،
مما أدى إلى جفاف التربة وتلف المحاصيل، ويؤكد أنه لا يملك القدرة على تمويل موسم زراعي آخر من دون الحصول على مساعدة. وامتدت الأزمة أيضاً لتطاول قطاع الثروة الحيوانية، حيث تظهر مشاهد من سوق الماشية في منطقة المسيد أغناماً هزيلة نتيجة شح الموارد خلال موسم الخريف،
ويذكر كريم موسى، وهو تاجر ماشية في السوق الأسبوعية المحلية، أن الماشية كانت وفيرة وبحال جيدة خلال الأعوام التي سبقت الحرب، مرجعاً التدهور الحالي إلى عوامل عدة،
منها الجفاف ونقص المراعي والأعلاف، وانخفاض الخصوبة والإنتاجية بسبب الحرارة الشديدة، وكذلك باتت الحيوانات تعاني أمراضاً جديدة لم تكن معروفة في المنطقة من قبل. إجراءات عاجلة من جهتها،
دعت "الفاو" و"برنامج الأغذية العالمي" إلى زيادة الدعم الدولي لتوسيع برامج العمل الاستباقي في البلدان الأكثر عرضة للأخطار المناخية، بما في ذلك السودان، وتشمل هذه التدابير توزيع بذور مقاومة للجفاف، وحماية الثروة الحيوانية،
وتعزيز أنظمة الإنذار الباكر، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتقديم مساعدات مالية للمجتمعات الأكثر ضعفاً قبل وقوع الكوارث، وقد أثبتت التجارب أن هذه التدخلات الاستباقية أكثر فعالية بكثير،
وأقل كلفة بصورة ملاحظة، مقارنة بالاستجابة بعد وقوع الكارثة. وأوضحت "الفاو" أن العمل الباكر يساعد في حماية المحاصيل والثروة الحيوانية وسبل العيش، مما يقلل الحاجة إلى مساعدات طارئة مكلفة وفترات تعاف طويلة،
وكذلك يسهم في منع التضخم ونقص الغذاء وتراكم الديون التي غالباً ما تلي الكوارث، ولهذا السبب أطلق "برنامج الأغذية العالمي" و"منظمة الأغذية والزراعة" في يونيو الماضي نداء واسعاً للعمل الاستباقي، بهدف حماية نحو 9 ملايين شخص في 22 دولة، بما في ذلك السودان،
من التداعيات المحتملة لظاهرة "النينيو" القوية. وفي موازاة ذلك، حثّ وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم،
على اتخاذ إجراءات دولية عاجلة لتعزيز التمويل المناخي، وإجراء تقييم شامل لتداعيات "النينيو" وشح الأمطار في السودان، محذراً من الأخطار التي تهدد الموسم الزراعي في البلاد والإنتاج الكلي والأمن الغذائي. وفي بيان صدر أخيراً،
أعلنت وزارة المالية أن الوزير شارك في اجتماعات "التجمع الأفريقي" التي عقدت على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك، وناقشت تأثير شح الأمطار وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة في كُلف الإنتاج الزراعي وأسعار السلع الأساسية، وكذلك بحث التداعيات المحتملة التي قد تترتب على انخفاض الإنتاج الزراعي السوداني، وتأثير ذلك في الإمدادات الغذائية لدى الدول المجاورة،
وقد طلب الوزير تحديد الأخطار التي تهدد الموسم الزراعي والإنتاج الغذائي، وتقييم المتطلبات المالية والفنية اللازمة للتدخل الباكر بهدف تخفيف الآثار الاقتصادية والاجتماعية المحتملة، مما يسهم في حماية الإنتاج الزراعي وسبل العيش.