كتب – د. صابر ربيع بدوي تستمر حرب العدوان على السودان في صياغة فصول جديدة أكثر تعقيداً في مسار النزاعات الحديثة، حيث تحول استهداف البنية التحتية الحيوية من محطات كهرباء ومياه بواسطة المسيرات الاستراتيجية والانقضاضية إلى أداة خنق مقننة ضد للمدنيين الأبرياء. لكن التحول الأكثر خطورة يتجلى في انطلاق هذه الهجمات من أراضي دول مجاورة وتحديداً إثيوبيا،

وهو ما يضع الخرطوم أمام نمط معقد من النزاعات العابرة للحدود التي تستغلها الميليشيات المسلحة تحت مظلة (الفاعلين من غير الدول) – وهو مصلح يُستخدم في العلوم السياسية والعلاقات الدولية – لترمي بسيادتها ومسؤولياتها الإقليمية في إطار رمادي بين عجز الدولة المضيفة أو تواطئها الضمني. أمام هذا التهديد الخطير، يجد الفكر السياسي والقانوني للدولة السودانية نفسه ملزماً بتأطير ردوده وفق مرجعيات القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني. فمن الناحية القانونية،

أرست سوابق محكمة العدل الدولية، بدءاً من قضية (مضيق كورفو) عام 1949، قاعدة أصولية تحظر على أي دولة السماح بعلم باستخدام أراضيها لأعمال تتنافى مع حقوق سيادة الدول الأخرى. وفي الوقت نفسه،

تصنف المادتان 52 و54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف التعرض للأعيان والمرافق الضرورية لبقاء السكان كجرائم حرب مكتملة الأركان. تمنح هذه الحقيقة الواضحة الدولة المتضررة سنداً أخلاقياً وقانونياً مستوفياً للجوء إلى المنظمات الدولية والمحاكم المختصة، واستصدار تدابير عاجلة تلزم العواصم المجاورة بكفّ أراضيها عن الاستغلال العدائي. وفي ميزان العرف الإستراتيجي،

يتجاوز الرد الفعال المسارات القانونية المحض ليقتبس من تجارب الشعوب والدول عبر التاريخ أدوات حاسمة وشاملة. فبينما فرضت سوابق محكمة العدل الدولية (مثل قضيتي نيكاراغوا 1986 والأراضي الكونغولية 2005) قيوداً صارمة في ربط حق الدفاع الشرعي بمعيار التحكم الفعلي للدولة على الميليشيات، جاء تطوير العرف الدولي بمفهوم عقيدة (الدولة غير الراغبة أو غير القادرة) ليملأ هذه الفجوة التنظيمية. ووفق هذا التأصيل الحديث،

في حال إبداء الدولة الجارة عجزاً أمنياً أو امتناعاً سياسياً عن تحييد منصات الإطلاق، ينشأ للدولة المعتدى عليها حق سيادي ومباشر لشن ضربات موجهة وتكتيكية تستهدف مصادر النيران القريبة حصراً، استناداً إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة مع الالتزام التام بمبدأي الضرورة والتناسب. ما يحدث الآن في السودان،

يحتاج خارطة طريق لإحباط هذه الهجمات، تتطلب التكامل التام بين ثلاثة أبعاد أساسية، بُعد دبلوماسي هجومي يعتمد تقديم ملفات فنية دامغة تعري نقاط الإطلاق أمام مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي والإيغاد وتضع الجوار تحت التزاماته الصريحة، وبُعد تقني دفاعي يستفيد من تقنيات التفكيك السيبراني والحرب الإلكترونية لحرمان المسيرات من التوجيه،

وتفعيل اتفاقات الدفاع المشترك مع الدول الحليفة، وإقامة شريط رصد واستطلاع استباقي يُبطل الهجمات قبل اختراقها أجواء المنشآت الحيوية. وأخيراً بُعد عسكري متزن يضمن الحفاظ على السيادة وحماية أرواح المواطنين دون الانجرار إلى صراعات بينية شاسعة، تستنزف الدولة وتشد أطرافها،

وهذا تحديداً ما ترمي له دول العدوان على السودان. النجاح في إدارة هذه المعادلة الحساسة لن يتأتى إلا بإدراك أن صون البنية التحتية وحياة الإنسان السوداني يتطلب الجمع بين حزمة القانون الصارم، والردع الميداني المحسوب، والدبلوماسية الحازمة.

* أستاذ القانون الدولي